ما الذي تغير في جدول لقاحات الأطفال؟.. وما هي حقيقة الجدل المثار حولها؟
أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر
حلقة خاصة من راديو صوت العرب من أمريكا، تلتقي فيها الإعلامية الدكتورة ليلى الحسيني مع الدكتور باسل الخطيب، اختصاصي طب الأطفال والحائز على البورد الأمريكي، لمناقشة أحدث المستجدات العلمية، وتفكيك أبرز المفاهيم الخاطئة، والإجابة عن أهم التساؤلات التي تشغل بال الأهالي، استنادًا إلى الأدلة الطبية والحقائق العلمية بعد إعلان مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها عن تغييرات جديدة تتعلق بجدول اللقاحات.
الدكتور باسل الخطيب حاصل على البورد الأمريكي في طب الأطفال، وعضو الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، ويُعد من أبرز الخبراء على المستوى الوطني في مجال صحة الأطفال واللقاحات.
وقد حاضر في العديد من المؤتمرات الطبية داخل الولايات المتحدة، بما فيها مؤتمر مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في أتلانتا، كما نشر مئات المقالات الطبية في الصحف العربية والأمريكية، وأُجريت معه مقابلات في وسائل إعلام أمريكية مرموقة، وحصل على العديد من الجوائز والتكريمات المحلية والوطنية تقديرًا لإسهاماته في صحة الأطفال.
جدل لا يتوقف
* أعادت التغييرات الأخيرة في توصيات اللقاحات إلى الواجهة جدلاً لم يهدأ منذ جائحة كورونا، بين مخاوف مشروعة وشائعات متداولة وحقائق علمية تستحق أن تُسمع من أهل الاختصاص.
ومن هذا المنطلق، يواصل راديو “صوت العرب من أمريكا” رسالته في استضافة الخبراء المحايدين ليترك للمستمع حق تكوين رأيه استناداً إلى الأدلة العلمية لا إلى الضجيج الإعلامي.
واستكمالاً لسلسلة التوعية الصحية مع الدكتور باسل الخطيب، اختصاصي طب الأطفال، نفتح في هذه الحلقة ملف لقاحات الأطفال لنناقش آخر المستجدات ونجيب عن أهم التساؤلات التي تهم كل أسرة.
الدكتور الخطيب حاصل على البورد الأمريكي في طب الأطفال وعضو الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، ويُعد من أبرز الخبراء على المستوى الوطني في مجال صحة الأطفال واللقاحات. يسعدني أن يكون ضيفي مجدداً الدكتور باسل الخطيب، أهلاً بك معنا.
** أهلاً بكِ دكتورة ليلى، وصباح الخير للجميع.
* نبدأ من الحدث الذي أعاد الجدل لموضوع اللقاحات؛ حيث انتشرت أخبار عن تغييرات في جدول اللقاحات أعلنتها مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC). ما الذي تغير وما حقيقة هذا الجدل؟
** في شهر يناير من عام 2026، قام مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بتغيير جدول اللقاحات الموصى به. سابقاً، كان الجدول يضم 17 لقاحاً تُعطى روتينياً، ولكن تم تقليصها إلى 11 لقاحاً. اللقاحات المستبعدة من الجدول الروتيني تشمل: التهاب الكبد الوبائي (أ) و(ب)، والروتا، والإنفلونزا، وفيروس (RSV)، وكوفيد-19.
لم تعد هذه اللقاحات تُعطى روتينياً وفق الجدول، بل أصبحت تخضع لإجراء يسمى “اتخاذ القرار المشترك”، حيث يجلس الطبيب مع العائلة لمناقشة ضرورة إعطاء هذه اللقاحات من عدمها، بدلاً من كونها إجراءً روتينياً.
ذكرت مراكز السيطرة على الأمراض أنها اتخذت هذا القرار تماشياً مع دول أخرى، مثل بعض الدول الأوروبية التي لم تعد تعتمد نموذجاً واحداً يطبق على الجميع. إلا أن هذا القرار أحدث نوعاً من الفوضى والحيرة وزاد من التشكيك باللقاحات.
