من صخرة بليموث إلى الجدار الحدودي.. كيف خانت أمريكا قصة الشكر الأولى للهجرة
بقلم: ليلى الحسيني - صحفية ومؤسس راديو صوت العرب من أمريكا
في كل عام، عندما يحل عيد الشكر، تتجدد لدى الأمريكيين صورة مثالية شبه مقدسة… سفينة “ماي فلاور”، وشواطئ ماساتشوستس القاسية، ومجموعة من الهاربين من الاضطهاد الديني والبحث عن أرض جديدة.
هذه هي حكاية الآباء الحجاج (Pilgrims)، الذين لولا المساعدة غير المشروطة التي قدمها لهم السكان الأصليون من قبيلة وامبانواغ، لما كُتب لهم البقاء. هذه الرواية التأسيسية تُعلي من شأن قبول الغريب ومساعدته على البقاء على قيد الحياة.
ولكن في هذه اللحظة من الامتنان والتذكر، يقف الواقع المعاصر للهجرة كمرآة مشوهة، تعكس تناقضاً صادماً. فبينما نحتفل في أمريكا في كل عيد شكر بالناجين الأوائل، ونمجّد روح السكان الأصليين الذين أنقذوهم، تتحول هذه الروح في أمريكا اليوم إلى سياسات (منع، واحتجاز، وفصل)، نتج عنها مشاهد مؤلمة لأمهات فصلوا عن أبنائهن، وأحداث عنف خلال الاعتقالات، وتقارير عن انتهاكات لم نعهدها من قبل.
لقد تم إفراغ فلسفة عيد الشكر من محتواها الإنساني. فإذا كان عيد الشكر يمثل الامتنان للنجاة بفضل الضيافة، فإن سياسات الهجرة الحالية تمثل خوفاً منظماً من المهاجرين الذين يحملون نفس آلام وآمال أسلافنا، نفس الحلم في وطن جديد يحمي عوائلهم ويصدق أحلامهم بالعيش الكريم.
حكايات الشكر المغلوطة: حينما كان الوصول إنسانياً لا سياسياً
لفهم عمق هذا التناقض، يجب أن نعترف بأن الأسطورة التأسيسية للشكر لا تتعلق بالانتصار، بل بالنجاة المشروطة. لم يكن الحجاج الأوائل فاتحين؛ بل كانوا حرفياً طالبي لجوء ديني هاربين من نظام سياسي وديني لم يعد يطيق وجودهم.
ويليام برادفورد، زعيم الحجاج، وثّق اللحظات الأولى لوصولهم بوصفها “اليأس المطبق”. لم يُطلب منهم ملء نماذج معقدة للهجرة، ولم يواجهوا “جداراً” أو حراسة مسلحة. بل حصلوا على المساعدة الفورية من سكوّانتو وماساتشويت. لم تُقدَّم لهم المساعدة على أساس عرقهم أو قدرتهم الاقتصادية، بل على أساس حاجتهم الإنسانية المُلحة.
إن روح الشكر الأولى كانت مبنية على التعاون المتبادل. هذه الروح هي ما سمحت للأمة بالتشكل. لكن الأجيال اللاحقة، عندما اكتسبت القوة والسلطة، نسيت هذا الدرس الأساسي، وبدأت مرحلة الإقصاء والتهميش.
هذا التحول التاريخي والسياسي اليوم أسس لمنطق يقول: “سنحتفل بالترحيب عندما كنا ضعفاء، لكننا سنرفض الترحيب عندما أصبحنا أقوياء”.
هندسة الإقصاء: من الترحيب المفتوح إلى الفصل القانوني.
إن التحول من الترحيب المفتوح إلى الفصل والتضييق لم يكن حدثاً عرضياً، بل كان عملية “هندسة ممنهجة وإقصاء” قانونية تهدف إلى إعادة تعريف من هو “الأمريكي” ومن هو “الغريب!
فبعد عقود من الترحيب بالأعداد الهائلة من المهاجرين لتعزيز القوة العاملة والتوسع، بدأت قوانين التضييق في الظهور عند الشعور بالاكتفاء الذاتي أو الخوف من “الآخر” المختلف.
بدأ الأمر بقانون الإقصاء الصيني (1882)، ووضع هذا القانون أول حاجز كبير وممنهج على أساس عرقي. وفي فترة العشرينيات تم تحويل الهجرة، من خلال ما يعرف “بقوانين الحصص الوطنية”، إلى لعبة أرقام باردة، حيث تم تفضيل الأوروبيين الشماليين، وتحديد حصص ضئيلة جداً للأصول الجنوبية والشرقية. وأصبحت الهجرة تُدار كأداة للتحكم في التركيبة العرقية، وليس كاستجابة للحاجة الإنسانية أو الاقتصادية.
في خضم هذا التضييق القانوني، ظلت كلمات إيما لازاروس منقوشة على تمثال الحرية “أعطوني المتعبين والفقراء والجموع التواقة للتنفس بحرية”. لكن اليوم، استبدلنا الوعود السامية بـ”أمن الحدود” و”العبء الاقتصادي” كأولويات، محوّلين المهاجر من شخصية “بطل النجاة” في كتب التاريخ، إلى “تهديد أمني” في العناوين الرئيسية، وأيضًا في سباقات الانتخابات بين المرشحين، والتي أصبح ملف الهجرة فيها من الأوراق الهامة للفوز للمرشح المؤيد أو المُعارض.
أزمة الإنسانية والاحتفال: طاولة الشكر المشروطة
اليوم يظهر التناقض جليًا بين فلسفة عيد الشكر التي تتمثل في النجاة والمساعدة، وسياسات الهجرة في أوضح صورة من خلال التكلفة والمنطق، فأمريكا اليوم تنفق موارد هائلة على منع نفس الروح التي أنقذتها. وبينما كانت مساعدة “البيليغريمز” مجانية وإنسانية، فإن آلة الإنفاذ الأمريكية تعمل بأقصى طاقتها لإخراج الوافدين الجدد.
وفي الوقت الذي يخصص فيه الأمريكيون وقتاً للاحتفال بمرور أربعمائة عام على إنقاذ حفنة من المهاجرين، فإن سياسات الإنفاذ تسجل أرقاماً قياسية في الإبعاد. فوفقاً لتقرير وزارة الأمن الداخلي (DHS) الصادر في 27 أكتوبر 2025، تم إبعاد أو ترحيل أكثر من نصف مليون (500,000+) من الأجانب غير الشرعيين من الولايات المتحدة خلال العام المالي.
هذا الرقم الصادم يجسد المفارقة، فكم من مجتمع كان يمكن أن ينمو، وكم من مائدة كان يمكن أن تمتلئ، لو تم توجيه جزء من هذا الجهد (والتكلفة) نحو الاستيعاب والمساعدة، على غرار ما فعله السكان الأصليون في بليموث؟، إنها سياسة تقيس النجاح بعدد من نطردهم، وليس بعدد من نساعدهم على النجاة.
النجاة المؤجلة والمميتة
لو وصل البيليغريمز إلى بليموث اليوم، لكانوا قد واجهوا نظام لجوء مشلولاً. الآباء الحجاج لم ينتظروا قراراً في محكمة هجرة، بل حصلوا على الملجأ الفوري، أما اليوم، الوافدون الجدد يواجهون سنوات من الانتظار.
تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد قضايا اللجوء المعلقة في محاكم الهجرة وصل إلى 3.7 مليون قضية بنهاية عام 2024، ويبلغ متوسط الانتظار لقرار بشأن هذه القضايا حوالي 3.9 سنوات.
هذه البيروقراطية التي تؤجل النجاة لعقود، وتضع الهاربين من العنف والاضطهاد في حالة من اليأس المزمن، هي تناقض صارخ مع روح المساعدة السريعة التي أنقذت المؤسسين الأوائل.
كما أن معدلات القبول السنوية للاجئين كانت تتأرجح بشكل كبير، ففي حين وصل السقف إلى 125,000، كانت الأرقام الفعلية أدنى بكثير في العديد من السنوات الأخيرة.
العمالة المنسية على المائدة
إننا نأكل ثمرة عمل المهاجرين في عيد الشكر، بينما نرفض السماح لهم بمشاركة المائدة كأفراد متساوين. فالإحصاءات الرسمية تظهر أن العمالة المهاجرة، بمن فيها العمال غير الموثقين، تشغل نسبة حرجة وحاسمة من الوظائف في قطاعات الزراعة والرعاية الصحية والخدمات الأساسية.
نحن نعتمد عليهم اقتصادياً بشكل مطلق، لكن الخطاب السياسي يصر على تصويرهم كـ”عبء” و”دخلاء”. هذا التناقض يمثل ازدواجية معايير لا يمكن تبريرها أخلاقياً.
دعوة لإعادة اكتشاف فلسفة الشكر
إن عيد الشكر يجب أن يكون دعوة لإعادة اكتشاف الذات الأمريكية. فالأمة لم تنجح لأنها حاصرت نفسها بالجدران، بل لأنها فتحت أبوابها للطموح، واليأس، والنجاة من كل حدب وصوب. إننا مدينون في وجودنا للضيافة التي تلقيناها في عام 1620م.
وإذا ظللنا نحتفل بقصة الهجرة القديمة، بينما نرفض ونعاقب الهجرة الجديدة، فإننا نحتفل فقط بقدرتنا على النسيان.
ولكي يكون احتفالنا صادقاً هذا العام، يجب أن نتذكر أن كل أمريكي بدأ كوافد، وأن قصص نجاة الوافدين الأوائل هي التي أسست طاولة الشكر التي نجلس عليها.
في عام واحد نُكرّم فيه حكاية إنقاذ حفنة من المهاجرين، نُسجّل رقماً يزيد عن نصف مليون إبعاد رسمي. فأي شكر هذا الذي نحتفل به، ونحن نعتبر الإنقاذ تاريخاً جميلاً، والترحيل سياسة ضرورية؟
الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس وجهة نظر الموقع




