اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى الأطفال.. التشخيص والأسباب وطرق التمييز عن السلوك الطبيعي
أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر
هل كثرة حركة طفلك وتشتت انتباهه مجرد سلوك طبيعي، أم أنها قد تكون علامة على اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)؟، هذا السؤال يشغل كثيرًا من الأهالي، خاصة مع تزايد الحديث عن الاضطراب وأعراضه وطرق تشخيصه.
في هذه الحلقة من «راديو صوت العرب من أمريكا»، تناقش د. ليلى الحسيني مع الدكتور باسل الخطيب، أخصائي طب الأطفال والصحة العامة، أسباب الاضطراب وعلاقته بالعوامل الوراثية والبيئية، وكيف يحدث في الدماغ، إلى جانب المعايير الطبية الدقيقة لتشخيصه والتمييز بين أعراضه والسلوكيات الطبيعية لدى الأطفال.
مفهوم الاضطراب وطبيعته
* تُستخدم عبارة “اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه” (ADHD) غالبًا لوصف الطفل كثير الحركة أو سريع التشتت، لكننا في الواقع نتحدث عن اضطراب عصبي يُؤثر في الانتباه، والتحكم بالاندفاعات، وتنظيم السلوك، والأداء الدراسي والاجتماعي. ومع تزايد أعداد الأطفال المُشخّصين بهذا الاضطراب في الولايات المتحدة، تزداد تساؤلات الأهالي حول ما إذا كان كل طفل كثير الحركة مصابًا به، وكيفية التوفيق بين المعطيات العلمية وتخوفات أولياء الأمور.
ونستضيف اليوم الدكتور باسل الخطيب، الطبيب المعروف على المستوى الوطني في مجال صحة الأطفال واللقاحات، والذي حاضر في العديد من المؤتمرات الطبية داخل أمريكا بما فيها مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، ونشر مئات المقالات الطبية. أهلاً بك دكتور باسل، وبدايةً، ما هو اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه؟
** أهلاً بكِ دكتورة ليلى وشكراً على الاستضافة. يرمز اختصار (ADHD) إلى (Attention Deficit Hyperactivity Disorder)، وهو ينطوي على ثلاثة أركان رئيسة: نقص الانتباه، وفرط الحركة، والاندفاعية أو الانفعالية. يُعد هذا الاضطراب من أكثر المشكلات السلوكية شيوعاً لدى الأطفال، ولذلك خضع لدراسات مكثفة من قِبل العلماء وأطباء الأطفال والطب النفسي، مما أتاح اكتمال الصورة العلمية المتعلقة بأسبابه وعلاجه والأساليب الحديثة للتعامل معه.
* هل هذا الاضطراب يُعد مرضاً حديثاً، أم إنه كان موجوداً منذ القدم وأصبحنا اليوم أكثر وعياً بقدرات التشخيص؟
** هذا الاضطراب ليس حديثاً على الإطلاق. تعود المعرفة به إلى بداية القرن العشرين، وتحديداً إلى عام 1902، عندما لاحظ الطبيب “جورج ستيل” نمطاً سلوكياً لدى الأطفال يتميز بالهياج، وعدم الانتباه، وفرط اليقظة، وعدم احترام القواعد والحدود. ورغم أنه لم يُطلق عليه اسم (ADHD) في ذلك الوقت، إلا أن الوصف ينطبق تمامًا على المرض الحالي. ومنذ ذلك الحين، جرت أبحاث عديدة حتى وصلنا إلى التسميات والمقاربات العلمية المعتمدة اليوم.
معدلات انتشاره
* ما مدى انتشار هذا الاضطراب بين الأطفال؟ وما الذي يفسر زيادة حالات التشخيص في أمريكا، هل هو زيادة الوعي أم عوامل مرتبطة بالبيئة والشاشات؟
** أظهرت دراسة قومية أُجريت في الولايات المتحدة مع بداية القرن الحادي والعشرين أن الاضطراب يصيب نحو 7% من مجموع الأطفال، وهو رقم كبير جداً. وبيّنت الدراسات أن نحو نصف الأطفال المصابين لم يكونوا يتلقون العلاج، وأن نسب العلاج ترتفع لدى الأطفال الذين ينتمون إلى عائلات ذات وضع مادي وثقافي جيد. كما أثبتت الأبحاث أن نسبة إصابة الذكور تفوق الإناث بثلاثة أضعاف. وتفسير ارتفاع نسب التشخيص حالياً لا يعود لزيادة حقيقية في عدد الحالات، بل إلى ارتفاع الوعي لدى الأهالي وتبلور المعايير التشخيصية لدى الأطباء.
ظاهرة الإفراط التشخيصي
* هناك قلق لدى البعض من وجود إفراط في تشخيص هذا الاضطراب، فهل تلمسون إفراطاً حقيقياً في هذا المجال؟
** نعم، يوجد إفراط في التشخيص دون شك. فالشرط الأساس لتشخيص الحالة يتطلب استيفاء معايير محددة، لكن ما يحدث حالياً هو أن بعض المعلمين أو الأهالي، بمجرد ملاحظة نشاط زائد لدى الطفل، يطلقون عليه تشخيص (ADHD) مباشرةً. وكما حدث سابقاً مع مرض التوحد، فإن تركيز الإعلام والمجتمع على موضوع معين يؤدي أحياناً إلى التسرع في إطلاق التشخيص على الأطفال دون التثبت من القواعد العلمية.
أسباب حدوثه
* ما الأسباب المعروفة لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه؟ هل هي نتاج عوامل وراثية أو بيولوجية أو بيئية، أم اجتماع هذه العوامل معاً؟
** هذا الاضطراب متعدد العوامل (Multifactorial)، ويمكن اختصار أسبابه في ثلاثة محاور أساسية:
1. العوامل الجينية: أثبتت الدراسات وجود خلل في الجينة المسؤولة عن مستقبل الدوبامين (Dopamine Receptor D4 Gene)، مما يرفع احتمال ظهور الاضطراب لدى أقارب الدرجة الأولى، ويصل احتمال إصابة التوأم المتطابق إلى 50% في حال إصابة أحدهما.
2. العوامل فوق الجينية (Epigenetics): تكون التركيبة الجينية سليمة، ولكن يحدث تعبير شاذ للجينة مما يؤدي إلى ظهور الاضطراب.
3. العوامل البيئية: وهي العوامل التي يمكننا التحكم بها، مثل تعرض الجنين للكحول أو التدخين أو المواد المخدرة أثناء الحمل، فضلاً عن وجود النزاعات العائلية وغياب الاستقرار الأسري أثناء فترة الحمل والنشأة.
أهمية الاستقرار الأسري
* هذا يوضح أهمية استقرار العائلة ودور البيئة الأسرية في الحد من المشكلات النفسية والسلوكية لدى الطفل.
** بالتأكيد؛ فالاستقرار الأسري له تأثير مباشر في المخرجات الصحية والنفسية للطفل. وأهمية العوامل البيئية تكمن في أنها الجانب الذي نستطيع التحكم فيه والتأثير عليه، بخلاف العوامل الجينية التي لا يمكن تغييرها.
آلية حدوث الاضطراب
* كيف تحدث هذه الحالة داخل الدماغ؟ وأين يكمن الخلل الوظيفي المسبب للاضطراب؟
** يُرجع أطباء الطب النفسي الخلل الأساسي المسبب للأعراض الجوهرية إلى ما يُسمى “غياب التثبيط السلوكي”. ويتلخص هذا المفهوم في مظاهر عدة:
1. العجز عن تأجيل الشعور بالاستمتاع، فالطفل لا يستطيع الانتظار لحين إنهاء واجبه المدرسي كي يشاهد برنامجه المفضل.
2. العجز عن إيقاف نشاط ممتع للقيام بواجب محدد، كصعوبة إيقاف ألعاب الفيديو لأداء الواجبات الدراسية.
3. العجز عن التحكم بالاندفاع والتشتت، مثل التوقف عن حل المسائل الدراسية للتفاعل مع أي شخص يمر أمامه.
تناقض مستوى التركيز
* إذا كان اضطراباً عصبيّاً، فما السبب في قدرة الطفل المصاب على التركيز لفترات طويلة في ألعاب الفيديو أو الأنشطة الممتعة، بينما يصعب عليه التركيز لدقائق معدودة في الدراسة والواجبات؟ هل المشكلة في نقص الانتباه أم في التحكم به؟
** تكمن المشكلة في القدرة على التحكم بالانتباه وتنظيمه. فالطفل يركز بسهولة في الأنشطة ذات الجاذبية العالية والاستمتاع المباشر، ولكنه يعجز عن التمسك بالتركيز في الأنشطة التي تُعد واجبات تتطلب جهداً ذهنياً وتعود بالنفع على مستقبله.
الوظائف السلوكية المتأثرة
* ما الوظائف السلوكية والتنفيذية التي تتأثر لدى الطفل المصاب؟ وهل يقتصر التأثير على التركيز أم يمتد إلى تنظيم الوقت والتحكم بالاندفاع والذاكرة واتخاذ القرار؟
** يتسع نطاق التأثير ليشمل وظائف متعددة، فالمرضى يعانون صعوبات في الأداء المدرسي، والعلاقات العائلية، والعلاقات مع الأقران، وفي تقدير الذات والتكيف مع البيئات الجديدة. كما يواجهون صعوبة في تنظيم الوقت وتطبيق المعرفة، وترتفع لديهم نسبة التسرب المدرسي. وهناك اضطرابات مرافقة شائعة مثل “اضطراب المعاندة والتحدي” (ODD)، وعجز التعلم، واضطرابات النوم والأرق.
استمراريته بالمستقبل
* متى تُلاحظ هذه الأعراض عادةً؟ وهل يزول الاضطراب مع التقدم في العمر أم يستمر خلال مرحلة المراهقة والبلوغ؟
** تظهر الملاحظة غالباً عند دخول الطفل إلى المدرسة أو الروضة، حيث يلاحظ المعلمون تشتته وفرط حركته مقارنة بأقرانه، على عكس الأهل الذين قد يتكيفون مع سلوكه تدريجياً. أما عن استمرارية الاضطراب، فإن الأعراض تستمر لدى 60% إلى 85% من الحالات حتى مرحلة المراهقة وما بعدها.
وفي حين يميل فرط النشاط الحركي إلى التراجع مع التقدم في السن، يستمر نقص الانتباه، وتترتب على استمراره في المراحل اللاحقة مشكلات عديدة، كارتفاع نسبة الحوادث المرورية لعدم الالتزام بالقواعد، والسلوكيات الاندفاعية، وزيادة معدلات القلق والاكتئاب وإدمان المخدرات، وتراجع الوضع الاقتصادي نتيجة ضعف التنظيم والتكيف.
تغير طبيعة الأعراض
* هل تتغير صورة الاضطراب مع التقدم في العمر، بحيث تخف الحركة الزائدة بينما تبقى مشكلة التركيز والاندفاع؟
** هذا صحيح؛ يقل فرط النشاط الحركي بينما يتكرس نقص الانتباه. ولذلك يفضل بعض الأطباء استخدام مصطلح “اضطراب نقص الانتباه” (ADD) وحذف حرف (H) الدال على فرط الحركة. ويهدف التدبير المبكر للحالة ليس فقط للسيطرة على الأعراض الحالية، بل لمنع تفاقم المشكلات المستقبلية.
معايير التشخيص الدقيقة
* كيف يميز الطبيب بين الطفل الطبيعي النشيط والطفل المصاب الذي يحتاج إلى تقييم وتشخيص طبي؟
** يعتمد التشخيص على معايير علمية دقيقة تتضمن مجموعتين من الأعراض (9 أعراض لفرط النشاط والاندفاع، و9 أعراض لنقص الانتباه). ولإثبات الإصابة، يجب تحقق 6 أعراض على الأقل من المجموعة الأولى و6 أعراض من المجموعة الثانية (أي 12 عرضاً من أصل 18):
أولاً: أعراض فرط النشاط والاندفاعية:
1. التململ وحركة الجسم غير المستقرة.
2. تحريك اليدين والقدمين بكثرة أثناء الجلوس.
3. مغادرة المقعد الدراسي دون سبب.
4. الجري والتسلق في أوقات غير مناسبة.
5. العجز عن المشاركة في الأنشطة الهادئة.
6. الحركة المستمرة وكأنه يُدار بإنحراف أو محرك.
7. الإجابة عن الأسئلة قبل اكتمال طرحها.
8. عدم القدرة على انتظار الدور.
9. مقاطعة الآخرين والتدخل في أحاديثهم.
ثانياً: أعراض نقص الانتباه:
1. عدم إيلاء انتباه كافٍ للتفاصيل.
2. صعوبة المحافظة على الانتباه في اللعب أو الدراسة.
3. عدم الإصغاء عند التحدث إليه مباشرة.
4. عدم اتباع التعليمات وفشل إنجاز الواجبات.
5. صعوبة تنظيم المهام والأنشطة.
6. تجنب الأنشطة التي تتطلب جهداً ذهنياً متواصلاً.
7. إضاعة الأغراض الضرورية كالأقلام والدفاتر.
8. سهولة تشتت الانتباه بالمؤثرات الخارجية.
9. نسيان الأنشطة والالتزامات اليومية.
ويُشترط تكرار هذه الأعراض، وعدم مناسبتها للمرحلة العمرية، وظهورها في أكثر من بيئة (البيت والمدرسة)، وبدء ظهورها قبل سن السابعة، وتسببها في تراجع الأداء الأكاديمي. وتُقيّم الحالة عبر استبيان تفصيلي يحتوي على نحو 100 سؤال يُوزع على الأهل والمعلمين لتحليله.
تشابه الأعراض الطبية
* هل هناك حالات أخرى قد تشتبه بأعراض هذا الاضطراب، مثل اضطرابات النوم أو القلق أو مشكلات التعلم؟
** نعم، يوجد تداخل في الأعراض بين هذا الاضطراب واضطرابات أخرى مثل اضطراب التحدي وصعوبات التعلم. وهذا التداخل يتطلب تقييماً هادئاً ودقيقاً، وقد يستدعي تحويل الطفل إلى أخصائي الطب النفسي للأطفال أو أخصائي الأعصاب لتأكيد التشخيص وضع الخطة العلاجية.
* في أي سن يجب على الأهل الانتباه أكثر لهذه الأعراض ومراجعة الطبيب؟
** يبرز الأمر عادةً مع دخول الطفل للمدرسة أو الروضة. وعندما يُبدي المعلمون قلقاً تجاه انتباه الطفل وسلوكه، يجب على الأهل استشارة طبيب الأطفال فوراً للتقييم وبيان ما إذا كان الأمر يتطلب تشخيصاً طبياً أم أنه مجرد نشاط طفولي عابر
نصائح ختامية
* ما نصيحتك الختامية للأهالي بشأن ما ناقشناه، قبل أن نتطرق لمحاور العلاج والأدوية في الحلقة القادمة؟
** أنصح الأسر بأمرين أساسيين:
1. زيادة المعرفة والوعي: بفهم طبيعة المرض والتشخيص والعلاج، والموازنة بين فوائد الدواء وآثاره الجانبية.
2. اتّباع تعليمات الطبيب الموثوق: أخذ النصائح الطبية من الطبيب المعالج واكتساب المعرفة من المصادر الموثوقة، وتجنب الشائعات والمعلومات غير المتخصصة على وسائل التواصل الاجتماعي.
واختتم بتأكيد أن المرض يستجيب للعلاج بشكل ممتاز، وأن الخيارات العلاجية متعددة ولا تقتصر على الأدوية فقط.
* نشكرك جزيل الشكر الدكتور باسل الخطيب على هذه المعلومات القيمة. على أن نستكمل في الحلقة القادمة محاور العلاج الدوائي والسلوكي، إضافة إلى موضوع لقاح الإنفلونزا للأطفال. شكراً لكم وإلى اللقاء.






