أخبارأخبار أميركا

قرار لإدارة ترامب بوقف أبحاث مكافحة السيكلوسبورا يثير مخاوف جديدة حول سلامة الغذاء

تواجه أبحاث مكافحة طفيل «السيكلوسبورا» في الولايات المتحدة ضربة جديدة، بعدما أوقفت إدارة الرئيس دونالد ترامب عددًا من المشاريع البحثية التابعة لوزارة الزراعة، في وقت تشهد فيه البلاد تفشيًا للطفيل أصاب أكثر من 17 ألف شخص خلال صيف 2026، ما يثير مخاوف من تراجع القدرة الفيدرالية على مواجهة الأمراض المنقولة عبر الغذاء.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «بوليتيكو»، فإن ثلاثة مشاريع بحثية كانت تشكل الجزء الأكبر من أعمال وزارة الزراعة المتعلقة بالسيكلوسبورا تواجه الإغلاق أو النقل، وسط تخفيضات في التمويل وإعادة هيكلة واسعة لوزارة الزراعة.

وألغى الكونغرس في وقت سابق من العام تمويل مشروعين من المشاريع الثلاثة التي كانت تُجرى في مركز بيلتسفيل للأبحاث الزراعية بولاية ماريلاند، بينما تقرر نقل المشروع الثالث من ماريلاند إلى ولاية أيوا خلال الخريف المقبل، رغم استمرار تمويله.

لكن عملية النقل تواجه مشكلة أخرى، إذ رفض جميع العلماء العاملين في أبحاث السيكلوسبورا الانتقال إلى الموقع الجديد، وفق مصادر مطلعة على خطط الوزارة ووثائق اطلعت عليها «بوليتيكو»، وهو ما يهدد بفقدان خبرات علمية تراكمت على مدى سنوات.

أكثر من 17 ألف إصابة بالطفيل

وتأتي هذه التطورات في توقيت حساس، إذ سجلت الولايات المتحدة أكثر من 17 ألف إصابة بداء السيكلوسبورا خلال صيف 2026، وفق بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها.

وتحقق إدارة الغذاء والدواء في عدة حالات تفشٍ مرتبطة بالطفيلي، من بينها تفشٍ أصاب أكثر من 11 ألف شخص في 20 ولاية.

وعلى الرغم من أن الأبحاث التي تجريها وزارة الزراعة لم تكن قادرة على منع التفشي الحالي، فإن العلماء يؤكدون أن استمرار العمل البحثي يمكن أن يساعد في فهم طرق انتقال الطفيل، وتحديد مصدر التفشيات بسرعة أكبر، وربما منع تفشيات مستقبلية.

وقالت كالميا نيل، التي سبق أن عملت مع علماء الطفيليات في مركز بيلتسفيل وأصبحت أستاذة تدرس السيكلوسبورا في جامعة ديلاوير، إن العلماء ما زالوا يعرفون القليل عن هذا الطفيل، معتبرة أن فقدان مركز بيلتسفيل سيجعل الاستجابة البحثية أبطأ بكثير.

ماذا يحدث داخل وزارة الزراعة؟

تقول إدارة ترامب إن مركز بيلتسفيل للأبحاث الزراعية، الذي يمتد على مساحة تبلغ نحو 6500 فدان ويضم مختبرات تدرس التغذية وصحة الحيوانات وسلامة الغذاء، مكلف للغاية بحيث يصعب الاستمرار في تشغيله.

وتبرر وزارة الزراعة عملية إعادة الهيكلة برغبتها في نقل موظفيها إلى مواقع أقرب إلى الأشخاص الذين تقدم لهم خدماتها، مؤكدة أن الأبحاث لن تتوقف بسبب عملية النقل.

وحملت الوزارة الكونغرس مسؤولية إلغاء تمويل المشروعين الموجودين في بيلتسفيل، وقال متحدث باسمها إن أيًا من الأبحاث لم يتعطل وإن العمل البحثي سيستمر دون انقطاع.

لكن هذه الرواية تواجه اعتراضات من العاملين في الوزارة، إذ قال أحد موظفيها الذين شاركوا في أبحاث السيكلوسبورا التي فقدت تمويلها إن العلماء لم يعد مسموحًا لهم بمواصلة العمل على هذا الجانب من البحث، باستثناء الحفاظ على العينات التي جمعوها خلال تفشيات سابقة.

ويرى الباحثون أن التفشي الحالي كان يمكن أن يمثل فرصة علمية مهمة لجمع عدد كبير من العينات وتحليلها لفهم طبيعة التفشيات بشكل أفضل.

خطر فقدان الخبرات العلمية

ولا تقتصر المخاوف على إغلاق المختبرات أو نقلها، بل تمتد إلى فقدان العلماء المتخصصين في الطفيليات. ووفق موظفين في وزارة الزراعة، فإن عددًا من العلماء المكلفين بدراسة الطفيليات المنقولة عبر الغذاء، ومن بينها السيكلوسبورا، يختارون التقاعد بدلًا من الانتقال إلى المواقع الجديدة أو إعادة توزيعهم على مشاريع أخرى.

وحذر أحد موظفي الوزارة من أن مغادرة هؤلاء العلماء ستترك فجوة كبيرة في المعرفة، مشيرًا إلى أن الوزارة قد تجد نفسها من دون علماء متخصصين في علم الطفيليات.

ويحذر خبراء من أن إعادة بناء هذه الخبرات ليست عملية سريعة، إذ قالت جوييل موسو، نائبة رئيس قسم العلوم في رابطة «ويسترن غروورز»، إن المشكلة لا تتعلق باستبدال مختبر بآخر، لأن بناء الخبرة العلمية المتخصصة قد يستغرق عقودًا.

تأثير يمتد إلى الجامعات والمؤسسات الخاصة

ويعتمد باحثون في مؤسسات علمية خاصة وجامعات على العينات والنماذج التي توفرها مختبرات وزارة الزراعة لإجراء أبحاثهم الخاصة بشأن السيكلوسبورا.

وكان مركز بيلتسفيل يمثل أيضًا بيئة تدريب مهمة للعلماء والطلاب والباحثين، إضافة إلى تعاونه مع مؤسسات بحثية في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.

وقالت الباحثة كالميا نيل إن مختبر المركز كان يوفر عينات ونماذج ضرورية لأبحاثها، ما يجعل تقليص دوره لا يؤثر على الباحثين الحكوميين وحدهم، بل يمتد إلى شبكة أوسع من العلماء الذين يعتمدون على موارده.

كما تعتمد وكالات فيدرالية أخرى تشارك في التحقيقات المتعلقة بالتفشيات على مساعدة علماء وزارة الزراعة الأمريكية في فهم كيفية انتشار الطفيل، فيما بدأ بعض علماء الوزارة بالفعل في رفض طلبات للحصول على المساعدة بسبب القيود الجديدة.

مختبر حديث مهدد

وتزداد المخاوف بسبب أن الحكومة الأمريكية أنفقت نحو 32 مليون دولار لتجديد مختبر سلامة الغذاء في مركز بيلتسفيل عام 2022، بينما لا يُتوقع أن تكون المواقع الجديدة بالمستوى نفسه من الحداثة والتجهيز، وفق موظفين في وزارة الزراعة.

وتحتاج عملية نقل المختبر إلى التعامل مع عينات بيولوجية محفوظة في مجمدات تصل درجات حرارتها إلى 80 درجة مئوية تحت الصفر.

وحذرت باربرا كوالتشيك، الأستاذة المشاركة في معهد ميلكن للصحة العامة بجامعة جورج واشنطن، من صعوبة نقل هذه العينات، مشيرة إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالمعدات، وإنما أيضًا بالحفاظ على سلامة العينات والظروف البيئية المناسبة للبحث.

كما أشارت إلى أن اختلاف الظروف البيئية، ومنها مستوى الرطوبة في المواقع الجديدة، قد يؤثر في جودة العمل البحثي.

لماذا يصعب التعامل مع السيكلوسبورا؟

يُعد السيكلوسبورا من الطفيليات التي يصعب تتبعها والتحقيق في تفشيها، إذ تعتمد عملية جمع العينات على عينات براز بشرية، كما أن التعامل مع الطفيل داخل المختبر يمثل تحديًا للباحثين.

وقالت سوزان ماين، المديرة السابقة لمركز سلامة الأغذية والتغذية التطبيقية التابع لإدارة الغذاء والدواء، إن السيكلوسبورا كائن يصعب التعامل معه بصورة خاصة، وإن المعرفة العلمية المتعلقة به لا تزال أقل تطورًا من المعرفة المتوفرة بشأن بعض مسببات الأمراض الأخرى.

ولهذا السبب، فإن خسارة مختبرات متخصصة أو علماء ذوي خبرة قد يكون لها تأثير طويل الأمد على قدرة الولايات المتحدة على فهم الطفيل ومواجهته.

موظفون أمام خيار الاستقالة أو الانتقال

وتشير وثائق داخلية، بحسب التقرير، إلى أن إعادة هيكلة وزارة الزراعة الأمريكية قد تدفع بما يصل إلى ربع موظفي الوزارة إلى الاستقالة بدلًا من الانتقال إلى مواقع العمل الجديدة.

وفي حالة علماء السيكلوسبورا، قد تكون النتيجة أكثر تعقيدًا، لأن انتقال المختبرات لا يعني بالضرورة انتقال الخبرات معها.

وبحسب مصادر مطلعة على خطة النقل، أُبلغ العلماء بأن عليهم الانتقال خلال أسابيع، في حين قد تحتاج معداتهم البحثية إلى عدة أشهر للوصول إلى مواقعهم الجديدة، ما قد يجعل بعض الباحثين غير قادرين فعليًا على مواصلة عملهم خلال الفترة الانتقالية.

مخاوف تتجاوز السيكلوسبورا

وتثير هذه التطورات مخاوف أوسع بشأن قدرة الحكومة الأمريكية على الاستعداد للأمراض المنقولة عبر الغذاء والتعامل معها، خاصة في ظل تهديدات صحية أخرى مثل السالمونيلا والإشريكية القولونية.

ويرى خبراء في الصحة العامة أن أهمية المختبرات الحكومية لا ترتبط فقط بالتعامل مع التفشيات القائمة، وإنما بالحفاظ على الخبرات والعينات والبنية العلمية التي تسمح بالاستجابة السريعة عندما يظهر مرض أو طفيل جديد.

وفي المقابل، تؤكد وزارة الزراعة أن إعادة الهيكلة لن تعطل الأبحاث، وأن البرامج البحثية ستستمر خلال عملية الانتقال.

لكن المخاوف المتزايدة بين العلماء تتمحور حول ما إذا كان نقل المختبرات وفقدان المتخصصين سيؤديان، على المدى الطويل، إلى إضعاف قدرة الولايات المتحدة على اكتشاف مصادر تفشي الأمراض المنقولة بالغذاء والاستجابة لها.

ومع استمرار التحقيقات في التفشي الحالي للسيكلوسبورا الذي أصاب آلاف الأمريكيين، أصبحت مسألة مستقبل الأبحاث الفيدرالية في مجال سلامة الغذاء جزءًا من نقاش أوسع حول كلفة إعادة هيكلة المؤسسات العلمية الحكومية، وما إذا كانت وفورات التمويل قصيرة الأجل قد تتحول إلى خسائر أكبر في القدرة البحثية والاستجابة للأزمات الصحية مستقبلًا.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى