أخبارأخبار أميركا

شهادات جامعية في 3 سنوات تكتسب شعبية متزايدة في أمريكا وسط انتقادات ومخاوف

تتجه جامعات أمريكية متزايدة إلى طرح برامج بكالوريوس يمكن إتمامها خلال ثلاث سنوات بدلًا من النظام التقليدي الممتد لأربع سنوات، في محاولة لخفض تكلفة التعليم وتسريع دخول الخريجين إلى سوق العمل، لكن هذه البرامج الجديدة تواجه انتقادات ومخاوف بشأن جودة التعليم، وفرص القبول في الدراسات العليا، ومتطلبات الترخيص المهني.

ووفقًا لوكالة “أسوشيتد برس” تشير بيانات مؤسسة «راند» البحثية إلى وجود كليات في 26 ولاية أمريكية تقدم برنامج بكالوريوس واحدًا على الأقل يعتمد على عدد مخفض من الساعات المعتمدة، بما يسمح بإتمام الدراسة خلال ثلاث سنوات بدلًا من أربع.

ويأتي انتشار هذه البرامج في ظل ارتفاع تكلفة التعليم الجامعي في الولايات المتحدة، وتزايد الضغوط على الطلاب والأسر لتقليل مدة الدراسة والديون المرتبطة بها.

90 ساعة بدلًا من 120

تختلف البرامج الجديدة عن برامج الدراسة المعجلة التي كانت موجودة منذ سنوات؛ إذ كانت البرامج التقليدية المعجلة تسمح للطالب بالتخرج خلال فترة أقصر عبر الدراسة في الصيف أو تكثيف الفصول الدراسية، لكنها كانت تحافظ على العدد المعتاد من الساعات المعتمدة.

أما النموذج الجديد فيقوم على تقليص متطلبات البكالوريوس نفسها إلى نحو 90 ساعة معتمدة بدلًا من 120 ساعة، بما يعني حذف ما يقارب عامًا دراسيًا كاملًا من البرنامج.

ويقول مؤيدو النموذج إن الهدف ليس فقط تسريع الدراسة، وإنما إعادة النظر في محتوى بعض البرامج الجامعية، خصوصًا التخصصات التي يمكن تقليل مقرراتها الاختيارية فيها دون التأثير، من وجهة نظرهم، في المهارات الأساسية المطلوبة لسوق العمل.

البحث عن طريق أسرع

من بين المستفيدين من هذا الاتجاه جايلز سيمز، البالغ من العمر 34 عامًا، والذي كان يعمل مطورًا للويب قبل أن يفقد وظيفته.

وكان سيمز يواجه صعوبة في الحصول على وظائف جديدة بسبب عدم امتلاكه شهادة جامعية، بينما كان يعيل زوجته ووالدته الأرملة، لذلك لم يكن قادرًا على تحمل البقاء خارج سوق العمل لمدة أربع سنوات.

وانضم إلى كلية إنسين في مدينة سولت ليك، التي أعادت تصميم جميع برامج البكالوريوس لديها تقريبًا لتصبح أقل من حيث عدد الفصول الدراسية مقارنة بالبرامج التقليدية.

ويرى سيمز أن إتمام الدراسة خلال ثلاث سنوات يجعل العودة إلى سوق العمل أكثر واقعية، خصوصًا بالنسبة إلى الطلاب الأكبر سنًا أو الذين لديهم مسؤوليات أسرية.

الفكرة ليست جديدة

رغم أن نظام البكالوريوس لمدة ثلاث سنوات يبدو جديدًا نسبيًا في الولايات المتحدة، فإن النموذج موجود منذ سنوات في دول أخرى، من بينها بريطانيا والهند وفرنسا وإيطاليا.

كما أن بعض أقدم الكليات الأمريكية كانت تمنح شهادات جامعية في ثلاث سنوات، وفق جون ثيلين، مؤلف كتاب عن تاريخ التعليم العالي الأمريكي.

وأوضح ثيلين أن نظام الأربع سنوات ترسخ خلال القرن التاسع عشر، بالتزامن مع تطور التعليم الثانوي العام والحاجة إلى فترة أطول لإعداد الطلاب للتعليم الجامعي.

أما اليوم، فتعود الفكرة إلى الواجهة مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع تكلفة الدراسة والحاجة إلى جعل التعليم الجامعي أكثر قدرة على المنافسة.

