فن وثقافة

الهولوجرام.. تقنية إحياء الماضي وإعادة عمالقة الفن إلى المسرح

أحمد الغـر

تتطور العروض الغنائية والتمثيلية على المسرح بوتيرة متسارعة، خاصة مع تطور التكنولوجيا التي أسهمت بشكل كبير في جعل حياة الإنسان أكثر متعة وفعالية.

وإذا كنا نعرف التكنولوجيا على أنها هي التي تسعى إلى إيجاد طرق عملية لاستخدام الاكتشافات العلمية بطريقة مُربحة، بالإضافة إلى سبل تحويل المعرفة العلمية إلى عمليات وأجهزة نفعية، فكان من الطبيعي ألا يغفل الانسان كيفية توظيفها في الفنون المختلفة، وعلى رأسها الفنون المسرحية.

فقد ظهرت تقنية “الهولوجرام” التى انتشرت مؤخراً بكثافة من خلال عدد من الحفلات العالمية الكبرى، ونجحت في إعادة إحياء النجوم الراحلين عن عالمنا، وزيادة الإبهار في الحفلات والعروض التي يتم تقديمها حاليا.

التشكيل البصري

المسرح هو أبو الفنون، فهو بناء حى متكامل يحوى حميع أنواع الفنون، بدءًا من النص الأدبى الذي يشكل جوهر النص المسرحي، ويليه الديكور والخلفيات والموسيقى والتمثيل والغناء.

ومن أهم العناصر المرئية على خشبة المسرح هى الخلفيات فهى تشكل العنصر الذي يبرز جميع الموجودات على خشبة المسرح طبقا للحتمية الدرامية من أثاث أو مناظر أو أزياء أو ما إلى ذلك من كل عناصر التشكيل البصرى للكتل الموجودة على خشبة المسرح.

وترتبط الخلفيات المسرحية بشكل مباشر مع عنصر الإضاءة، فهما معا يشكلان الجانب الأكبر من التشكيل البصرى للفراغ المسرحى على خشبة المسرح إلى جانب باقي العناصر البصرية الأخرى.

تقنيات العرض

لاشك أن المسرح ـ كغيره ألان من الفنون ـ هو فن قائم على أسس علمية ودراسات منهجية، إذ يمثل علم مستقل بذاته نابع من تعدد مجالات الفنون المشتركة فى إنتاج العرض المسرحى.

وفي ظل عدم استطاعة العناصر المسرحية التقليدية التاثير على مشاهدي القرن الواحد والعشرين بالشكل الواقعى الكافى، وفي ظل تزايد الامكانيات التكنولوجية يظهر الاحتياج المستمر للتغيير فى تقنيات العرض المسرحي،

ويحدث ذلك من خلال تجديد مفهوم الخلفيات والتحريك بها، والاستفادة الفعالة من عناصر الضوء وتقنياته الحديثة فى خلق خلفيات ثنائية أو ثلاثية الأبعاد، مما يثرى العروض المسرحية، وجعلها فعالة وتفاعلية على خشبة المسرح.

إثراء العمل الفني

تقنية الهولوجرام ـ وبلا شك ـ تثرى العمل الفنى بتطوير عنصرى الضوء والحركة الفاعلين فى خلفيات المسرح، وتزخر الإضاءة بالدلالات التي تسهم جميع عناصر العرض في إنتاجها بتوهّجات تصل بالمتلقي إلى حافة الدهشة، والإرتقاء بذائقته الجمالية الى مستوى متقدم من الإدراك الحسي، من خلال تفاعله المتواصل مع ما يُقدم على الخشبة.

بداية الظهور

ويعود تاريخ هذه التقنية إلى عام 1947م حيث عمل العالم “دينيس غابور” لتحسين قوة تكبير الميكروسكوب الإلكترونى، ولكن بسبب موارد الضوء المتاحة التى لم تكن متماسكة فى ذلك الوقت، كونها كانت أحادية اللون، وأدى ذلك إلى تأخير ظهور التصوير التجسيمي إلى عام 1960م أي بعد ظهور الليزر.

وفى العام 1967م استطاع العالمان “جيوديس أوباتنكس” و”إيميت ليث” من جامعة ميشيجان الأمريكية، أن يقوما بعرض أول هولوجرام بعد العديد من التجارب.

تصوير ثلاثي الأبعاد

وفي العام 1972م حيث قام “لويد كروز” بصناعة أول هولوجرام يجمع بين الصور المجسمة ثلاثية الأبعاد والسينما ذات البعدين، كان يحتوى على توزيع معقد من المناطق الشفافة والداكنة والتى تناظر أهداب التداخل المضيئة والمظلمة.

ومع مرور الأعوام تطورت هذه التقنية بشكل كبير من قبل العديد من الشركات المصنعة للأجهزة الذكية، حيث جرى التركيز بقوة على الموجات الضوئية التى تتولى مسئولية التصوير الثلاثى الأبعاد للأجسام بكفاءة عالية.

 

تطور مذهل

ومع التطور المذهل والمستمر يومياً في التكنولوجيا نجحت الشركات في تطوير الهولوجرام كي نتمكن من استعادة الصورة بتعريض أى جزء منها لأشعة الليزر، مع إمكانية رؤية الجسم من كل الاتجاهات ورؤية أعماق الفتحات والثقوب عليه.

كذلك توفير التقاط ورصد أكثر من صورة، دون أن يحدث بينها تشويش أو تداخل. وبخلاف العروض المسرحية يتم عرض المنتجات والتحف الفنية في المتاحف ومعارض الفن التشكيلي.

الرقص مع الأموات

مثلما يحدث في متحف مدام توسو للشمع فى العاصمة اليابانية طوكيو حيث يقدم لزواره فرصة الرقص مع نجوم الفن والسينما، سواء كانوا أحياءً أو أمواتًا.

حيث يسمح للزوار بعمل مسح لوجوههم لعمل صورة ثلاثية الأبعاد، يتم تحويلها فيما بعد إلى شخصية رقمية، ومن ثم ترقص تلك الشخصية مع صور معدة بنفس الطريقة لمشاهير مثل مارلين مونرو، وليوناردو دى كابريو، وليدى جاجا وغيره.

ولا تتوقف الاستخدامات عند هذا الحد، بل يجرى استخدامها حاليًا لعرض بعض الصور فى الترويح لبعض المنتجات فى شكل حي، وأيضا في الوسائل التعليمية ومجال الألعاب الالكترونية.

هيمنة الخيال والوهم

لقد نجح الهولوجرام في تمهيد الطريق إلى هيمنة الخيال والوهم على مشهدية الصورة لاستعادة القديم بسهولة، وإضافة المزيد من الإبهار لما هو جديد.

وهو ما ساهم في كسر حواجز الملل الموجودة فى العروض المسرحية التقليدية، وهو ما زاد من صدى إبداعها وتأثير جمالياتها في عين المتلقي وحواسه.

ومؤخراً تم استخدامها ضمن فعاليات مهرجان شتاء طنطورة في المملكة العربية السعودية، حيث وقفت كوكب الشرق “أم كلثوم” تشدو وتطرب جمهورها على مسرح مرايا، ليست بجسدها الحقيقي، ولكن بتقنية الهولوجرام، الذي نجحت تقنيته في تشكيل الصورة المتكاملة للعرض أمام الجمهور.

 

 

وإكتمل المشهد من خلال التأثير المباشر في ذائقـة المتلقي، ضمن عملية إبداعيـة لن يتوقف التطور فيها بعد اليوم، بل ربما تتمخض الأيام القادمة عن نتائج جمالية أكثر إبهاراً.

وقد تتولد المزيد من الحركة المتاحة عبر التنقلات في فضاء العرض، فتزداد ديناميكية الضوء أكثر، وتزداد قيمه الجمالية المعبرة، وهو ما يصب في مصلحة العمل الفني في النهاية، ويزيد من إمكاناته التعبيرية، كي تعود الروح للمسرح الذي فقد الكثير والكثير من جمهوره لصالح الشاشات.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى

اشترك مجانا في القائمة البريدية ليصلك كل جديد

نحترم خصوصية المشتركين