أخبارأخبار أميركاتغطيات خاصة

اكتشاف نسخة نادرة من إعلان الاستقلال الأمريكي لعام 1776 في الأرشيف الوطني البريطاني

أعلن الأرشيف الوطني البريطاني عن اكتشاف نسخة نادرة من إعلان استقلال الولايات المتحدة تعود إلى عام 1776، في اكتشاف وصف بأنه من أبرز الاكتشافات الوثائقية المتعلقة بتاريخ الثورة الأمريكية، إذ تعد الوثيقة واحدة من 11 نسخة معروفة فقط لا تزال موجودة حتى اليوم، والنسخة الوحيدة المحفوظة خارج الولايات المتحدة.

وووفقًا للموقع الرسمي للأرشيف الوطني البريطاني فقد جاء العثور على الوثيقة خلال مشروع لفهرسة مراسلات قادة البحرية الملكية البريطانية الخاصة بحرب الاستقلال الأمريكية، ضمن الاستعدادات لإحياء الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. وقد اكتشفها المتطوع مايكل سكور أثناء مراجعته صندوقًا يضم رسائل القبطان توماس فيتزهربرت، قائد السفينة الحربية البريطانية إتش إم إس رايزونابل.

وكانت الوثيقة مدرجة منذ أكثر من قرنين ونصف القرن في السجلات تحت وصف مقتضب هو “ورقة أخرى”، قبل أن يتبين بعد فحصها أنها نسخة أصلية معاصرة من إعلان الاستقلال، تعرف باسم “إعلان إكستر”.

وطُبعت هذه النسخة في مدينة إكستر بولاية نيوهامبشاير بين 16 و19 يوليو 1776 على يد الطابع روبرت لوويست فاول لصالح صحيفة “نيوهامبشاير جازيت أو إكستر مورنينج كرونيكل”، وذلك بهدف نشر إعلان الاستقلال بسرعة في مختلف المستعمرات الأمريكية. وكانت هذه النسخ تنقل غالبًا على متن السفن لحشد التأييد للقضية الثورية.

استولت عليها البحرية البريطانية

وكشفت الوثائق أن النسخة كانت على متن السفينة الأمريكية الخاصة “دالتون”، وهي سفينة حصلت على تفويض رسمي لمهاجمة سفن العدو، قبل أن تعترضها السفينة البريطانية “رايزونابل” في ليلة عيد الميلاد عام 1776 على بعد نحو 250 ميلًا غرب السواحل البرتغالية.

واستمرت المطاردة نحو سبع ساعات قبل استسلام السفينة الأمريكية. وقبل وقوعها في الأسر، ألقى قبطانها إليعازر جونسون معظم السجلات والوثائق في البحر، بما فيها سجلات الطاقم والدفاتر الرسمية، لكنه أبقى ثلاث وثائق مطبوعة فقط هي: رخصة القرصنة، وأوامر الكونغرس القاري، وإعلان الاستقلال.

وبموجب الإجراءات القانونية آنذاك، كان يتعين تقديم جميع الوثائق التي يتم الاستيلاء عليها إلى محكمة الأميرالية البريطانية لإثبات قانونية الاستيلاء على السفينة.

إلا أن التحقيقات التاريخية أظهرت أن القبطان فيتزهربرت احتفظ بإعلان الاستقلال وأرسله مباشرة إلى الأميرالية في لندن، حيث بقي محفوظًا ضمن سجلاتها، ثم انتقل لاحقًا إلى مكتب السجلات العامة الذي أصبح الأرشيف الوطني البريطاني، إلى أن أعيد اكتشافه بعد مرور نحو 250 عامًا.

أهمية تاريخية استثنائية

وقال الدكتور جراهام مور، أمين معرض “الثورة 250” في الأرشيف الوطني، إن هذه الوثيقة تعد من أندر نسخ إعلان الاستقلال المعروفة، موضحًا أنها لم تطبع بغرض الحفظ، بل لإنتاجها بسرعة وتوزيعها على نطاق واسع.

وأضاف أن ما يمنح هذا الاكتشاف أهمية استثنائية هو أن هذه النسخة الوحيدة المعروفة التي أمكن تتبع تاريخها بالكامل من خلال سجلات عملية عسكرية، بفضل الوثائق البيروقراطية المرتبطة بمحاكم الأميرالية، وهو ما وفر خلفية تاريخية دقيقة لا تتوافر لمعظم النسخ الأخرى.

من جانبه، وصف الرئيس التنفيذي للأرشيف الوطني البريطاني سول ناسيه الاكتشاف بأنه استثنائي، مؤكدًا أن وجود نسخة نادرة من إعلان الاستقلال داخل الأرشيف البريطاني يبرز الطبيعة العابرة للأطلسي لتاريخ الثورة الأمريكية، ويعكس الترابط الوثيق بين تاريخ البلدين.

مشروع أرشيفي واسع

وجاء الاكتشاف بعد الانتهاء من فهرسة أكثر من 100 ألف رسالة لقادة البحرية الملكية خلال الحروب الثورية الفرنسية والحروب النابليونية، قبل أن ينتقل فريق الأرشيف إلى دراسة مراسلات حرب الاستقلال الأمريكية، التي تضم 104 صناديق من الوثائق.

كما استفاد الباحثون من مشروع “أوراق الغنائم”، وهو تعاون استمر أكثر من عشرين عامًا بين الأرشيف الوطني البريطاني وجامعة أولدنبورغ الألمانية، يهدف إلى فهرسة ورقمنة الوثائق التي استولت عليها البحرية البريطانية من أكثر من 3600 سفينة بين عامي 1652 و1815، بما في ذلك سفينة “دالتون”. ومن المقرر إتاحة هذه الوثائق للجمهور عبر الإنترنت خلال أكتوبر 2026.

وقال المتطوع مايكل سكور إن العثور على وثيقة بهذه القيمة التاريخية خلال عام الذكرى الـ250 للاستقلال كان تجربة استثنائية.

ترميم ودراسة علمية

وبعد اكتشاف الوثيقة، خضعت لعمليات ترميم دقيقة، حيث تمكنت كبيرة المرممين جيليان هارولد من فصلها عن المجلد الذي كانت مثبتة فيه باستخدام جهاز ترطيب بالموجات فوق الصوتية، قبل إصلاح تمزق طويل في أحد جوانبها باستخدام ورق ياباني خاص ومعجون نشا القمح.

وأظهرت الفحوص العلمية التي أجراها خبير التراث الدكتور مارك فيرمولين أن الورقة صنعت يدويًا من ألياف أقمشة معاد تدويرها، مع احتمال استخدام ألياف نباتية مثل القنب، كما كشفت الصور الضوئية عن خطوط النسج والطيات الأصلية للورقة، دون العثور على علامة مائية تحدد صانعها.

وأشار الباحثون إلى أن نوعية الورق أقل جودة من النسخ الأولى المعروفة باسم “منشورات دنلاب”، وهو ما يتوافق مع ظروف نقص المواد والإمكانات في نيو إنجلاند خلال سبعينيات القرن الثامن عشر، ومع الهدف الأساسي من طباعة هذه النسخ، وهو نشر إعلان الاستقلال بأسرع وقت وعلى أوسع نطاق ممكن.

ويرى الأرشيف الوطني أن هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام دراسات جديدة لمقارنة هذه النسخة بالنسخ الأولى من إعلان الاستقلال، كما يسلط الضوء على أهمية العمل الأرشيفي ودور المتطوعين في الكشف عن وثائق تاريخية ظلت مجهولة لأكثر من قرنين ونصف القرن.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى