تبادل اتهامات بين سوريا وإسرائيل وتركيا في مجلس الأمن بشأن الوجود العسكري
دمشق تؤكد انفتاحها على اتفاق أمني برعاية أمريكية دون التخلي عن السيادة أو القبول بالاحتلال

شهد مجلس الأمن الدولي جلسة ساخنة بشأن الوضع في سوريا، تبادلت خلالها دمشق وتل أبيب وأنقرة الاتهامات بشأن الوجود العسكري والتحركات الأمنية داخل الأراضي السورية، في وقت أكدت فيه الحكومة السورية انفتاحها على الحلول الدبلوماسية والتوصل إلى اتفاق أمني برعاية أمريكية، مع التشديد على أن أي مسار تفاوضي لا يعني التخلي عن السيادة أو القبول بالاحتلال.
ووفقًا لموقع “الجزيرة نت” فقد قال المندوب السوري الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم العلبي إن دمشق تريد المضي في المسار الدبلوماسي والتوصل إلى اتفاق أمني برعاية الولايات المتحدة وبدعم من أعضاء مجلس الأمن، لكنه شدد على أن ذلك «لا يعني بأي حال من الأحوال قبول الاحتلال أو التنازل عن حقوق الشعب السوري».
مسار دبلوماسي
وأوضح العلبي أن دمشق انخرطت «بحسن نية» في المبادرة الأمريكية وفتحت باب الحوار بهدف التوصل إلى ترتيبات أمنية، متهماً إسرائيل بعدم تقديم رد مناسب على هذا المسار، والاستمرار بدلاً من ذلك في الغارات والتوغلات والتحركات العسكرية داخل سوريا.
واتهم المندوب السوري إسرائيل بالتوغل في قرى سورية وقصف منشآت داخل البلاد، مؤكداً أن بلاده تعمل في الوقت نفسه على بناء مؤسسات الدولة واستكمال مساري الدمج العسكري والإداري، إلى جانب تكثيف جهود مكافحة تنظيم الدولة وشبكات تهريب المخدرات.
وأشار إلى تعاون دمشق مع الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية والوكالة الدولية للطاقة الذرية لمعالجة الملفات المرتبطة بإرث النظام السابق، ولا سيما ما يتعلق بالأسلحة الكيميائية والمواد النووية.
شروط إسرائيل
في المقابل، قال مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون إن بلاده تجري محادثات مباشرة مع الحكومة السورية بهدف التوصل إلى اتفاق أمني، لكنه ربط ذلك بشروط تتعلق ببسط دمشق سيطرتها على كامل الأراضي السورية، وعدم استخدام الأراضي السورية من جانب قوات أجنبية أو جماعات مسلحة لتهديد إسرائيل.
وبرر دانون استمرار وجود منطقة عازلة أمنية في مرتفعات الجولان باعتبارات أمنية، قائلاً إن إسرائيل تسعى إلى منع تكرار هجوم عبر الحدود من الأراضي السورية على غرار هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
كما وجه دانون اتهامات إلى تركيا بشأن وجودها العسكري في شمال سوريا، وزعم أن أنقرة تنشر نحو 20 ألف جندي وتدير نحو 100 قاعدة ونقطة عسكرية داخل الأراضي السورية، وتسيطر على نحو 5% من مساحة البلاد، فضلاً عن توسيع نفوذها العسكري ودعم جماعات إقليمية.
الرد التركي
ورفض مندوب تركيا أحمد يلدز المقارنة بين الوجود العسكري التركي في سوريا والوجود الإسرائيلي، مؤكداً أن التعاون العسكري بين أنقرة ودمشق يتم بموافقة الحكومة السورية.
وقال يلدز إن تعزيز القدرات الوطنية السورية يمثل حقاً سيادياً ولا يشكل تهديداً لأي طرف ثالث، متهماً إسرائيل بتقويض الاستقرار في سوريا من خلال الهجمات والتحركات العسكرية والتصريحات التي وصفها بالتصعيدية.
ودعا المندوب التركي إسرائيل إلى وقف التصعيد وسحب قواتها من الأراضي السورية والالتزام الكامل باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وهو الموقف الذي أكدته أيضاً عدة دول خلال الجلسة. وتقول الأمم المتحدة إن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي والتحركات في جنوب سوريا يتعارضان مع اتفاق 1974.
دعوات للانسحاب
وشهدت الجلسة دعوات من عدد من الدول إلى احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها والالتزام باتفاق فض الاشتباك.
ودعت بريطانيا إسرائيل إلى وضع جدول زمني واضح للانسحاب، معتبرة أن التحركات العسكرية تؤجج التوتر، بينما طالبت الدانمارك وروسيا والصين إسرائيل بالانسحاب من الأراضي السورية ووقف الأنشطة العسكرية.
وأكدت اليونان ولاتفيا ضرورة احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها واتفاق عام 1974، فيما دعت لاتفيا إلى استئناف المفاوضات للتوصل إلى ترتيبات أمنية مقبولة للطرفين.
