من الشرق إلى الغرب: عيد الأضحى يوحد المسلمين حول العالم وأصوات التكبيرات تطغى على ضجيج الحروب

مع بزوغ شمس العاشر من ذي الحجة، تحولت مدن العالم وقراه إلى لوحة إيمانية وإنسانية واسعة رسمها ملايين المسلمين وهم يتوافدون إلى المساجد والساحات والحدائق العامة والملاعب والساحات المفتوحة لأداء صلاة عيد الأضحى المبارك.
مشهد عالمي اختلطت فيه الروحانية بالبهجة، والتقاليد المحلية بالمظاهر الإسلامية الجامعة، لتتعالى تكبيرات العيد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب وكأنها صوت واحد يجمع أمة كاملة رغم الحدود واللغات والثقافات المختلفة.
وشهدت دول العالم العربي والإسلامي والجاليات المسلمة في الغرب احتفالات واسعة بعيد الأضحى هذا العام، حيث طغت الأجواء الإيمانية على المشهد العام، فيما برزت في بعض المناطق صور الصمود والتحدي، خاصة في الدول التي تعاني من الحروب والأزمات الإنسانية، إذ أصر السكان على التمسك بفرحة العيد رغم الدمار والنزوح وصعوبة الظروف المعيشية.
الدول العربية
في السعودية، تركزت الأنظار على المشاعر المقدسة في مكة المكرمة، حيث بدأ حجاج بيت الله الحرام أول أيام العيد بأداء طواف الإفاضة في المسجد الحرام بعد إتمام الوقوف بعرفات والمبيت بمزدلفة ورمي جمرة العقبة الكبرى.
وشهد المسجد الحرام كثافة هائلة من الطائفين الذين أدوا المناسك وسط أجواء اتسمت بالسكينة والخشوع والتنظيم الدقيق، بينما امتلأ المسجد النبوي في المدينة المنورة بعشرات الآلاف من المصلين الذين أدوا صلاة العيد في أجواء روحانية مهيبة.
وفي مشعر منى، واصل الحجاج رمي الجمرات خلال أيام التشريق، في وقت سخرت فيه السلطات السعودية إمكانات ضخمة لتنظيم حركة الحشود وتأمين الخدمات الصحية واللوجستية، بينما ترددت تكبيرات العيد في أرجاء المشاعر المقدسة في صورة جسدت وحدة المسلمين القادمين من مختلف أنحاء العالم.
فلسطين
في فلسطين أقام نحو 140 ألف مصل صلاة عيد الأضحى في المسجد الأقصى بمدينة القدس المحتلة تحت قيود إسرائيلية حرمت عشرات الآلاف من الوصول إلى المسجد، بحسب تقديرات دائرة الأوقاف الإسلامية. في حين تمكن عدد محدود من الفلسطينيين من إقامة الصلاة في المسجد الإبراهيمي بالخليل في ظل تضييق إسرائيلي.
وامتلأت باحات المسجد الأقصى بالمصلين وسط أجواء روحانية مميزة، رغم القيود والإجراءات التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على مداخل البلدة القديمة، وأبواب المسجد، بينما تولت لجان النظام التابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية تنظيم حركة الدخول والخروج. وعلا التكبير إيذانا بحلول أول أيام العيد، وسط حشود كبيرة من المصلين، رغم تضييق الاحتلال.
غزة
أما في قطاع غزة، فقد بدا العيد مختلفاً ومؤلماً في آن واحد، إذ أدى الفلسطينيون صلاة العيد فوق أنقاض المساجد المدمرة وفي مخيمات النزوح وتحت أصوات القصف، بينما حاول الأهالي والمتطوعون إدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال عبر توزيع الحلوى والألعاب البسيطة رغم المأساة الإنسانية المتواصلة.
وفي مدن مثل غزة وخان يونس، تحولت ساحات الركام إلى أماكن للصلاة والتكبير، في مشاهد حملت رسائل صمود مؤثرة أكدت تمسك الفلسطينيين بالحياة والفرح رغم الحرب والدمار.
لبنان
وفي لبنان، جاء عيد الأضحى هذا العام وسط أجواء مشحونة بالتوتر نتيجة استمرار الغارات الإسرائيلية والتصعيد الأمني في مناطق عدة، خاصة في جنوب البلاد.
