بعد الحدود.. بيانات 4.5 مليون مهاجر تكشف كيف أعادت موجة الهجرة تشكيل أمريكا
كشفت بيانات فيدرالية حصلت عليها وكالة «أسوشيتد برس» حصريًا أن موجة الهجرة التي شهدتها الحدود الأمريكية مع المكسيك خلال السنوات الأخيرة لم تتوقف آثارها عند الحدود الجنوبية، بل امتدت إلى أحياء ومدن في أنحاء الولايات المتحدة، من نيويورك وميامي إلى مجتمعات أصغر في ولايات لم تكن تاريخيًا وجهات رئيسية للمهاجرين.
واستند تحقيق «أسوشيتد برس» إلى سجلات حكومية تتضمن الوجهات التي أبلغ عنها نحو 4.5 مليون مهاجر أُطلق سراحهم داخل الولايات المتحدة بعد عبور الحدود المكسيكية، سواء بصورة قانونية أو غير قانونية، خلال الفترة من أكتوبر 2018 إلى يوليو 2025.
وتكشف البيانات جنسيات هؤلاء المهاجرين وأعمارهم وجنسهم ومناطق دخولهم والرموز البريدية للوجهات التي أبلغوا عنها.
موجة عالمية
وتظهر البيانات أن الهجرة عبر الحدود الجنوبية لم تعد ظاهرة تقتصر على المكسيكيين وأبناء دول أمريكا الوسطى، إذ جاء المهاجرون من أكثر من 150 دولة، فيما رصدت دوريات الحدود مهاجرين من 174 دولة خلال عام واحد فقط.
وبينما تصدرت دول أمريكا اللاتينية أعداد الوافدين، ظهرت جنسيات من مناطق بعيدة عن الحدود الأمريكية، بينها الهند والصين وغانا وأوزبكستان وتركيا وموريتانيا، ما يعكس اتساع طرق الهجرة وتنوعها خلال السنوات الأخيرة.
وتصدرت فنزويلا قائمة الجنسيات في البيانات بنحو 773 ألف شخص، تلتها كوبا بنحو 539 ألفًا، ثم المكسيك بنحو 404 آلاف، وهندوراس بنحو 388 ألفًا، وكولومبيا بنحو 354 ألفًا، وفق البيانات التي حللتها الوكالة.
كما ضمت البيانات أعدادًا من دول عربية، بينها مصر بنحو 5 آلاف شخص، والمغرب نحو ألفي شخص، وسوريا 821 شخصًا، ولبنان 118 شخصًا.
وجهات جديدة
وأظهرت البيانات أن المهاجرين لم يتجهوا جميعًا إلى المدن الأمريكية الكبرى المعروفة تاريخيًا باستقبال المهاجرين، بل انتقل عدد كبير منهم إلى مدن أصغر ومجتمعات لم تكن لديها قواعد مهاجرين كبيرة من قبل.
وظلت فلوريدا الولاية الأكثر شعبية إجمالًا، لكن كثيرًا من مهاجري أمريكا اللاتينية اتجهوا إلى أماكن أخرى بحثًا عن فرص عمل أفضل ومستوى معيشة أعلى، مستفيدين في بعض الحالات من وجود جاليات صغيرة وراسخة من أبناء بلدانهم.
وكانت لويزفيل في كنتاكي وأوديسا في تكساس من أبرز الوجهات بالنسبة إلى الكوبيين، بينما اتجه الكولومبيون بأعداد كبيرة إلى أورورا في ضواحي دنفر، وكانت باترسون في نيوجيرسي الوجهة الأبرز بين المهاجرين من بيرو.
وفي منطقة سينسيناتي بولاية أوهايو، أظهرت البيانات وصول مهاجرين من عشرات الدول، بينهم أعداد كبيرة من غرب أفريقيا وأوزبكستان والهند، ما ساهم في تغيير التركيبة السكانية لمجتمعات صغيرة تقع على أطراف المدينة.
وفي لوكلاند، وهي بلدة صغيرة قرب سينسيناتي، وصل نحو ألفي مهاجر من موريتانيا خلال عام 2023، ما أدى إلى زيادة عدد سكان البلدة بأكثر من 50% خلال فترة قصيرة، وحولها إلى مثال واضح على كيفية وصول موجة الهجرة إلى مجتمعات لم تكن معتادة على استقبال أعداد كبيرة من الوافدين.
مدن متعددة
وفي المدن الكبرى، عززت الموجة الجديدة التنوع السكاني القائم بالفعل. وسجلت مناطق بريدية في نيويورك مهاجرين من 26 مجموعة جنسية، تضم كل منها ما لا يقل عن ألف وافد، فيما تجاوز عدد الوافدين من 15 مجموعة حاجز 7 آلاف شخص.
وفي حي كوينز وحده، أظهرت البيانات وجود أعداد ملحوظة من مهاجرين ينتمون إلى عشرات الجنسيات، من بينها الإكوادور والصين وكولومبيا وفنزويلا والهند.
أما في فيلادلفيا، فسجلت البيانات 11 مجموعة جنسية تضم كل منها ألف مهاجر على الأقل، بينها البرازيل وهايتي وجمهورية الدومينيكان، إلى جانب مجموعات من روسيا وفنزويلا وجورجيا.
وتشير هذه الأرقام إلى أن التأثير الديموغرافي للموجة لم يكن محصورًا في المدن التي كانت بالفعل مراكز للهجرة، وإنما امتد إلى مناطق جديدة أصبحت تستقبل مهاجرين من قارات وجنسيات متعددة.
النساء والأطفال
ومن أبرز ما كشفته البيانات التحول في التركيبة الديموغرافية للمهاجرين. فما يقرب من ستة من كل عشرة مهاجرين أُطلق سراحهم بعد عبور الحدود كانوا من النساء والأطفال، في تغير ملحوظ مقارنة بفترات سابقة كان فيها الرجال يمثلون الغالبية العظمى من الوافدين.
وظهر هذا الاتجاه في عدد من المناطق؛ فقد استقطبت تولسا في أوكلاهوما نساء وأطفالًا من المكسيك، بينما اتجهت نساء وأطفال من الإكوادور إلى سبرينغ فالي في نيويورك، وجذبت تشاتانوغا في تينيسي أعدادًا من النساء الغواتيماليات.
الصينيون في نيويورك
وسجل المهاجرون الصينيون مسارًا مختلفًا نسبيًا، إذ اتجه معظمهم إلى منطقتين حضريتين رئيسيتين هما نيويورك ولوس أنجلوس.
وتظهر البيانات أن المهاجرين الصينيين، الذين وصل بعضهم عبر طرق جبلية في كاليفورنيا بعد عبور الحدود مع المكسيك، تركزوا خصوصًا في نيويورك، ولا سيما كوينز وبروكلين، إلى جانب عدد من الأحياء في منطقة لوس أنجلوس.
ما بعد بايدن
وتزامنت هذه التحولات مع الارتفاع الكبير في عمليات العبور خلال إدارة الرئيس جو بايدن، قبل أن تتراجع عمليات العبور بصورة حادة بعد القيود التي فرضتها الإدارة على طلبات اللجوء في يونيو 2024، ثم انخفضت أكثر بعد عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتعليق إجراءات اللجوء على الحدود.
وأصبحت الهجرة قضية محورية في السياسة الأمريكية، وكان ارتفاع أعداد الوافدين خلال السنوات الأخيرة أحد العوامل التي ساهمت في جعل ملف الحدود والهجرة قضية انتخابية رئيسية خلال السباق إلى البيت الأبيض.
حملة الترحيل
وتشير «أسوشيتد برس» إلى أن عمليات إنفاذ قوانين الهجرة خلال إدارة ترامب لم تستهدف جميع المناطق التي شهدت تدفقًا كبيرًا للمهاجرين بالدرجة نفسها.
فقد شهدت مدن مثل ميامي ونيويورك حملات اعتقال للمهاجرين، بينما حظيت مناطق أخرى شهدت تدفقات كبيرة، مثل وادي السيليكون في كاليفورنيا وماديسون في ويسكونسن وستامفورد في كونيتيكت، باهتمام أقل من سلطات إنفاذ قوانين الهجرة، وفق تحليل الوكالة للبيانات.
كيف تم جمع البيانات؟
وللوصول إلى هذه الصورة التفصيلية، تقدمت «أسوشيتد برس» في يونيو 2025 بطلب بموجب قانون حرية المعلومات إلى إدارة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية للحصول على بيانات مجهّلة الهوية عن الأشخاص الذين أُطلق سراحهم بعد عبور الحدود المكسيكية.
وطلبت الوكالة البيانات مصنفة حسب الرمز البريدي والجنسية وخصائص أخرى، من دون طلب الأسماء أو عناوين الشوارع، لتجنب مشكلات الخصوصية.
وفي ديسمبر، قدمت إدارة الجمارك وحماية الحدود سجلات لنحو 5.62 مليون شخص ألقت دوريات الحدود القبض عليهم بسبب الدخول غير القانوني خلال الفترة من أكتوبر 2018 إلى يوليو 2025. وبعد استبعاد الحالات التي لا تتضمن رمزًا بريديًا للوجهة والحالات المكررة المحتملة، انخفض العدد إلى نحو 3.65 مليون شخص.
وأضافت الوكالة بيانات عن 858,537 مهاجرًا دخلوا عبر منافذ دخول رسمية بين عامي 2021 و2024، معظمهم من خلال تطبيق «CBP One»، ليصل إجمالي مجموعات البيانات التي حللتها إلى 4,510,850 مهاجرًا.
حدود البيانات
وتنبه «أسوشيتد برس» إلى أن عنوان الوجهة المسجل لدى السلطات هو عنوان يقدمه المهاجر بنفسه، ولذلك لا يعني بالضرورة أنه استقر فيه بصورة دائمة.
فقد يكون بعض المهاجرين انتقلوا لاحقًا إلى أماكن أخرى، أو غادروا الولايات المتحدة، كما أن بعضهم ربما لم يصل أصلًا إلى العنوان الذي قدمه للسلطات.
واستبعدت الوكالة أيضًا بعض المناطق التي تضم مراكز احتجاز أو مرافق تابعة لإدارة الهجرة، كما أخفت النتائج الخاصة بالرموز البريدية التي يقل عدد الحالات فيها عن 10 لأسباب تتعلق بالخصوصية.
ومع ذلك، تقدم البيانات واحدة من أكثر الصور تفصيلًا حتى الآن عن الوجهات الأولية لملايين المهاجرين الذين عبروا الحدود الجنوبية، وتوضح كيف امتد أثر موجة الهجرة من نقاط العبور الحدودية إلى أحياء ومدن أمريكية في أنحاء البلاد، بعضها كان مركزًا للهجرة منذ أجيال، وبعضها الآخر تحول خلال سنوات قليلة إلى مجتمعات أكثر تنوعًا وتركيبًا.




