أخبارأخبار أميركااقتصاد

أزمة نقص تاريخية في قطاع الماشية تدفع أسعار اللحوم لمستويات قياسية

يتوقع خبراء القطاع الزراعي استمرار الارتفاع القياسي في أسعار لحوم البقر التي تدفعها الأسر في أمريكا في المستقبل المنظور، وذلك نتيجة للانخفاض المستمر والمتواصل في حجم قطيع الماشية في البلاد، مع غياب أي مؤشرات ملموسة على تعافٍ قريب، وفقًا لما نشرته مجلة “Newsweek“.

وأظهرت بيانات وزارة الزراعة أن البلاد بدأت العام بـ 86.2 مليون رأس من الماشية، وهو ما يمثل تراجعاً بأكثر من 8 ملايين رأس مقارنة بعام 2019، ليسجل قطيع الماشية أدنى مستوى له منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي.

وصرح سيلفان شارليبوا، أستاذ سياسات وتوزيع الأغذية في جامعة دالهاوسي، بأن هذا النقص التاريخي سيبقي أسعار اللحوم مرتفعة حتى عام 2027. وتتضافر عدة عوامل متداخلة وراء تقليص حجم القطيع إلى أصغر مستوياته منذ أكثر من 65 عاماً؛ حيث أدت موجات الجفاف الشديدة والارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج إلى تقليل قدرة المزارعين على الإنتاج.

كما أن الارتفاع المستمر في الأسعار أضعف من حوافز الاحتفاظ بالإناث بغرض التربية، مما أخر عملية إعادة بناء القطيع. وقد دفعت مشكلات الإمداد هذه بأسعار اللحوم إلى مستويات قياسية؛ إذ كشف أحدث تقرير تضخم صادر عن وزارة العمل عن ارتفاع مؤشر لحوم البقر والعجول بنسبة 9.4% خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في يوليو الماضي.

وبحسب دائرة البحوث الاقتصادية التابعة لوزارة الزراعة، يواجه المستهلكون حالياً أسعاراً تتجاوز 13 دولاراً للرطل الواحد من شرائح اللحم، مقارنة بـ 11.88 دولاراً في يوليو من العام الماضي، في حين تقترب أسعار لحوم البقر المفرومة من الضعف مقارنة بأسعارها قبل عقد من الزمن.

وإلى جانب العوامل المحلية، أسهمت حالة عدم اليقين المحيطة بالسياسات التجارية في تفاقم أزمة الإمدادات والأسعار.

وأوضح كولين كارتر، الأستاذ الفخري لاقتصاديات الزراعة والموارد بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، أن التغير المستمر في قواعد الاستيراد يعوق قدرة الصناعة المحلية على توقع حجم الواردات، مشيراً إلى أن الواردات من دول مثل البرازيل وأستراليا واجهت حواجز جمركية مرتفعة للغاية فرضتها إدارة الرئيس ترامب.

كما تسبب تفشي ذبابة الدودة الحلزونية للعالم الجديد في يونيو الماضي في تعليق مؤقت لواردات الماشية من المكسيك، مما زاد من الضغط على الإمدادات، على الرغم من تأكيد وزارة الزراعة بدء إعادة فتح تدريجي لموانئ الدخول للماشية المكسيكية اعتباراً من 24 أغسطس.

وعلى الرغم من إظهار تقرير مخزون الماشية لشهر يوليو ارتفاعاً طفيفاً بـ 200 ألف رأس ليصل الإجمالي إلى 94.2 مليون رأس (وهي أول زيادة سنوية لشهر يوليو منذ 2018)؛ إلا أن عدد بقرات اللحم انخفض إلى 28.5 مليون رأس، وهو مستوى متدنٍ قياسي غير مسبوق لشهر يوليو.

وأشار بيرنت نيلسون، الخبير الاقتصادي في “الاتحاد الأمريكي لمكاتب المزارعين”، إلى أن عملية إعادة بناء القطيع تظل محدودة للغاية؛ إذ إن المربين يضطرون لإرسال الإناث للذبح بدلاً من الاحتفاظ بهن للتربية بسبب الضغوط الحالية، مما يقلل من المعروض المتاح من لحوم البقر على المدى القصير، ويجعل عملية استعادة القاعدة الأساسية للقطيع تتطلب سنوات طويلة.

ولم تقتصر تداعيات الأزمة على المستهلكين والمربين فحسب، بل امتدت لتضرب كبرى شركات تعبئة وتصنيع اللحوم في البلاد.

وأعلنت شركة “تايسون فودز” -أكبر الشركات الأربع الكبرى المهيمنة على السوق- عن إغلاق عدد من منشآتها في ولايتي إلينوي ويوتا وتسريح آلاف العمال بشكل مفاجئ، وذلك بعد أسابيع قليلة من توقعاتها بتكبد خسائر تتراوح بين 500 و650 مليون دولار في قطاع لحوم البقر لعامها المالي الحالي الذي ينتهي في سبتمبر.

وتأتي هذه الإغلاقات رغم الارتفاع المستمر في أسعار التجزئة، وهو الارتفاع الذي دفع البعض -بمن فيهم ترامب- لاتهام الشركات العملاقة باستغلال الأزمة لتحقيق أرباح غير مشروعة؛ حيث اتهم ترامب العام الماضي شركات مثل “تايسون فودز” بممارسة التواطؤ غير القانوني وتثبيت الأسعار والتلاعب بها، ولا تزال وزارة العدل تجري تحقيقاتها حول هذا الدور المزعوم.

ومع ذلك، يفند المحللون هذه الاتهامات؛ إذ أوضح البروفيسور شارليبوا أن أسعار الماشية الحية ارتفعت بوتيرة أسرع بكثير من الأسعار التي يمكن للمعالجين تحصيلها من بيع اللحوم المصنعة، مما يعني أن اللحوم الغالية لا تعني بالضرورة تحقيق أرباح لشركات التصنيع.

وأكد ديفيد أندرسون، أستاذ تسويق الماشية في جامعة تكساس إيه آند إم، أن تراجع حجم القطيع حرم المصانع من التدفق المنتظم للماشية اللازم لضمان كفاءة التشغيل، مما رفع كلفة الرأس الواحد وجعل تكلفة المواد الخام للمصنعين أعلى نسبياً من سعر المنتج النهائي المباع.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى