أخبار أميركاالراديوطبيبك الخاص

اضطراب طيف التوحّد تحت المجهر.. الدكتور باسل الخطيب يكشف العلامات المبكرة وسبل العلاج وأهمية التدخل المبكر

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

لقاء جديد مع الدكتور باسل الخطيب، المختص في صحة الأطفال في الجزء الثاني من حديثنا عن اضطراب طيف التوحّد. ما العلامات المبكرة التي يجب أن ينتبه إليها الأهل؟ وهل يمتلك بعض المصابين بالتوحّد قدرات استثنائية؟ وما أنواع اضطرابات الطيف؟ وهل هناك علاج فعّال للتوحّد؟.. تحدثنا أيضًا عن التدخل المبكر، والطب البديل، وأهم النصائح للعائلات التي لديها طفل مصاب بالتوحّد.

اكتشاف العلامات الأولى

* كيف يمكن للأب أو الأم ملاحظة العلامات الأولى للتوحد؟ ومتى ينبغي لهما الشعور بأن طفلهما يحتاج إلى تقييم طبي متخصص؟ وقبل الاستماع إلى إجابتكم، أود الإشارة إلى أن الجزء الأول من حوارنا لاقى اهتمامًا واسعًا في أوساط الجالية العربية والذين تساءلوا عن إمكانية تقديم نصائح لولايات أخرى غير ميشيغان بسبب شح المعلومات الطبية المتداولة حول هذا الموضوع.

** يسعدني كثيرًا أن نتمكن من مساعدة الأسر بفهم هذا الاضطراب المعقد، وأنا جاهز دائمًا لتقديم النصيحة. وأود تهنئتكم على اختيار هذا الموضوع الصعب الذي لاقى أثرًا إيجابيًا كبيرًا لدى الجالية العربية.

بالنسبة لكيفية ملاحظة الأعراض، دعونا نستذكر المعايير التشخيصية للتوحد؛ حيث يتصف الاضطراب بوجود مشكلة في التواصل اللغوي، وضعف المهارات الاجتماعية، واتسام حياة الطفل بالروتين والتكرار، وهي أعراض تبدأ في مراحل مبكرة من التطور.

إن أي علامة تدل على تأخر تطور الطفل تستوجب استشارة الطبيب؛ فمثلًا إذا بلغ الطفل عمر عام ونصف ولم يتكلم، أو كان لا يستجيب عند مناداته، أو لا ينظر في عيني الأهل، فإن أيًا من هذه الأعراض يستدعي عرضه على الطبيب لتقييم حالته.

وأركز دائمًا على التمييز بين اللغة الاستقبالية واللغة التعبيرية؛ فاللغة الاستقبالية تعني مدى استجابة الطفل وفهمه للطلبات اليومية كالأمر بالوقوف أو الجلوس أو الاستلقاء أو إحضار غرض ما.

وطالما كانت استجابة الطفل وفهمه جيدة، فهذا مؤشر إيجابي على أن اللغة التعبيرية ستتطور لاحقًا. وعند ملاحظة أي مشكلة تطورية، فإن الخطوة الأولى هي التوجه بطبيب الأطفال أو طبيب العائلة لإجراء تقييم مبدئي، وإذا وجد علامات توحي بالتوحد، فسيحيله إلى اختصاصي ذي خبرة لأن تشخيص التوحد ليس سهلًا ويستلزم عيادة تخصصية متكاملة.

وتضم هذه العيادات في أمريكا أطباء أخصائيين في الطب النفسي للأطفال وفريقًا من الفنيين المدربين بشكل نوعي. لا توجد للتوحد طريقة تشخيصية مفردة كفحص مخبري أو صورة أشعة، بل يعتمد التشخيص على التقييم السريري وجلسات قياس السلوك مع الطبيب النفسي.

وقد يُجرى الرنين المغناطيسي لنفي الأمراض العضوية المصاحبة للدماغ مثل التصلب الحديبي أو تضخم الفص الجبهي، إلى جانب إجراء الفحوصات الصبغية لنفي المتلازمات الجينية مثل متلازمة الصبغي X الهش.

القدرات الاستثنائية للتوحد

* أشرتم في كتابكم “يوميات من عيادة طبيب أطفال في أمريكا” إلى نقطة لافتة للغاية، وهي أن بعض الأشخاص المصابين بالتوحد قد يمتلكون قدرات استثنائية أو مواهب غير عادية في مجالات معينة كالحساب أو الذاكرة أو الموسيقى بالرغم من الصعوبات الواضحة في التواصل والتفاعل الاجتماعي؛ فما هي هذه الحالة تحديدًا؟ وكيف يمكن لشخص يعاني من صعوبات في جانب من جوانب التواصل أن يمتلك في المقابل قدرات استثنائية في مجالات أخرى؟

** هذه حالة حقيقية وموجودة لدى بعض المصابين بالتوحد وتسمى “متلازمة التوحدي الموهوب” (Autistic Savant Syndrome). وتتمثل في امتلاك الطفل لموهبة استثنائية في جانب محدد من السلوك أو الأداء؛ فمثلًا يمتلك بعضهم القدرة على إجراء العمليات الحسابية المعقدة للأرقام الضخمة بشكل فوري ودون تفكير، أو القدرة على عزف مقطوعات موسيقية معقدة للغاية بدقة متناهية من المرة الأولى دون عناء، على الرغم من تدني معدل ذكائهم العام.

وقد سجل التاريخ شخصيات شهيرة عانت من التوحد مثل الموسيقار النمساوي “موزارت” الذي اتسم بفرط حساسيته واحتياجه المستمر للحركة وإصدار تعبيرات وجهية خاصة وهي حركات لاإرادية متكررة تنضوي تحت أعراض التوحد، ومع ذلك يعد من أعظم الموسيقيين عبر التاريخ.

وكذلك الكاتب وعالم الرياضيات “لويس كارول” مؤلف رواية “أليس في بلاد العجائب” والذي عانَى من اضطراب “أسبرجر”، وفي العصر الحديث يبرز “إيلون ماسك” مالك شركتي “تسلا” و”سبيس إكس” والمصاب أيضًا باضطراب “أسبرجر”.

نسبة انتشار الموهبة

* إذن، لا يفترض الأهل أن كل طفل مصاب بالتوحد يمتلك بالضرورة موهبة خارقة؛ حيث ذكرتم أن هذه المتلازمة تظهر لدى نسبة محددة فقط؟

** هذا صحيح تمامًا؛ فهذه الموهبة الاستثنائية أو متلازمة التوحدي الموهوب تظهر لدى 10% فقط من إجمالي المصابين باضطراب طيف التوحد.

أشكال طيف التوحد

* بالحديث عن اضطراب “أسبرجر”، لقد ذكرتم سابقًا وجود عدة اضطرابات تندرج ضمن طيف التوحد؛ فهل يمكنكم إعطاؤنا فكرة مختصرة عن أبرز هذه التصنيفات وما يميز كلًا منها؟

** يندرج تحت طيف التوحد أربعة أشكال رئيسة؛ أولها “الاضطراب التوحدي” (Autistic Disorder) وهو الصورة الكاملة والأشد حدة للاضطراب حيث تظهر فيه جميع الأعراض بالمعايير التشخيصية المعروفة.

الشكل الثاني هو اضطراب “أسبرجر” (Asperger’s Syndrome)، وفيه يحافظ المصاب على وظائف إدراكية ولغوية جيدة، لكن علاقاته الاجتماعية واهتماماته في الحياة تكون محدودة للغاية.

الشكل الثالث هو “اضطراب الطفولة التفككي” (Childhood Disintegrative Disorder)، ويتميز بتأخر ظهور الأعراض التوحدية، حيث يبدأ الطفل في خسارة مهاراته تدريجيًا بعد عمر الثلاث سنوات وحتى سن العاشرة.

أما الشكل الرابع فهو “الاضطراب التطوري الشامل غير المصنف” (PDD-NOS)، وهو تصنيف يتسم بأعراض واسعة ومتنوعة ومشوشة لا تنطبق عليها تمامًا المعايير المحددة للأشكال الثلاثة السابقة، ويتم إدراج أي حالة لا ينطبق عليها تشخيص محدد تحت هذا البند.

سر مصطلح الطيف

* لماذا أصبح الأطباء يتحدثون عن طيف واحد بدرجات مختلفة بدلًا من استخدام تشخيصات طبية منفصلة؟

** يرجع ذلك إلى وجود عوامل وأعراض مشتركة تجمع بين هذه الأشكال الأربعة، وفي مقدمتها صعوبات التواصل اللغوي، وضعف المهارات الاجتماعية، والسلوكيات التكرارية والنمطية المستمرة.