تغيير في قواعد الاعتماد

واجهت فكرة برامج الثلاث سنوات عقبة رئيسية لسنوات، تمثلت في قواعد جهات الاعتماد الأكاديمي التي كانت تربط درجة البكالوريوس عادة بإكمال 120 ساعة معتمدة.

وكان روبرت زيمسكي، الباحث في مجال التعليم العالي بجامعة بنسلفانيا، قد دعا منذ عام 2009 إلى إعادة النظر في نظام الأربع سنوات، قبل أن يعيد طرح الفكرة بقوة عام 2022 مع تصاعد القلق بشأن تكاليف التعليم.

وفي عام 2023، أصبحت لجنة الشمال الغربي للكليات والجامعات أول جهة اعتماد أمريكية توافق على برامج بكالوريوس ذات عدد مخفض من الساعات المعتمدة، وذلك في جامعتي إنسين وبريغهام يونغ-أيداهو، قبل أن تبدأ جهات اعتماد أخرى في تبني الفكرة.

وبحلول مايو 2026، كان قد تم الإعلان عن 119 برنامجًا جامعيًا يعتمد على عدد مخفض من الساعات المعتمدة، وفق تحليل لمؤسسة راند.

توفير آلاف الدولارات

يمثل العامل المالي أحد أبرز أسباب إقبال الطلاب على هذه البرامج. وبلغ متوسط الرسوم الدراسية في العام الدراسي الماضي نحو 11,950 دولارًا للطلاب المقيمين في الولاية بالجامعات العامة، مقابل نحو 45 ألف دولار في المؤسسات الخاصة غير الربحية، مع الإشارة إلى أن كثيرًا من الطلاب يحصلون على منح أو تخفيضات تقلل التكلفة الفعلية.

وبالنسبة لبعض الطلاب، فإن حذف عام دراسي كامل لا يعني توفير الرسوم الدراسية فقط، وإنما يعني أيضًا تقليل تكاليف السكن والطعام والمواصلات، فضلًا عن إمكانية دخول سوق العمل في وقت أبكر.

وتقدر غابرييلا ستاتن، وهي طالبة في برنامج التسويق الرقمي بجامعة ماونت ماري في ميلووكي، أن البرنامج الذي يستغرق ثلاث سنوات سيوفر لها ما لا يقل عن 20 ألف دولار.

ليست كل التخصصات قابلة للاختصار

لكن تقليص مدة الدراسة لا يبدو سهلًا في جميع المجالات. وتتركز غالبية البرامج ذات الساعات المعتمدة المخفضة في تخصصات مثل إدارة الأعمال والتسويق والإدارة، تليها علوم الحاسوب والمعلومات، وهي تخصصات ترى الجامعات أن بإمكانها تقليل المقررات الاختيارية فيها.

في المقابل، تواجه تخصصات مثل الهندسة صعوبة أكبر في تقليص متطلباتها، بسبب كثافة المقررات العلمية والرياضية.

كما أن إعداد المعلمين يمثل تحديًا خاصًا؛ إذ وجدت مؤسسة راند ستة برامج فقط في هذا المجال تعتمد نظام الساعات المخفضة، بسبب ارتباط إعداد المعلم بالتدريب العملي ومتطلبات الترخيص الحكومية.

مشكلة التراخيص المهنية

ويعد اختلاف قوانين الترخيص بين الولايات من أكبر المخاوف التي تحيط بالنموذج الجديد. فقد يحصل الطالب على شهادة بكالوريوس مدتها ثلاث سنوات، لكنه قد يكتشف لاحقًا أن الولاية التي يريد العمل فيها تشترط عددًا أكبر من الساعات المعتمدة للحصول على الترخيص.

وتبرز هذه المشكلة بوضوح في بعض المهن، مثل المحاسبة والتعليم، حيث تختلف الشروط من ولاية إلى أخرى. فعلى سبيل المثال، يفكر ويسلي هاردي، الطالب في برنامج المحاسبة بجامعة إنسين، في الحصول على ترخيص محاسب قانوني معتمد، لكنه يشعر بالقلق من أن متطلبات الترخيص في بعض الولايات قد تجبره على دراسة مقررات إضافية.

وتشترط ولايات عديدة إكمال 120 ساعة معتمدة للتقدم لبعض اختبارات المحاسبة، بينما قد يصل إجمالي الساعات المطلوبة للحصول على الترخيص إلى 150 ساعة، وفي بعض الحالات تشمل متطلبات إضافية أو دراسات عليا.

ماذا عن الدراسات العليا؟

المشكلة الأخرى تتعلق بقبول أصحاب شهادات الثلاث سنوات في برامج الدراسات العليا. وبسبب حداثة التجربة، لا توجد حتى الآن قواعد موحدة في الجامعات الأمريكية بشأن التعامل مع هذه الشهادات، وهو ما يعني أن الطالب قد يواجه متطلبات إضافية إذا قرر متابعة الماجستير أو برامج مهنية متقدمة.

ويحذر منتقدون من أن الطالب الذي يختار البرنامج الأقصر بهدف توفير المال والوقت قد يكتشف لاحقًا أنه يحتاج إلى دراسة مقررات إضافية حتى يصبح مؤهلًا للالتحاق ببرنامج دراسات عليا أو للحصول على ترخيص مهني.

دفاع الجامعات

في المقابل، تدافع الجامعات التي تقدم هذه البرامج عن النموذج، وتؤكد أن الهدف ليس خفض جودة التعليم وإنما إعادة تصميم المناهج والتركيز على المقررات الأكثر ارتباطًا بالتخصص.

وتقول جامعة إنديانا ويسليان، على سبيل المثال، إن برامج إعداد المعلمين ذات الساعات المخفضة صممت لتلبية متطلبات الترخيص في ولاية إنديانا، لكنها تنصح الطلاب القادمين من ولايات أخرى بالتحقق مسبقًا من مدى توافق البرنامج مع قواعد ولاياتهم.

أما الطلاب أنفسهم، فيرون أن المخاطرة قد تكون مقبولة مقابل التوفير المالي والقدرة على بدء حياتهم المهنية في وقت أسرع.

وقالت ستاتن إن الشهادة التي تستغرق ثلاث سنوات قد تجعلها مضطرة إلى إثبات قدراتها أمام بعض أصحاب العمل، لكنها تعتقد أن خبرتها العملية ستساعدها على تجاوز أي شكوك بشأن مدة دراستها.

الأكاديميون يحذرون

في المقابل، ترى الرابطة الأمريكية لأساتذة الجامعات أن الاتجاه الجديد قد يؤدي إلى إضعاف قيمة التعليم الجامعي، معتبرة أن تقليص عدد الساعات المعتمدة قد يعني تقليص نطاق المعرفة التي يحصل عليها الطالب.

وقال تود وولفسون، رئيس الرابطة، إن هذه البرامج لا تمثل بالضرورة ابتكارًا في التعليم العالي، بل قد تكون مجرد اختصار للمسار التقليدي.

ويرى المنتقدون أن الجامعة لا ينبغي أن تُقاس فقط بعدد السنوات التي يحتاجها الطالب للحصول على الشهادة، لأن السنوات الأربع تتيح مساحة أوسع للتعليم العام، والتفكير النقدي، والمقررات الاختيارية، والتجارب الأكاديمية التي قد لا تكون مرتبطة مباشرة بالمهنة.

نموذج مرشح للانتشار

ومع ذلك، يبدو أن شهادات البكالوريوس لمدة ثلاث سنوات مرشحة لمزيد من الانتشار في الولايات المتحدة، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف التعليم وتزايد رغبة الطلاب في تقليل الديون ودخول سوق العمل سريعًا.

لكن التجربة لا تزال في بدايتها، ولم يتضح بعد كيف سيتعامل أصحاب العمل وجهات الترخيص والجامعات التي تقدم الدراسات العليا مع هذه الشهادات على المدى الطويل.

وبينما يرى مؤيدوها أنها يمكن أن تجعل التعليم الجامعي أقل تكلفة وأكثر مرونة وارتباطًا باحتياجات سوق العمل، يخشى منتقدوها أن يؤدي تقليص الساعات الدراسية إلى إنتاج شهادات أسرع، لكن بتجربة تعليمية أقل شمولًا.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان الطالب يستطيع الحصول على الشهادة خلال ثلاث سنوات، وإنما ما الذي سيخسره أو يكتسبه مقابل اختصار العام الرابع؟

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى