هل تخدع تصريحات ترامب أسواق النفط؟.. ولماذا تواصل الأسعار التراجع رغم استمرار الحرب؟

في كل مرة يعلن فيها الرئيس دونالد ترامب عن إحراز تقدم في المفاوضات مع إيران أو تأجيل عملية عسكرية، تستجيب أسواق النفط سريعًا بانخفاض حاد في الأسعار، رغم أن مسار الحرب لا يلبث أن يعود إلى التصعيد.
هذا السلوك المتكرر يثير تساؤلات حول أسباب استمرار المستثمرين في تصديق رهانات السلام، بينما تشير مؤشرات السوق إلى أن أزمة الإمدادات لا تزال قائمة، وأن أي تعثر جديد قد يدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، وفقًا لشبكة CNN.
تراجع جديد للأسعار
هبطت أسعار النفط بنحو أربعة دولارات للبرميل، اليوم الإثنين، بعد إعلان ترامب تأجيل هجوم جديد كان مخططًا له ضد إيران، ما عزز آمال الأسواق بإمكانية استئناف المفاوضات وخفض التوتر في الشرق الأوسط.
وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت تسليم أكتوبر بنسبة 4.6% إلى 83.90 دولارًا للبرميل، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 5.9% إلى 79.68 دولارًا للبرميل.
وجاء هذا التراجع بعد شهر شهد ارتفاعًا تجاوز 20% في أسعار الخامين، مدفوعًا باستئناف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وتصاعد المخاوف الأمنية عقب الهجمات التي استهدفت ناقلات نفط، وهو ما دفع العديد من شركات الشحن إلى تجنب دخول منطقة الخليج لتحميل النفط.
وفي الوقت نفسه، وافق تحالف “أوبك بلس” على زيادة الإنتاج بنحو 188 ألف برميل يوميًا اعتبارًا من سبتمبر المقبل، في خطوة تستكمل التراجع التدريجي عن التخفيضات الطوعية للإنتاج.
نمط متكرر.. تصريحات ترامب تهبط بالأسعار
بحسب تحليل نشرته شبكة CNN، فإن ما حدث ليس الأول من نوعه، إذ اعتادت أسواق النفط خلال الأشهر الماضية التفاعل بقوة مع تصريحات ترامب التي تتحدث عن إحراز تقدم في المحادثات مع إيران.
ففي الثامن من أبريل، أعلن ترامب تعليق عملية عسكرية ضد إيران والعودة إلى طاولة المفاوضات، قائلاً عبر منصة “تروث سوشيال” إن حل الأزمة بات قريبًا، وهو ما أدى حينها إلى هبوط أسعار النفط بنحو 13% خلال يوم واحد.
وتكرر السيناريو في الخامس من مايو، عندما أعلن الرئيس الأمريكي إحراز “تقدم كبير” في المفاوضات مع إيران، فانخفضت الأسعار بنسبة 13% خلال الأيام الثلاثة التالية.
كما شهدت الأسواق في الأسبوع الماضي تراجعًا بنحو 20% خلال ثلاثة أيام بعد إعلان ترامب وقف خطط مهاجمة إيران، بينما عادت الأسعار للهبوط مجددًا بنسبة تقارب 5% عقب قراره الأخير بإلغاء “هجوم كبير” والإعلان عن استئناف المفاوضات.
لماذا لا تزال الأسواق تصدق ترامب؟
ورغم تكرار هذه الدورة من التصعيد ثم التهدئة دون الوصول إلى اتفاق دائم، يرى محللون أن أسواق النفط لا تزال تراهن على إمكانية انتهاء الأزمة.
ويقول آندي ليبو، رئيس شركة Lipow Oil Associates، إن ما يحدث أصبح يشبه فيلم “Groundhog Day”، في إشارة إلى تكرار السيناريو نفسه مرارًا، حيث تتراجع الأسعار مع كل إعلان عن تقدم دبلوماسي، ثم تعود للارتفاع مع تجدد التوترات.
ويعتقد خبراء أن الأسواق تتمسك بالأمل لأن أي انفراجة سياسية ستسمح بإعادة تدفق النفط عبر الخليج بصورة طبيعية، وهو ما قد يخفف الضغوط على الإمدادات العالمية.
