تصعيد غير مسبوق.. هل تتحول مواجهة تكساس مع المؤسسات الإسلامية إلى سياسة وطنية؟
تشهد ولاية تكساس، أكبر الولايات التي يهيمن عليها الحزب الجمهوري، تصعيدًا غير مسبوق في المواجهة مع المؤسسات الإسلامية، بعد أن تحولت قضية ما يسميه الجمهوريون بـ”أسلمة الولاية” إلى أحد أبرز الملفات السياسية والتشريعية خلال العام ونصف العام الماضيين، وفقًا لصحيفة الإيكونوميست.
وبينما يؤكد المسؤولون الجمهوريون أن الإجراءات تستهدف ما يعتبرونه حماية للهوية الأمريكية ومنع أي نفوذ أيديولوجي يتعارض مع الدستور، ترى منظمات الحقوق المدنية الإسلامية أن ما يحدث يمثل حملة ممنهجة للتمييز الديني واستهدافًا للمسلمين، في وقت بدأت فيه معالم هذا التوجه تمتد إلى ملفات التعليم والهجرة والتشريعات، وسط تحذيرات من تحوله إلى نموذج قد تتبناه ولايات أمريكية أخرى.
حملة حكومية واسعة
بدأت الأزمة في فبراير 2025 عندما وصف حاكم تكساس، غريغ أبوت، مشروعًا سكنيًا اقترحه المركز الإسلامي في شرق بلانو بأنه يمثل نموذجًا لما أسماه “مدن الشريعة”، معتبرًا أنه قد يشكل تهديدًا لطبيعة المجتمع الأمريكي.
وأعقب ذلك إطلاق نحو 12 وكالة حكومية في الولاية تحقيقات متزامنة بشأن المشروع، في خطوة اعتبرها مراقبون بداية لحملة رسمية تستهدف المؤسسات الإسلامية داخل الولاية.
إجراءات ضد المؤسسات الإسلامية
توسعت الإجراءات لاحقًا لتشمل ملفات أخرى، ففي نوفمبر 2025 أعلن أبوت تصنيف مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR)، أكبر منظمة للدفاع عن الحقوق المدنية للمسلمين في الولايات المتحدة، باعتباره “منظمة إرهابية أجنبية”، مع منعه من شراء الأراضي داخل تكساس.
وفي مارس 2026 استبعدت سلطات الولاية المدارس الإسلامية من برنامج القسائم التعليمية الجديد، قبل أن يضع الحزب الجمهوري في تكساس شعار “وقف أسلمة تكساس” في المرتبة الثانية ضمن أولوياته التشريعية.
معركة الهوية
وتشير مجلة الإيكونوميست إلى أن الحملة الحالية تختلف عن موجة العداء للمسلمين التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر 2001، إذ لم تعد ترتكز على مكافحة الإرهاب، وإنما على مخاوف تتعلق بما يصفه المحافظون بـ”التحول الداخلي” في هوية الولايات المتحدة.
ويرتبط هذا التوجه بصعود تيار القومية المسيحية داخل الحزب الجمهوري، والذي يدعو إلى ترسيخ الطابع المسيحي للدولة في مؤسساتها وقوانينها.
ويؤكد حاكم تكساس أن الولايات المتحدة “تأسست كدولة مسيحية”، وهو موقف يتبناه عدد من القيادات الجمهورية البارزة، من بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الدفاع بيت هيغسيث، إلى جانب شخصيات محافظة أخرى ترى أن استمرار النظام الدستوري الأمريكي يتطلب الحفاظ على أغلبية مسيحية.
خطاب جمهوري متشدد
وبالتوازي مع ذلك، تصاعدت حدة الخطاب المناهض للمسلمين داخل الأوساط الجمهورية. فوفق بيانات صادرة عن مركز متخصص في رصد خطاب الكراهية، نشر 46 مسؤولًا جمهوريًا منتخبًا أكثر من 1100 منشور يتضمن مواقف معادية للمسلمين خلال 13 شهرًا فقط، بزيادة تقدر بنحو 15 ضعفًا مقارنة بالسنوات السابقة.
ووصف بعض السياسيين الإسلام بأنه “ثقافة موت”، بينما قال النائب الجمهوري عن ولاية تينيسي آندي أوغلز إن “المسلمين لا مكان لهم في المجتمع الأمريكي”.
كما أسس النائبان الجمهوريان عن ولاية تكساس تشيب روي وكيث سيلف تكتلًا داخل الكونغرس يحمل اسم “أمريكا خالية من الشريعة”، وانضم إليه 66 نائبًا من 25 ولاية، فيما طرح روي مشروع قانون يمنع دخول الأجانب المسلمين إلى الولايات المتحدة.
وتنسجم هذه المواقف مع الخطاب الذي تبناه الرئيس دونالد ترامب، الذي استخدم في مناسبات عدة مدينتي باريس ولندن باعتبارهما مثالين على ما وصفه بتراجع الهوية الغربية نتيجة انتشار الإسلام.
اتساع الفجوة الحزبية
وتنعكس هذه الخطابات على توجهات الناخبين الجمهوريين. فقد أظهرت استطلاعات للرأي أن 75% من الجمهوريين يرون أن الإسلام يتعارض مع القيم الأمريكية، مقابل 30% فقط من الديمقراطيين، وهي فجوة تضاعفت مقارنة بعام 2011.
كما أظهر استطلاع بين الجمهوريين في ولاية فلوريدا أن قضية “الإسلام في أمريكا” تحظى باهتمام يفوق قضايا الإجهاض وحقوق حمل السلاح لدى قطاع واسع من الناخبين المحافظين.
ورغم أن المسلمين لا يمثلون سوى نحو 1% من سكان الولايات المتحدة، فإن مؤيدي هذه السياسات يعتبرون أن القضية ترتبط بحماية الهوية الثقافية والدستورية للبلاد، وليس بحجم الوجود الإسلامي.
التعليم يدخل دائرة المواجهة
وامتدت الحملة إلى قطاع التعليم، حيث كانت تكساس قد ألزمت المدارس بعرض الوصايا العشر داخل الفصول الدراسية.
وفي يونيو الماضي، أقر مجلس التعليم بالولاية تعديلات واسعة على المناهج الدراسية، تضمنت إلغاء مادة “الثقافات العالمية” في المرحلة المتوسطة، واستبدال الدروس الخاصة بالمعتقدات الإسلامية في المرحلة الثانوية بوحدات تركز على “الجهاد والفتوحات الإسلامية وغزو الأراضي المسيحية”، مع توسيع المحتوى المرتبط بالقصص التوراتية.
اتهامات بالتمييز الديني
في المقابل، يرى مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية أن ما يحدث تجاوز حدود الإسلاموفوبيا، ووصل إلى مستوى “الاضطهاد الديني”، معتبرًا أن الهدف هو دفع المسلمين إلى مغادرة الولاية.
في المقابل، ترى بعض مراكز الأبحاث المحافظة أن الخطر الحقيقي يتمثل في التطرف الإسلامي، مع التأكيد على ضرورة التمييز بين المسلمين المعتدلين والتيارات المتشددة.
القضاء يوقف بعض الإجراءات
ورغم الزخم السياسي، واجهت بعض قرارات الولاية عراقيل قضائية. فقد أوقفت المحاكم محاولة استبعاد المدارس الإسلامية من برنامج القسائم التعليمية، كما سمحت باستمرار دعوى رفعها المركز الإسلامي في شرق بلانو يتهم فيها سلطات الولاية بالتمييز الديني.
ووجه قاضٍ فيدرالي، عُين خلال إدارة الرئيس الراحل رونالد ريغان، انتقادات حادة لحكومة الولاية، مؤكدًا أنها لم تقدم أي دليل يثبت أن المسجد أو المشروع السكني يهدف إلى فرض الشريعة الإسلامية.
هل يصبح سياسة وطنية؟
ورغم الانتكاسات القضائية، لا تبدو القيادة الجمهورية في تكساس مستعدة للتراجع، إذ يستعد برلمان الولاية لاستئناف أعماله مطلع العام المقبل وسط توقعات بطرح تشريعات جديدة في الإطار نفسه.
ويرى مراقبون أن ما يجري في تكساس قد لا يبقى محصورًا داخل حدود الولاية، بل قد يتحول إلى نموذج سياسي تتبناه ولايات محافظة أخرى، خاصة في ظل تنامي نفوذ تيار القومية المسيحية داخل الحزب الجمهوري.
وفي المقابل، يحذر منتقدو هذه السياسات من أن تحويل قضية الإسلام إلى محور للصراع السياسي الداخلي قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، ويفتح الباب أمام موجة جديدة من الاستقطاب الديني في الولايات المتحدة، لتصبح معركة “الإسلام والهوية الأمريكية” أحد أبرز ملفات السياسة الأمريكية خلال السنوات المقبلة.