وقال نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا كلاوديو كوردوني إن الانتهاكات التي تمس السيادة السورية وسلامة أراضيها يجب أن تتوقف، مشدداً على ضرورة احترام اتفاق فض الاشتباك، ومحذراً من أن المخاوف الأمنية لا يمكن معالجتها بصورة مستدامة من خلال إجراءات عسكرية أحادية أو وجود عسكري مفتوح النهاية.
وضع السويداء
وامتد النقاش إلى الوضع في محافظة السويداء، حيث دعا كوردوني إلى أن تتم معالجة مستقبل المحافظة ومجتمعها الدرزي داخل إطار سوريا موحدة وبأيدي السوريين، مع استئناف العمل بخريطة الطريق الخاصة بالسويداء والإفراج عن المحتجزين وكشف مصير المفقودين.
وأعربت الولايات المتحدة عن قلقها من التصعيد في المحافظة، داعية إلى ضبط النفس والحوار ودعم خريطة الطريق، كما رحبت بالخطوات المتعلقة بدمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة، مؤكدة دعمها لوحدة سوريا ومؤسساتها.
في المقابل، اتهم المندوب التركي مجموعات درزية مسلحة مدعومة من إسرائيل بزعزعة الاستقرار في السويداء، وقال إنها تعرقل وصول الإمدادات والمساعدات الأساسية إلى المدنيين، وتمنع طلاباً من أداء امتحاناتهم.
الملف النووي
وتطرق مجلس الأمن كذلك إلى الملف النووي السوري، حيث رحبت الولايات المتحدة وبريطانيا والدانمارك وتركيا بتعاون دمشق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ودعت واشنطن سوريا إلى مواصلة تعزيز نظام الضمانات واعتماد البروتوكول الإضافي.
ويأتي ذلك بعد قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 9 سبتمبر/أيلول إنهاء أحكام قرار عام 2011 المتعلق بعدم امتثال سوريا سابقاً لاتفاق الضمانات، بعدما قالت الوكالة إن دمشق وفرت المعلومات وإمكانية الوصول المطلوبين لتوضيح القضايا العالقة.
وأكد المجلس أن سوريا تظل ملتزمة باتفاق الضمانات المرتبط بمعاهدة عدم الانتشار النووي، وتخضع للضمانات الروتينية للوكالة.
عودة النازحين
وعلى الصعيد الإنساني، قال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر إن أكثر من مليوني نازح داخلي عادوا إلى ديارهم في سوريا منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، وهو أعلى مستوى للعودة تشهده البلاد منذ عقدين.
لكن نحو 5.5 ملايين شخص ما زالوا نازحين داخل سوريا، بينهم نحو 800 ألف في المخيمات، وفق ما عرضه المسؤول الأممي، الذي حذر من أن نقص التمويل والاستثمار قد يؤدي إلى تجدد النزوح وتراجع الخدمات الأساسية.
وأشار إلى أن قطاعي الغذاء والتعليم لم يحصلا سوى على 26% من التمويل المطلوب، داعياً إلى دعم مبادرة الحكومة السورية «سوريا من دون مخيمات» بما يضمن عودة آمنة وطوعية للراغبين في العودة. كما أعلنت بريطانيا تخصيص 68 مليون جنيه إسترليني للمساعدات الإنسانية في سوريا خلال العام الحالي.
تعافٍ اقتصادي
وفي الجانب الاقتصادي، قال كوردوني إنه لمس خلال زيارته الأخيرة تقدماً في عمل المؤسسات السورية، رغم استمرار الصعوبات الاقتصادية، مشيراً إلى تنامي التعاون بين السلطات السورية والأمم المتحدة.
وأضاف أن سوريا تسعى إلى تعزيز موقعها ممراً إقليمياً للطاقة والتجارة، داعياً الدول المانحة إلى تسهيل الاستثمار والتعاون الاقتصادي.
ودعت الصين إلى معالجة البطالة والتضخم ودعم التعافي الاقتصادي، إلى جانب مواصلة العملية السياسية بقيادة وملكية سوريتين وفق القرار 2254، فيما شددت دول أخرى على أهمية الاستثمار وإعادة الإعمار وخلق فرص للشباب.
وأعلنت الدانمارك تعهدها بتقديم 76 مليون دولار مساعدات إنمائية لسوريا، مع نيتها زيادة دعم إعادة البناء اعتباراً من عام 2027.
وعكست جلسة مجلس الأمن تعدد الملفات التي تواجه المرحلة الانتقالية في سوريا، من الترتيبات الأمنية والعلاقة مع إسرائيل وتركيا، إلى السويداء ودمج القوى المحلية والملف النووي وعودة النازحين والتعافي الاقتصادي، في وقت تحاول فيه دمشق الدفع نحو مسار دبلوماسي برعاية أمريكية مع التأكيد على تمسكها بسيادتها ووحدة أراضيها.