ورغم القلق والخسائر التي خلفتها الحرب، حرص اللبنانيون على إحياء شعائر العيد، حيث توافد المصلون إلى المساجد لأداء الصلاة وارتفعت التكبيرات في المدن والبلدات كرسالة تمسك بالحياة والأمل.
وفي القرى المتضررة، اختلطت أجواء العيد بالحزن على الضحايا والخوف من التصعيد، بينما سعت العائلات إلى إدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال ولو بوسائل بسيطة، في مشهد يعكس صمود اللبنانيين في مواجهة الظروف الصعبة.
سوريا
وفي سوريا، خرج السوريون إلى المساجد والساحات العامة في دمشق وحلب ومختلف المحافظات لأداء صلاة العيد، رغم الأزمات الاقتصادية وآثار الحرب الطويلة.
واحتضن الجامع الأموي التاريخي في دمشق آلاف المصلين الذين توافدوا منذ ساعات الفجر الأولى، بينما أدى الرئيس السوري أحمد الشرع صلاة العيد في مسجد عبد الله بن عباس بمدينة حلب، في أول مرة يؤدي فيها الصلاة خارج العاصمة منذ توليه الرئاسة.
وامتزجت مظاهر العيد في سوريا بالدعوات للسلام والانفراج الاقتصادي، فيما حرصت العائلات على شراء الحلويات الشعبية وتبادل الزيارات العائلية وإحياء العادات التقليدية رغم صعوبة الأوضاع.
مصر
وفي مصر، اتسمت احتفالات العيد بالأجواء الشعبية المبهجة التي تميز المصريين كل عام، حيث احتشد الملايين في الساحات الكبرى والمساجد التاريخية مثل الجامع الأزهر لأداء صلاة العيد.
وامتلأت الشوارع بالبالونات الملونة وأصوات الأناشيد، بينما حرص الأهالي على اصطحاب الأطفال إلى الحدائق والمتنزهات وتوزيع العيديات والحلوى، في وقت شهدت فيه مدن مثل القاهرة والإسكندرية والجيزة حركة كثيفة في المتنزهات والمراسي النيلية والمناطق السياحية.
وفي الأحياء الشعبية المصرية، حافظت الأسر على طقوس إعداد الفتة واللحوم المشوية عقب ذبح الأضاحي، بينما شهدت الأسواق ومحال الجزارة إقبالاً واسعاً منذ الساعات الأولى للعيد.
العراق
وفي العراق، شهدت مدن بغداد والنجف والموصل حضوراً كثيفاً للمصلين في المساجد والساحات العامة، بينما اتسمت الأجواء بإجراءات تنظيمية وأمنية واسعة.
وردد العراقيون تكبيرات العيد في المساجد التاريخية والمراقد الدينية، قبل أن تنطلق العائلات للاحتفال وزيارة الأقارب وتوزيع اللحوم على المحتاجين، في مشهد يعكس حضور قيم التكافل الاجتماعي بقوة خلال المناسبة.
السودان
وفي السودان، جاء العيد هذا العام تحت وطأة الحرب والأزمة الإنسانية، إلا أن السودانيين أصروا على إقامة الصلاة في المساجد التي نجت من الدمار وفي الساحات العامة ومراكز الإيواء.
وامتزجت التكبيرات بالدعوات لعودة الأمن والاستقرار، فيما حاولت الأسر إدخال البهجة إلى الأطفال عبر تقاسم الطعام والحلوى البسيطة رغم شح الموارد وصعوبة الحياة اليومية.
اليمن
وفي اليمن، احتشد الآلاف في ساحات الصلاة في صنعاء وتعز وعدد من المدن الأخرى، حيث حافظ اليمنيون على طقوس العيد التقليدية رغم التحديات الاقتصادية والمعيشية.
وشهدت الصلاة حضوراً رسمياً وشعبياً واسعاً، بينما تداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع تظهر الحشود الكبيرة التي ملأت الساحات العامة بالتكبيرات والأهازيج الشعبية.
الولايات المتحدة
وفي الولايات المتحدة، برزت احتفالات الجاليات العربية والمسلمة بعيد الأضحى هذا العام بصورة لافتة، خاصة في ولاية ميشيغان التي تُعد واحدة من أهم مراكز الوجود العربي والإسلامي في أمريكا الشمالية.
وتحولت مدن مثل ديربورن وديترويت وديربورن هايتس إلى ساحات احتفال ضخمة، حيث احتشد آلاف العرب والمسلمين في المساجد والمراكز الإسلامية والحدائق العامة لأداء صلاة العيد وسط أجواء امتزجت فيها الروحانية بالمظاهر الاجتماعية والثقافية التي تعكس تنوع الجاليات العربية هناك.
وشهدت المساجد الكبرى في ديربورن ازدحاماً واسعاً منذ ساعات الفجر الأولى، فيما اصطف المصلون في الساحات الخارجية والحدائق المحيطة بسبب الأعداد الكبيرة، وسط انتشار التكبيرات وتبادل التهاني بلغات ولهجات عربية متعددة، من اللبنانية والعراقية واليمنية والفلسطينية والسورية والمصرية.
كما نظمت الجاليات العربية مهرجانات عائلية عقب الصلاة تضمنت عروضاً للأطفال وأكشاكاً للمأكولات الشرقية والحلويات العربية مثل الكنافة والبقلاوة والمعمول، إلى جانب فعاليات فنية وتراثية وأغانٍ عربية أعادت أجواء العيد الشرقية إلى قلب الولايات المتحدة.
وبرزت هذا العام مشاعر التضامن الإنساني بقوة داخل احتفالات الجالية العربية في ميشيغان، خاصة مع استمرار الأزمات والحروب في المنطقة العربية، حيث رفعت خلال بعض التجمعات أعلام فلسطين ولبنان، ونُظمت فعاليات دعائية وخيرية لدعم المتضررين من الحروب والنزاعات.
وتُعد ديربورن من أكثر المدن الأمريكية ارتباطاً بالمناسبات الإسلامية، إذ تضم واحدة من أكبر الجاليات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة، كما أصبحت أول مدينة أمريكية تمنح موظفيها إجازة رسمية في عيدي الفطر والأضحى، في خطوة عكست الحضور المتنامي للعرب والمسلمين داخل الحياة العامة الأمريكية.
وخلال عيد الأضحى هذا العام، ازدانت الشوارع التجارية العربية في ديربورن بالأضواء والزينة، بينما شهدت المطاعم والمقاهي والأسواق العربية ازدحاماً كبيراً من العائلات التي خرجت للاحتفال وتبادل الزيارات العائلية.
كما حرصت الجاليات العربية على تنظيم لقاءات اجتماعية موسعة جمعت أبناء الجيلين القديم والجديد، في محاولة للحفاظ على الهوية الثقافية العربية والإسلامية داخل المجتمع الأمريكي، خاصة مع مشاركة الأطفال الذين ارتدوا الملابس التقليدية والتقطوا الصور التذكارية في الساحات والمهرجانات.
وامتدت أجواء العيد إلى مدن أمريكية أخرى تضم تجمعات عربية ومسلمة كبيرة، مثل نيويورك وشيكاغو وهيوستن ولوس أنجلوس، حيث أقيمت صلوات جماعية ضخمة في الملاعب والحدائق العامة، أعقبها تنظيم مهرجانات للطعام الحلال وأسواق للمنتجات العربية وأنشطة ترفيهية للأطفال.
وبدا واضحاً هذا العام أن عيد الأضحى لم يعد مجرد مناسبة دينية للجاليات العربية والمسلمة في أمريكا، بل تحول إلى حدث اجتماعي وثقافي واسع يعكس قوة حضور هذه الجاليات وقدرتها على الحفاظ على تقاليدها وهويتها، مع الاندماج في الوقت نفسه داخل المجتمع الأمريكي متعدد الثقافات.
الدول الإسلامية
إيران
في إيران، شهدت العاصمة طهران ومدن أخرى تجمعات ضخمة للمصلين في الساحات والمساجد الكبرى، وسط أجواء غلب عليها الطابع الروحي وتبادل التهاني عقب انتهاء الصلاة.
كما حرص الإيرانيون على أداء شعيرة النحر وتوزيع لحوم الأضاحي على الفقراء والمحتاجين، في وقت استمرت فيه المظاهر الاحتفالية الشعبية في الأسواق والحدائق العامة.
باكستان
وفي باكستان، اكتظت المساجد التاريخية والساحات العامة بالمصلين الذين ارتدوا الأزياء التقليدية الزاهية، خاصة في مدن إسلام آباد وكراتشي ولاهور.
وعقب الصلاة، انطلقت مراسم ذبح الأضاحي في الأحياء الشعبية والأسواق المخصصة لذلك، بينما توزعت الجمعيات الخيرية والمتطوعون لتوزيع اللحوم على الأسر الفقيرة.
إندونيسيا
أما في إندونيسيا، أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، فقد بدت مشاهد العيد استثنائية، حيث أقيمت الصلاة في الشوارع والساحات العامة والمساجد الكبرى مثل مسجد الأزهر في جاكرتا.
وتميزت الاحتفالات هناك بالمزج بين الطابع الديني والثقافة المحلية، إذ ارتدى الرجال قبعات “السونغكوك” التقليدية وقمصان “الباتيك” الملونة، فيما تحولت بعض الساحات بعد الصلاة إلى مهرجانات شعبية وعائلية.
ماليزيا
وفي ماليزيا، أدى المسلمون صلاة العيد في مساجدها الشهيرة ذات الطابع المعماري الإسلامي الفريد، مثل مسجد السلطان صلاح الدين، وسط أجواء اتسمت بالهدوء والتنظيم.
وحافظ الماليزيون على تقليد “البيت المفتوح”، حيث تستقبل العائلات الجيران والأصدقاء من مختلف الديانات لتناول الطعام والحلوى، في صورة تعكس التنوع الثقافي والتسامح المجتمعي.
أفغانستان
وفي أفغانستان، ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة، توافد آلاف المصلين إلى مسجد عبد الرحمن في كابل والمسجد الأزرق التاريخي في مزار شريف.
وارتدى المصلون الزي الأفغاني التقليدي، بينما حرصت الأسر على إحياء شعيرة الأضحية وتقاسم اللحوم مع الفقراء، في تجسيد حي لمعاني التكافل والتراحم.
أوروبا وأستراليا
وفي أوروبا، ظهرت الجاليات المسلمة بصورة لافتة في مشاهد العيد، خاصة في روسيا والبوسنة والهرسك وألبانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.
وفي موسكو، امتلأ الجامع الكبير بالمصلين، فيما افترش عشرات الآلاف الشوارع المحيطة لأداء الصلاة بسبب الأعداد الضخمة، وسط انتشار أمني وتنظيم محكم.
أما في سراييفو، فقد صدحت التكبيرات من مسجد غازي خسرو بك التاريخي، بينما ازدحمت أزقة المدينة القديمة بالمصلين والزوار في أجواء امتزجت فيها الروحانية بالإرث العثماني العريق.
وفي تيرانا، احتشد آلاف المسلمين في الشارع الرئيسي بالعاصمة لأداء الصلاة في مشهد جوي مهيب أبرز الحضور الإسلامي المتجذر في منطقة البلقان.
وفي أستراليا، كان المسلمون من أوائل من استقبلوا عيد الأضحى بحكم فارق التوقيت، حيث شهدت مدن سيدني وملبورن تجمعات ضخمة في الملاعب والحدائق العامة.
وتحولت ساحات الصلاة بعد انتهاء الخطبة إلى مهرجانات عائلية ضمت ألعاباً للأطفال وأكشاكاً للطعام وعروضاً ثقافية، في صورة تعكس اندماج الجاليات المسلمة مع المجتمع الأسترالي مع احتفاظها بهويتها الدينية والثقافية.
مشهد إنساني عالمي
وفي النهاية، بدا عيد الأضحى هذا العام أكثر من مجرد مناسبة دينية، إذ تحول إلى مشهد إنساني عالمي تتداخل فيه معاني الإيمان والتضحية والتكافل والفرح والصمود.
فمن المشاعر المقدسة في مكة إلى شوارع موسكو وحدائق نيويورك، ومن ساحات جاكرتا إلى مخيمات النزوح في غزة والسودان، بقيت تكبيرات العيد القاسم المشترك الذي جمع ملايين المسلمين حول العالم، مؤكدة أن هذه الشعيرة لا تزال واحدة من أقوى الروابط الروحية والاجتماعية العابرة للحدود والثقافات.



