رغم مرور 25 عامًا.. 11 سبتمبر ما زال حاضرًا في حياة الأمريكيين ويعيد تشكيل واقعهم وذكرياتهم
بعد مرور 25 عامًا على هجمات 11 سبتمبر 2001، لم تعد آثار ذلك اليوم محصورة في ذكريات الناجين وأسر الضحايا، بل أصبحت جزءًا ممتدًا من الحياة الأمريكية، ترك بصماته على الأمن والسياسة والحروب والصحة العامة، كما أعاد تشكيل الطريقة التي تنظر بها أجيال مختلفة إلى واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في التاريخ الأمريكي الحديث.
وفي تقرير موسع، رصدت وكالة “رويترز” كيف لا يزال الأمريكيون يعيشون مع إرث الهجمات بعد ربع قرن، من خلال قصص أشخاص تغيرت حياتهم بصورة مباشرة بسببها.
فيما تناولت وكالة “أسوشيتد برس” كيف أصبحت ذكرى 11 سبتمبر نفسها مختلفة من جيل إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، بعدما انتقلت البلاد من حالة الصدمة والوحدة التي أعقبت الهجمات إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الذكريات الشخصية مع الخلافات السياسية والاجتماعية.
يوم غيّر حياة ملايين الأمريكيين
في 11 سبتمبر 2001، نفذ تنظيم القاعدة هجمات منسقة أسفرت عن مقتل نحو 3 آلاف شخص، وأطلقت سلسلة من التطورات التي غيرت السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية لعقود.
وتشير رويترز إلى أن الهجمات أدت إلى إعادة صياغة واسعة لمنظومة الأمن القومي الأمريكي، كما شكلت نقطة انطلاق لحروب طويلة في أفغانستان والعراق، وأثرت في السياسة الخارجية الأمريكية وطريقة تعامل الولايات المتحدة مع التهديدات الإرهابية حول العالم.
لكن الإرث لم يكن سياسيًا وعسكريًا فقط؛ فبالنسبة إلى عائلات الضحايا ورجال الإنقاذ والناجين، ظل 11 سبتمبر تجربة شخصية لا تنتهي بانتهاء ذلك اليوم.
أبناء الضحايا يحملون إرث الآباء
ومن بين القصص التي أبرزتها رويترز قصة سكوت لارسن، الذي كان يبلغ من العمر 4 سنوات عندما قُتل والده، وهو رجل إطفاء في مدينة نيويورك، خلال انهيار مركز التجارة العالمي.
وبعد سنوات، اختار لارسن السير على خطى والده والانضمام إلى إدارة الإطفاء في نيويورك، ليصبح واحدًا من أبناء رجال الإطفاء الذين قُتلوا في الهجمات واختاروا مواصلة المهنة نفسها. ووفق رويترز، اتبع 58 ابنًا آخر من أبناء رجال الإطفاء الذين فقدوا آباءهم في 11 سبتمبر المسار ذاته.
وتكشف هذه القصص عن كيفية انتقال آثار الهجمات عبر الأجيال، ليس فقط باعتبارها ذكرى تاريخية، وإنما باعتبارها تجربة عائلية تستمر آثارها بعد مرور عقود.
جروح جسدية ونفسية لم تندمل
وبينما خفتت صور الدخان والأنقاض من الذاكرة اليومية لكثير من الأمريكيين، فإن تداعيات الهجمات الصحية لا تزال مستمرة. وتبرز رويترز قصة الدكتور مايكل كرين، أحد أوائل المستجيبين للهجمات، والذي أصبح لاحقًا رئيسًا لبرنامج الصحة الخاص بمركز التجارة العالمي.
ويواصل البرنامج تقديم الرعاية والدعم لأكثر من 150 ألف من عمال الإنقاذ والناجين الذين يعانون أمراضًا مرتبطة بهجمات 11 سبتمبر والتعرض لمخلفات موقع الانهيار.
وهكذا لم يعد الحديث عن ضحايا 11 سبتمبر مقتصرًا على من قتلوا في يوم الهجمات، بل يشمل أيضًا أشخاصًا أصيبوا بأمراض جسدية أو نفسية في السنوات والعقود التي تلتها.
ذاكرة لا تزال حاضرة
ولا تزال ذكرى ذلك اليوم حية لدى غالبية الأمريكيين، حتى مع مرور ربع قرن. ووفق بيانات مركز بيو للأبحاث، فإن 83% من الأمريكيين الذين كانوا بالغين أو في سن تسمح لهم بتذكر أحداث 11 سبتمبر يقولون إنهم يتذكرون أين كانوا عندما وقعت الهجمات وكيف عرفوا بها.
وفي المقابل، أصبح نحو 10% من البالغين الأمريكيين اليوم من مواليد ما بعد الهجمات، ما يعني أنهم تعرفوا إلى 11 سبتمبر من خلال روايات الآخرين والمدارس ووسائل الإعلام، وليس من خلال تجربة شخصية مباشرة.
وهنا تبرز، بحسب أسوشيتد برس، واحدة من أهم التحولات في الذاكرة الأمريكية: فالأجيال الجديدة لا تحمل بالضرورة الصدمة نفسها التي عاشها الأمريكيون الذين شاهدوا الهجمات مباشرة، وإنما تتلقى الحدث باعتباره جزءًا من التاريخ، وتفسره في ضوء أزمات وتجارب أخرى عاصرتها، مثل جائحة كورونا والحروب والتوترات السياسية التي جاءت لاحقًا.
من الوحدة الوطنية إلى تعدد الروايات
في أعقاب الهجمات، شهدت الولايات المتحدة موجة واسعة من الحزن والوحدة والتضامن الوطني. لكن أسوشيتد برس ترى أن هذه التجربة الموحدة لم تعد تحمل المعنى نفسه لدى جميع الأمريكيين بعد 25 عامًا.
فبالنسبة إلى أسر الضحايا، ورجال الإطفاء والشرطة، والجنود الذين خاضوا حروب ما بعد 11 سبتمبر، لا تزال الذكرى مرتبطة بفقدان شخصي وتضحيات مباشرة.
أما بالنسبة إلى المسلمين والأمريكيين من أصول شرق أوسطية، فقد ارتبط إرث الهجمات أيضًا بتداعيات أخرى، من بينها زيادة التدقيق الأمني والتنميط العرقي والديني، إلى جانب التغيرات التي طرأت على سياسات الهجرة والأمن الداخلي.
وتشير الوكالة إلى أن إنشاء وزارة الأمن الداخلي وتشديد الإجراءات الأمنية وتوسيع نطاق المراقبة الحكومية كانت من أبرز التحولات التي أعادت تشكيل الحياة الأمريكية بعد الهجمات.
جيل يعرف الحدث من الكتب
ومع دخول 11 سبتمبر مرحلة جديدة باعتباره حدثًا تاريخيًا، تواجه الولايات المتحدة سؤالًا حول كيفية نقل ذكراه إلى الأجيال التي لم تعشه.
وتشير أسوشيتد برس إلى أن عشرات الولايات الأمريكية تقترح أو تفرض تدريس أحداث 11 سبتمبر في المدارس، لكن طريقة تناول الحدث تختلف بشدة من ولاية إلى أخرى.
فبعض المناهج تركز على الإرهاب والبطولة والعمل العسكري، بينما تتناول مناهج أخرى كذلك الحريات المدنية والسياسات التي تبنتها الولايات المتحدة بعد الهجمات.
وهذا الاختلاف يعكس تحول 11 سبتمبر من ذكرى وطنية مشتركة إلى موضوع يمكن أن يخضع أيضًا للتفسيرات السياسية والثقافية المختلفة داخل المجتمع الأمريكي.
من الإرهاب إلى مخاوف جديدة
ولم يعد التهديد الذي يربطه الأمريكيون بذكرى 11 سبتمبر هو نفسه الذي كان حاضرًا قبل عقدين. فاستطلاع حديث أجرته رويترز وإبسوس أظهر أن الأمريكيين أصبحوا أكثر قلقًا من التطرف الداخلي مقارنة بالإرهاب القادم من الخارج.
إذ اعتبر 33% من المشاركين الإرهاب الداخلي أكبر تهديد للأمن، مقابل 20% رأوا أن الإرهاب الأجنبي يمثل الخطر الأكبر، بينما وضع 42% أعمال العنف العشوائية، مثل إطلاق النار الجماعي، في مقدمة المخاطر.
كما رأى 61% أن الهجمات التي ينفذها متطرفون بدافع أيديولوجي داخل الولايات المتحدة تمثل تهديدًا أكبر من الهجمات التي ينفذها متطرفون من الخارج.
وتشير هذه النتائج إلى تحول جوهري في تصور الأمريكيين للأمن بعد 25 عامًا من 11 سبتمبر: فالخطر الذي كان يُنظر إليه في البداية باعتباره تهديدًا خارجيًا بات يُرى بصورة متزايدة باعتباره مشكلة يمكن أن تنشأ داخل المجتمع نفسه.
إرث سياسي يتجاوز الذكرى
ترك 11 سبتمبر كذلك إرثًا سياسيًا طويل الأمد، بعدما قاد إلى حروب استمرت سنوات، وإلى توسع كبير في صلاحيات أجهزة الأمن والمراقبة، وإعادة تعريف العلاقة بين الأمن والحريات المدنية.
وتختلف نظرة الأمريكيين اليوم إلى هذا الإرث؛ فبينما يرى البعض أن الإجراءات التي اتخذت بعد الهجمات كانت ضرورية لحماية البلاد، يرى آخرون أن بعض السياسات تجاوزت حدود الضرورة وأدت إلى تقييد الحريات أو استهداف مجتمعات بعينها.
وهذا التباين يفسر، بحسب أسوشيتد برس، لماذا لا توجد اليوم رواية أمريكية واحدة عن معنى 11 سبتمبر، وإنما عدة روايات تتشكل وفق التجربة الشخصية والانتماء الديني والسياسي والجيل الذي ينتمي إليه كل أمريكي.
25 عامًا.. ليست مجرد تاريخ
ورغم مرور ربع قرن، لا يزال 11 سبتمبر حاضرًا في حياة الأمريكيين بطرق مختلفة: في عائلات فقدت أبناءها، ورجال إنقاذ ما زالوا يتلقون العلاج، وأطفال ورثوا مهن آبائهم وذكرياتهم، ومسلمين تأثروا بتداعيات السياسات التي أعقبت الهجمات، وأجيال جديدة تتعلم في المدارس عن يوم لم تعشه بنفسها.
وتكشف قصة 11 سبتمبر بعد 25 عامًا أن أثر الأحداث الكبرى لا ينتهي بانتهاء الحدث نفسه؛ فبعض آثارها ينتقل عبر العائلات، وبعضها يظهر في السياسات والمؤسسات، بينما يعاد تفسير بعضها مع تغير المجتمع وظهور أجيال جديدة.
ولهذا، فإن السؤال في الذكرى الخامسة والعشرين لا يتعلق فقط بكيفية تذكر الأمريكيين لما حدث في 11 سبتمبر 2001، وإنما أيضًا بما تركه ذلك اليوم في بلد تغيرت هويته الأمنية والسياسية والاجتماعية بصورة عميقة، وبكيفية انتقال هذه الذاكرة إلى جيل لم ير الطائرات وهي تصطدم بالأبراج، لكنه يعيش في عالم تشكل جزء كبير منه بسبب تلك اللحظة.