تباين بين الولايات
* هل تنطبق هذه التغييرات على ولاية ميشيغان أيضاً، أم أن لكل ولاية سياستها الخاصة؟
** هذا الموضوع لا ينطبق على ولاية ميشيغان. لقد رفضت بعض الولايات الكبرى، مثل ميشيغان ونيويورك، تبني هذا التعديل. كما رفضت هيئات علمية مرموقة هذا التغيير، ومنها الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، التي اعتبرت هذا التغيير المفاجئ خطيراً وغير ضروري.
وبرأيهم، فإن هذا سيؤدي من جهة إلى تقليل الحماية ضد الأمراض، ومن جهة أخرى سيخلق شكوكاً لدى الناس حول أسباب هذا التغيير المفاجئ. ويسمح القانون لكل ولاية بوضع قواعدها الخاصة التي تُلزم بها المدارس والأطباء بناءً على إحصائياتها المحلية، وأرى أن هذه التعددية أمر ممتاز.
أهمية اللقاحات
* بعيداً عن تسييس الموضوع، نناقش الأمر من منطلق طبي وتوعوي. لماذا تُعد هذه اللقاحات مهمة لأطفالنا، وكيف نلخص فوائدها التاريخية؟
** أفضل طريقة لشرح فائدة اللقاحات هي لغة الأرقام وما أحدثته من فرق في صحة الناس. على سبيل المثال، لقاح “السعال الديكي” الذي صدر عام 1949؛ فقبل اللقاح كانت تُسجل في أمريكا 200 ألف حالة سنوياً، وبحلول عام 2016 انخفض الرقم إلى 16 ألف حالة فقط.
أما “الحصبة الألمانية”، التي قد تسبب أذى دماغياً للجنين إذا أصيبت بها الأم، فقد كانت تسبب 10 ملايين حالة سنوياً قبل صدور اللقاح عام 1969، وانخفضت إلى 10 حالات فقط في عام 2016. وبالنسبة لمرض “الحصبة”، انخفضت الحالات من نصف مليون سنوياً عام 1971 إلى أقل من 90 حالة في عام 2016.
والمثال الأبرز هو “شلل الأطفال”؛ فقبل لقاح عام 1955، كانت تُسجل 40 ألف حالة سنوياً وكان يشكل رعباً حقيقياً، وفي عام 1979 تم استئصاله تماماً من الولايات المتحدة، والآن عدد الإصابات هو صفر. لقد أدت اللقاحات دوراً هائلاً، وأول مرض اختفى تماماً من تاريخ البشرية بسببها هو “الجدري” عام 1977.
* ماذا يحدث إذا انخفضت نسبة التطعيم في المجتمع؟
** ستنعكس كل الفوائد التي ذكرناها؛ فتعود الأمراض التي انقرضت أو تراجعت، مثل شلل الأطفال والحصبة والتهاب السحايا، للظهور من جديد. سنتخلى بذلك عن أهم تقدم حضاري في تاريخ البشرية ونعود إلى عصور سابقة.
أمراض ولقاحات
* تشير البيانات إلى ارتفاع ملحوظ في حالات الحصبة في أمريكا خلال العامين الماضيين، حيث سُجلت أكثر من 2295 حالة في عام 2026، وهو أعلى عدد منذ 35 عاماً. ما السبب في ذلك؟
** السبب هو أن لقاح “الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية” (MMR) هو أكثر اللقاحات تعرضاً للهجوم والإشاعات في وسائل الإعلام، مما دفع الكثيرين لرفضه. وهذا يثبت أن التخلي عن اللقاحات يعيد ظهور الأمراض
* ما هي اللقاحات الضرورية لأطفالنا؟
** في رأيي، جميع اللقاحات الموجودة على الجدول الروتيني حالياً مهمة وبالتساوي، لأنها وُضعت لمواجهة أمراض خطيرة
مفاهيم خاطئة
* ما هي أكثر المفاهيم الخاطئة انتشاراً حول اللقاحات؟ وهل صحيح أنها تسبب التوحد؟ وكيف يميز الأهل بين المعلومات الموثوقة والشائعات؟
** المفاهيم الخاطئة كثيرة، وأحياناً تكون مبالغاً فيها، حيث يعزو البعض أي عارض صحي بسيط يصيب الطفل إلى اللقاح. أما بشأن “التوحد”، فالإشاعة خاطئة تماماً، وقد أصدرت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال دراسات كثيرة تدحض ذلك.
أصل هذه الإشاعة يعود لعام 1998 حين نشر طبيب بريطاني يُدعى أندرو ويكفيلد مقالاً زعم فيه وجود علاقة بين اللقاحات والتوحد. وتبين لاحقاً أن البحث كان “مفبركاً” وغير مسؤول، وأن الطبيب كان ممولاً من محامين يخططون لرفع دعاوى ضد شركات اللقاحات، مما يعني وجود مصلحة مالية تنفي صفة الحياد عن البحث.
وبناءً على ذلك، سحبت المجلة المقال عام 2010، وسحب المجلس الطبي البريطاني رخصة ممارسة المهنة من ويكفيلد. المشكلة تكمن في أن نشر المفاهيم الخاطئة سهل، لكن مسحها من أذهان الناس صعب جداً.
* ما هي الآثار الجانبية الطبيعية التي قد تظهر بعد اللقاح، ومتى ينبغي مراجعة الطبيب؟
** الآثار الشائعة هي ارتفاع طفيف في درجة الحرارة (حمى) أو تحسس جلدي بسيط في موقع الحقن. يوصى بمراجعة الطبيب إذا استمرت الحرارة لأكثر من 24 ساعة، أو في حال حدوث تحسس جلدي واضح. أما حالات القلق أو الإغماء التي قد تحدث، فهي ناتجة عن الخوف من “الوخز” وليست تأثيراً كيميائياً من اللقاح نفسه.
إلزامية اللقاحات
* هل اللقاحات مطلوبة لدخول المدارس في ميشيغان؟ وهل توجد استثناءات؟
** نعم، اللقاحات مطلوبة لدخول المدارس في ميشيغان وفي جميع الولايات الأمريكية. يجب على الأهل تقديم وثيقة تثبت اكتمال لقاحات الطفل. توجد استثناءات أو إعفاءات لأسباب طبية أو دينية في ميشيغان، بينما ترفض ولايات أخرى مثل كاليفورنيا ونيويورك الإعفاءات الدينية وتقبل الطبية فقط
* ماذا لو تخلف الطفل عن أخذ اللقاحات في موعدها؟
** توجد جداول تعويضية. في حال التأخر، يجب مراجعة الطبيب لتصميم جدول خاص حسب عمر الطفل. بعض اللقاحات ليس لها حد عمري، بينما لقاحات أخرى لا تُعطى بعد سن معينة. وبمجرد البدء بالجدول التعويضي، يُعتبر الطفل ملتزماً وتسمح له المدارس بالدخول.
نصائح هامة
* أين يجد الأهل المصادر الموثوقة للمعلومات بعيداً عن وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي؟
** المصدر الأهم هو “طبيب تثق به”. وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي ليست مصادر موثوقة لأنها قد تقدم معلومات متناقضة أو تهدف لزيادة المشاهدات فقط.
أما المصادر الإلكترونية الموثوقة فهي موقع “مراكز السيطرة على الأمراض” (CDC)، وموقع “وزارة الصحة في ميشيغان” (michigan.gov/mdhhs)، حيث يتم نشر معلومات مدروسة وموثقة تهدف لحماية صحة الطفل.
* ما هي الرسالة الختامية التي توجهها لكل أب وأم؟
** رسالتي هي: دعونا نعود للأساسيات ولا ننساق وراء الإشاعات. القاعدة البسيطة هي أن “المرض هو العدو، واللقاح هو الصديق”. اللقاحات أنقذت حياة الملايين، وهي نعمة عظيمة مثبتة بالأرقام والبحث العلمي، وصحة أطفالنا تستحق منا الجدية والتركيز على الحقائق العلمية
* شكراً لك دكتور باسل على هذه المعلومات القيمة