كيف تغيرت معادلة السوق؟
قبل اندلاع الحرب، كانت المشكلة الرئيسية التي تواجه سوق النفط تتمثل في فائض المعروض، إذ كانت دول “أوبك” تواصل زيادة الإنتاج رغم ضعف الطلب، بينما كانت المخزونات العالمية عند مستويات مرتفعة تاريخيًا، مع إنتاج يفوق الاستهلاك بنحو أربعة ملايين برميل يوميًا، وفق تقديرات شركة “كابيتال إيكونوميكس”.
لكن مع اندلاع الحرب، اضطرت الأسواق إلى التكيف مع تعطل مرور نحو 13 مليون برميل يوميًا عبر مضيق هرمز.
وجرى تعويض جزء كبير من هذه الكميات عبر نقل النفط السعودي إلى البحر الأحمر بمعدل يقارب خمسة ملايين برميل يوميًا، وفق بيانات شركة “كبلر”، إلا أن هذا المسار تعرض بدوره لضغوط بعد الهجمات التي شنها الحوثيون على منطقة باب المندب.
كما لجأت الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، إلى استخدام جزء من احتياطياتها الاستراتيجية، بينما خفضت الصين وارداتها من النفط الخام بأكثر من أربعة ملايين برميل يوميًا، معتمدة على مخزوناتها الضخمة، بحسب بنك “جيه بي مورغان”.
وعندما أعيد فتح مضيق هرمز لفترة قصيرة في يونيو، تدفق نحو 200 مليون برميل من النفط إلى الأسواق العالمية خلال أقل من ثلاثة أسابيع، وهو ما تسبب في انخفاض الأسعار نتيجة زيادة المعروض بصورة مفاجئة.
مخزونات النفط تقترب من مستويات حرجة
ورغم تراجع الأسعار، يؤكد التحليل أن أساسيات السوق لا تزال تدعو للقلق، إذ تتراجع المخزونات التجارية بوتيرة متسارعة، خصوصًا في مركز كوشينغ بولاية أوكلاهوما الأمريكية، الذي يعد نقطة التسعير الرئيسية لخام غرب تكساس الوسيط.
ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، انخفضت المخزونات هناك إلى نحو 18.6 مليون برميل، وهو مستوى يقل عن الحد التشغيلي الآمن البالغ 20 مليون برميل، ما يزيد الضغوط على تشغيل شبكة الأنابيب.
ولا يقتصر الأمر على الولايات المتحدة، إذ يشير كبير اقتصاديي المناخ والسلع في “كابيتال إيكونوميكس”، كيران تومبكينز، إلى أن المخزونات التجارية العالمية تقترب أيضًا من الحدود التشغيلية الحرجة، حيث لا تكفي إلا لنحو 57 أسبوعًا من الإمدادات، مقابل مستوى ضغط تشغيلي يقدر بنحو 55 أسبوعًا.
هل تتجه الأسعار إلى قفزة تاريخية؟
يحذر محللون من أن استمرار تعطل تدفقات النفط عبر الخليج قد يدفع السوق إلى ما يعرف بـ”نقطة التحول”، وهي المرحلة التي تصبح فيها المخزونات غير قادرة على تعويض أي نقص إضافي في الإمدادات.
وفي هذه الحالة، لن يكون أمام السوق سوى ارتفاع حاد في الأسعار لكبح الطلب وإعادة التوازن بين العرض والاستهلاك، وهو ما قد يدفع أسعار النفط إلى تجاوز 150 دولارًا للبرميل، متخطية أعلى المستويات التاريخية المسجلة.
ورغم هذه التحذيرات، لا تزال الأسواق تراهن، حتى الآن، على أن المسار الدبلوماسي الذي يتحدث عنه ترامب قد ينجح في إنهاء الأزمة، وهو ما يفسر استمرار هبوط الأسعار مع كل إعلان جديد عن تقدم محتمل في المفاوضات، حتى في ظل غياب اتفاق نهائي يضمن استقرار الإمدادات العالمية.