وبالتالي، فإن دمجها تحت إطار مظلة واحدة يوجه القطاع الطبي نحو مسار موحد للتشخيص والعلاج، بينما يساعد وجود الأشكال الأربعة الأطباء في تحديد الطريقة والأسلوب الأنسب للتعامل مع كل حالة وفقًا لخصوصيتها وشكلها.

علاج اضطراب التوحد

* نصل الآن إلى السؤال الذي تنتظره كل عائلة تقريبًا بعد التشخيص: هل يوجد علاج للتوحد؟

** من حيث المبدأ، لا يوجد دواء سحري مفرد يؤدي إلى الشفاء التام أو يعالج كافة أعراض التوحد، ولكن هذا لا يعني إطلاقًا غياب السبل الممكنة لمساعدة الطفل وتطوير قدراته.

يركز تدبير التوحد وعلاجه على تحسين المهارات اللغوية والاجتماعية للطفل، ويتم ذلك من خلال الجلسات النفسية التخصصية وجلسات علاج النطق والتخاطب (Speech Therapy) لتحسين مهارات النطق والتعبير.

كما تعاني عائلة الطفل المصاب بالتوحد من ضغوط وصدمات نفسية كبيرة بعد التشخيص، لذا توفر عيادات التوحد أخصائيين يركزون على إرشاد الأسر وتوعيتها بخطوات العلاج لتجاوز هذه المرحلة وتفهم الجوانب المختلفة.

وفيما يخص التدخل الدوائي، فرغم عدم وجود دواء لعلاج العيوب الجوهرية للتوحد، فإن هناك أدوية فعالة للتعامل مع المظاهر والاضطرابات النفسية والسلوكية المرافقة؛ فمثلًا توصف أدوية مثل “ريتالين” و”ديكستروأمفيتامين” لعلاج حالات فرط الحركة المرافقة، ويُستخدم دواء “هالوبيريدول” لعلاج العرات الحركية واللفظية المتكررة في الوجه أو اليدين، كما تُجرب حاليًا أدوية مثل “فلوكسيتين” للحد من السلوكيات التكرارية والنمطية وتظهر نتائج واعدة.

هذه العلاجات والتدابير المساعدة تصنع فرقًا جوهريًا وإيجابيًا في تحسين جودة حياة مريض التوحد.

تأثير التدخل المبكر

* إلى أي حد يصنع التدخل المبكر فرقًا في مسيرة الطفل؟ وهل هناك عمر مثالي لبدء العلاج تختلف معه النتائج من طفل لآخر؟

** من واقع خبرتي الطويلة ومراقبة وعلاج الأطفال المصابين بالتوحد، أؤكد أن هناك تحسنًا كبيرًا وملحوظًا وفرقًا شاسعًا تصنعه نقطة التدخل المبكر؛ فكلما بدأ التشخيص والعلاج مبكرًا كانت النتائج أفضل بكثير.

تظهر معظم الأعراض بوضوح قبل سن الثالثة، ويتم التشخيص عادًة ما بين سن عام ونصف وعامين، لذا فإن بدء العلاج في عمر السنتين يحقق نتائج ممتازة.

وهناك عوامل أخرى هامة تساهم في نجاح العلاج، منها وعي الأسرة ومعرفتها بالمرض، بالإضافة إلى شدة حالة الطفل الأصليّة؛ حيث تكون استجابة الحالات المتوسطة للبرامج العلاجية أفضل بكثير مقارنة بالحالات الشديدة والعميقة.

ونؤكد هنا على قاعدة “خير الأمور الوسط”، فلا ينبغي الهلع المفرط من كل عَرَض تطوري بسيط وتصنيفه كتوحد، وفي المقابل يجب عدم التفريط والإهمال في تقييم الطفل عند ملاحظة علامات واضحة للتأخر التطورى.

تقييم الطب البديل

* نتيجة لطول رحلة العلاج ورغبة الأهل الملحة في تجربة أي شيء لمساعدة طفلهم، تتجه بعض الأسر نحو الطب البديل كالحميات والمكملات الغذائية المروج لها عبر الإنترنت؛ فكيف ترون هذا الموضوع طبيًا؟

** أنا لا ألوم العائلات إطلاقًا على تفكيرها وبحثها المستمر عن العلاجات البديلة بسبب عجز الطب التقليدي عن توفير دواء شافٍ ونهائي. غير أن الأبحاث والدراسات العلمية الواسعة لم تثبت فائدة المكملات الغذائية مثل فيتامين (أ)، وفيتامين (ب6)، وفيتامين (ب12)، والأوميغا 3، أو الأحماض الأمينية، أو مضادات الفيروسات والفطريات، ومضادات الأكسدة وحمض الفوليك.

كما تم تجريب حميات غذائية خاصة كالحمية الخالية من الجلوتين، ولم تثبت الدراسات أي جدوى علمية لها في علاج أعراض التوحد. لذا، أنصح الأهل دائمًا بالرجوع إلى الطبيب المعالج واستشارته قبل الخوض في أي تجربة علاجية بديلة؛ وذلك لتوفير جهدهم المادي والمعنوي والبدني وتجنب تضييع الوقت والوقوع في فخ الإعلانات التجارية التي يستغل مروجوها آلام الأسر لتحقيق أرباح مادية دون سند علمي.

إرشادات بعد التشخيص

* بالابتعاد قليلًا عن المصطلحات الطبية الجافة، لنفترض أن أبًا أو أمًا يستمعان إلينا الآن وقد تلقيا للتو تشخيص طفلهما باضطراب طيف التوحد، ويشعران بالخوف والحيرة الشديدة؛ فما هي أول نصيحة توجهها لهما؟ وما هو الخطأ الذي تتمنى ألا تقع فيه أي عائلة؟

** النصيحة الذهبية والخلاصة هي أن كل خطوة إيجابية وصحيحة في هذه الرحلة تبدأ بالمعرفة العلمية الدقيقة والواعية بمظاهر هذا المرض وأعراضه. لقد أدى الغموض المحيط بالتوحد إلى تدخل الكثير من غير المتخصصين الذين يزيدون من تشتت وحيرة الأهل بتقديم معلومات مغلوطة.

يجب على الأهل تجنب الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي مثل “إنستغرام” و”تيك توك” كمصادر لتلقي المعلومات الطبية، واللجوء بدلًا من ذلك إلى مصادر علمية موثوقة؛ وأولها الطبيب المعالج، وثانيًا المواقع الطبية المعتمدة مثل موقع مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (cdc.gov)، وموقع الجمعية الأمريكية للتوحد (autism-society.org)، وموقع (autismspeaks.org).

كما أنصح بقراءة كتب رصينة ومعتمدة في هذا المجال تساهم في فهم التوحد بعمق، مثل كتاب “NeuroTribes” للكاتب ستيف سيلبرمان، وكتاب “Unmasking Autism” للدكتور ديفون برايس، وكتاب “Uniquely Human” للدكتور باري بريزانت.

إن المعرفة العلمية السليمة تطرد الشائعات والمعلومات المضللة، وعلينا أن نتذكر دائمًا أن الأمل موجود وأن الطب حقق ويحقق تقدمًا وتطورًا هائلًا في علاج ورعاية المصابين بالتوحد، وكما قيل في الشعر العربي القديم: “ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل”.

الفحوصات قبل الحمل

* في دقيقة واحدة من فضلك دكتور باسل، وردنا سؤال الآن من أحد المتابعين يتساءل عما إذا كان هناك فحص جيني أو تحليل طبي يمكن إجراؤه قبل حدوث الحمل لمعرفة احتمالية إنجاب طفل مصاب بالتوحد؟

** للاسف، لا يتوفر أي فحص مخبري أو جيني قبل الحمل للكشف عن احتمالية الإصابة بالتوحد حتى الآن. وحتى بعد حدوث الحمل، يمكن إجراء فحص السائل الأمنيوسي ولكنه لا يشخص التوحد بحد ذاته لعدم وجود مؤشر جيني أو مخبري محدد وخاص به، وإنما قد يكشف هذا الفحص عن بعض الأمراض والاضطرابات الجينية المصاحبة للتوحد والتي لها انعكاس جيني واضح كمتلازمة الصبغي X الهش وغيرها.

* أشكرك جزيل الشكر الدكتور باسل الخطيب أخصائي طب الأطفال على هذه الإطلالة المتميزة والمعلومات القيمة. نخرج اليوم برسالة مفادها أن التشخيص المبكر يمثل نقطة البداية للمساعدة وتطوير القدرات وتسهيل التواصل مع العالم، وأن رحلة كل طفل مختلفة، فالمقارنة بين الأطفال أو البحث عن علاج سحري قد يزيد العبء على الأسرة بدلاً من مساعدتها. شكرًا لكم مستمعينا ومتابعينا الأعزاء.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى