بعد مرور 6 أشهر.. كيف غيّرت حرب إيران حياة الأمريكيين وما مصير المواجهة؟
ترامب توقع انتهاء الحرب خلال 4 أسابيع.. لكن الصراع يدخل شهره السابع وسط خسائر متزايدة

بعد ستة أشهر كاملة على بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تبدو توقعات الرئيس دونالد ترامب بشأن انتهاء الصراع سريعًا بعيدة عن الواقع؛ فالرئيس كان قد توقع في الأيام الأولى أن تستمر العمليات العسكرية نحو أربعة أو خمسة أسابيع، بينما دخلت الحرب الآن شهرها السابع دون اتفاق نهائي ينهي القتال أو يضع حدًا للأزمة.
وبدأت الحرب في 28 فبراير 2026، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات واسعة على إيران استهدفت قيادات ومواقع عسكرية ومنشآت استراتيجية، في عملية قالت إدارة ترامب إنها تهدف إلى القضاء على التهديد النووي الإيراني وحماية الأمن القومي الأمريكي.
وبعد ستة أشهر، لا تزال الولايات المتحدة منخرطة في الصراع، فيما تحولت المواجهة تدريجيًا من حملة عسكرية واسعة إلى ضغوط اقتصادية وعقوبات ومحاولات لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات، وفقًا لشبكة ABC News.
كيف بدأت الحرب؟
اندلعت المواجهة في 28 فبراير، عندما أعلنت واشنطن بدء «عمليات قتالية كبرى» بالتزامن مع الهجمات الإسرائيلية على إيران، وأسفرت الضربات الأولى عن مقتل عدد كبير من القيادات الإيرانية وإلحاق أضرار بالغة بمواقع عسكرية رئيسية.
وقال ترامب، في خطابه إلى الأمريكيين في اليوم الأول من الحرب، إن الهدف هو حماية الشعب الأمريكي من «التهديدات الوشيكة» التي تمثلها إيران، وفي مقدمتها برنامجها النووي.
وجاء التصعيد بعد أشهر من ضربة أمريكية سابقة استهدفت المنشآت النووية الإيرانية تحت الأرض في يونيو 2025 ضمن عملية «مطرقة منتصف الليل». وكانت إدارة ترامب قد قالت آنذاك إن البرنامج النووي الإيراني تعرض لدمار واسع، قبل أن تقر لاحقًا ببقاء مخزون من اليورانيوم المخصب داخل إيران.
وفي الأيام الأولى للحرب، وقعت غارة جوية مدمرة على مدرسة للبنات في جنوب إيران، أسفرت، وفق الأرقام الواردة في التقارير الأمريكية، عن مقتل نحو 160 مدنيًا، بينهم نحو 120 تلميذة.
واتهمت إيران الولايات المتحدة وإسرائيل بالمسؤولية عن الهجوم، بينما لم تعلن أي منهما مسؤوليتها عنه، وقالت القيادة المركزية الأمريكية إنها تحقق في الحادث.
إيران توسع نطاق المواجهة
ردت إيران على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية باستهداف قواعد ومصالح أمريكية في البحرين والكويت والأردن والعراق، في تصعيد واسع نقل المواجهة إلى أجزاء مختلفة من المنطقة.
وخلال الأشهر الستة الماضية، تبادل الجانبان الضربات بصورة متكررة، فيما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها استهدفت أكثر من 13 ألف هدف إيراني، شملت مقرات عسكرية وسفنًا وأنظمة دفاع جوي ومواقع لإطلاق الطائرات المسيّرة.
لكن أخطر أوراق الضغط الإيرانية تمثلت في مضيق هرمز، حيث أدت الإجراءات الإيرانية إلى تعطيل حركة الملاحة التجارية عبر واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو ما انعكس على أسواق الطاقة والشحن وأسعار النفط عالميًا.
ومع استمرار الأزمة، أصبح تأمين الملاحة وإعادة فتح المضيق بالكامل هدفًا أساسيًا للولايات المتحدة، بعدما كان التركيز في بداية الحرب منصبًا بصورة أكبر على ضرب القدرات العسكرية والنووية الإيرانية.
خسائر القوات الأمريكية
تكبدت الولايات المتحدة خسائر بشرية خلال الأشهر الستة الماضية، إذ قُتل 18 عسكريًا أمريكيًا وأصيب أكثر من 750 آخرين، وفق الأرقام التي أوردتها ABC News.
وحضر ترامب ثلاث مراسم رسمية لنقل رفات جنود أمريكيين قتلوا في الحرب، اثنتان في مارس وواحدة في يوليو، ووصف تلك المراسم بأنها من «أصعب الأمور» التي يمكن أن يقوم بها الرئيس.
ولم تقتصر كلفة الحرب على الخسائر البشرية، إذ أعلن وزير الحرب بيت هيغسيث أمام المشرعين خلال يوليو أن تكلفة العمليات العسكرية تجاوزت 37.5 مليار دولار.
كما طلبت وزارة الدفاع من الكونغرس تمويلًا إضافيًا بقيمة 67.1 مليار دولار للإنفاق خلال العام الحالي، فيما طلب البيت الأبيض في أبريل ميزانية دفاع قياسية للسنة المالية 2027 بقيمة 1.5 تريليون دولار، بزيادة قدرها 42%، تشمل تعزيز رواتب العسكريين وبناء مزيد من السفن وتسريع إنتاج أنواع رئيسية من الذخائر.
الحرب تصل إلى جيوب الأمريكيين
امتدت تداعيات الحرب إلى الحياة اليومية للأمريكيين، خصوصًا من خلال أسعار الطاقة. وبعد ستة أشهر من بدء الصراع، ارتفعت أسعار النفط العالمية بنحو 25%، فيما تجاوز متوسط سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة 4 دولارات، أي بزيادة تقارب دولار واحد مقارنة بمستواه قبل الحرب.
وتقدر جامعة براون أن الأمريكيين أنفقوا في المتوسط نحو 700 دولار إضافية على الوقود منذ بداية الحرب، بينما أظهرت بيانات حديثة أن ثقة المستهلك الأمريكي تراجعت إلى أدنى مستوى لها في سبعة أشهر، مع استمرار أسعار البنزين فوق حاجز 4 دولارات للغالون.
ورغم هذه التداعيات، قلل ترامب من أهمية ارتفاع أسعار النفط، مؤكدًا أن الكلفة الاقتصادية تمثل ثمنًا محدودًا مقابل منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
كما أكد الرئيس أن الوضع المالي للأمريكيين لم يكن عاملًا حاسمًا في موقفه من الحرب، مشددًا على أن الأولوية بالنسبة إليه هي منع إيران من الحصول على سلاح نووي.
الحرب تتحول إلى أزمة سياسية لترامب
لم تعد الحرب قضية عسكرية واقتصادية فقط، بل أصبحت أيضًا عبئًا سياسيًا متزايدًا على إدارة ترامب، في ظل تراجع التأييد الشعبي لاستمرار العمليات العسكرية.
وأظهر استطلاع حديث لـ«رويترز/إبسوس» أن 31% فقط من الأمريكيين يؤيدون العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، مقارنة بـ37% في مارس. وفي المقابل، بلغت نسبة المعارضين للعمل العسكري مستويات مرتفعة، خصوصًا بين الديمقراطيين والمستقلين.
كما بلغت نسبة الأمريكيين الذين يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع الملف الإيراني نحو 25%، مقابل 63% غير موافقين، وفق نتائج الاستطلاع التي أوردتها ABC News.
ولم يقتصر القلق على الناخبين، إذ بدأ بعض الجمهوريين في الكونغرس يخشون أن تؤثر الحرب سلبًا على الحزب في انتخابات التجديد النصفي المقررة بعد أقل من ثلاثة أشهر.
وقال رئيس مجلس النواب مايك جونسون في يوليو إن على الولايات المتحدة «إنهاء الأمر»، معتبرًا أن إنهاء الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي سيكون مفيدًا سياسيًا.
تراجع شعبية ترامب
تزامن استمرار الحرب مع تراجع شعبية الرئيس الأمريكي إلى مستويات قياسية. وأظهر استطلاع «رويترز/إبسوس» في أغسطس أن نسبة تأييد ترامب بلغت 33%، وهو أدنى مستوى تسجله استطلاعات المؤسسة خلال فترتي رئاسته، بينما أعرب 65% من الأمريكيين عن عدم رضاهم عن أداء الرئيس.
ويزيد استمرار الحرب من الضغوط على ترامب، خصوصًا أنه سبق أن أكد مرارًا أن الصراع يقترب من نهايته، قبل أن تنهار اتفاقات أو تهدئات ويعود التصعيد من جديد.
من الحرب العسكرية إلى «الحرب الاقتصادية»
في الأسابيع الأخيرة، بدا أن إدارة ترامب بدأت تغير استراتيجيتها. فبعدما لم تشن الولايات المتحدة هجمات عسكرية واسعة النطاق على إيران منذ نحو شهر، تحول التركيز بصورة أكبر إلى العقوبات والضغط الاقتصادي.
وأعلنت الإدارة الأمريكية هذا الأسبوع إجراءات جديدة تستهدف الدول والجهات التي تتعامل تجاريًا مع إيران، في محاولة لخنق الاقتصاد الإيراني ودفع الحكومة في طهران إلى تقديم تنازلات.
ووصف ترامب الحملة الاقتصادية الجديدة بأنها أشبه بـ«يوم النصر الاقتصادي»، بينما تعهد وزير الخزانة سكوت بيسنت بتصعيد الضغوط، مع الإشارة إلى وجود فترة سماح لبعض الكيانات التي ما زالت تتعامل مع إيران. وتبقى الصين، باعتبارها من أبرز شركاء إيران التجاريين، أحد أهم الاختبارات أمام قدرة واشنطن على تنفيذ هذه الاستراتيجية.
ويرى مسؤولون أمريكيون أن هذه الإجراءات قد تمثل «بداية النهاية» للصراع، لكن خبراء يحذرون من أن العقوبات وحدها قد لا تكون كافية لإجبار إيران على الاستسلام أو تقديم التنازلات التي تطالب بها واشنطن.
مفاوضات فشلت في إنهاء الحرب
رغم التصعيد العسكري والاقتصادي، لم تتوقف المساعي الدبلوماسية تمامًا. وشهدت الأشهر الماضية عدة جولات من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، من بينها مفاوضات رفيعة المستوى في إسلام آباد، تلتها مباحثات طويلة انتهت في يونيو إلى مذكرة تفاهم كان يفترض أن تمهد لاتفاق أوسع بشأن وقف القتال والملف النووي.
لكن الاتفاق انهار سريعًا، بعدما اتهم كل طرف الآخر بانتهاك التفاهمات، وأعلن ترامب لاحقًا انتهاء الهدنة.
وتشير تقديرات خبراء إلى أن فشل الاتفاق كشف عن خلافات جوهرية، خصوصًا بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني ووضع مضيق هرمز وآليات تنفيذ أي اتفاق جديد.
ويرى محللون أن فرص التوصل إلى تسوية دائمة أصبحت أكثر صعوبة، لأن كلا الجانبين يعتقد أنه يمتلك أوراق ضغط يمكن استخدامها لتحسين شروطه.
ماذا ينتظر الحرب؟
بعد مرور ستة أشهر، لا توجد حتى الآن نهاية واضحة للصراع. وتبدو الولايات المتحدة أمام خيارين رئيسيين: مواصلة الضغط الاقتصادي والعقوبات في محاولة لإجبار إيران على العودة إلى المفاوضات، أو العودة إلى التصعيد العسكري إذا فشلت الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.
في المقابل، تراهن إيران على قدرتها على تحمل العقوبات والاستفادة من أوراقها الإقليمية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، مع محاولة تجنب تقديم تنازلات تعتبرها تهديدًا لبقاء النظام.
ويرى خبراء أن الوصول إلى اتفاق يتطلب تنازلات من الطرفين، وضمانات واضحة لتنفيذ أي تفاهم جديد، خصوصًا بعدما فشلت الهدنة السابقة في الصمود.
وبذلك تدخل الحرب شهرها السابع باعتبارها صراع استنزاف مكلفًا للولايات المتحدة وإيران معًا، بعدما تحولت من عملية عسكرية كان ترامب يتوقع أن تنتهي خلال أسابيع إلى أزمة ممتدة تهدد الاقتصاد العالمي، وتضغط على أسعار الطاقة، وتضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار سياسي وعسكري كبير قبل انتخابات التجديد النصفي.




