أخبارأخبار العالم العربي

رولا الركبي أمام مجلس الأمن: سوريا تحتاج إلى إنهاء مركزية السلطة وبناء دولة مواطنة ومؤسسات يحكمها القانون

ناقش مجلس الأمن الدولي، أمس الخميس، مستجدات المرحلة الانتقالية في سوريا، وسط تأكيد أممي على وجود مؤشرات للتعافي السياسي والاقتصادي، مقابل استمرار تحديات أمنية وإنسانية وحقوقية كبيرة.

وكانت مداخلة الناشطة النسوية رولا الركبي، المديرة القطرية لمنظمة «نساء الآن من أجل التنمية – لبنان»، من أبرز الأصوات التي حذرت من مخاطر المسار الانتقالي، إذ ركزت على طبيعة الدولة التي يجري بناؤها بعد سقوط نظام بشار الأسد، ودعت إلى عدم الاكتفاء بتغيير الأشخاص الموجودين في السلطة، من دون تغيير قواعد وآليات ممارسة السلطة نفسها.

أي دولة نبني بعد سقوط الأسد؟

استهلت الركبي مداخلتها أمام جلسة مجلس الأمن بالتعريف بنفسها باعتبارها ابنة مدينة حماة، وقالت إنها تحمل ذاكرة ما وصفته بواحدة من أكبر الفظائع الجماعية التي ارتكبها النظام السابق بحق السوريين، في إشارة إلى أحداث حماة عام 1982.

وقالت إن عمل منظمة «نساء الآن من أجل التنمية» على مدى 14 عاماً انطلق من مبدأ أن التغيير الحقيقي يجب أن يبدأ من القاعدة ويصل إلى القمة، مشيرة إلى أن سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 ولّد لدى كثير من السوريين أملاً في إنهاء الحرب والاستبداد والخوف والإقصاء في آن واحد.

لكنها طرحت السؤال الذي اعتبرته الأهم في المرحلة الحالية: أي دولة يجري بناؤها في سوريا بعد هذا التغيير؟

وتساءلت عما إذا كانت البلاد تتجه نحو بناء دولة مواطنة ومؤسسات يحكمها القانون، أم أنها قد تعيد إنتاج نظام مشابه تحت اسم جديد.

وحذرت الركبي من مخاوف جدية تتعلق بما وصفته بـ«المركزية المفرطة للسلطة»، وغياب الفصل الفعلي بين السلطات، وعدم وضوح آليات الحوكمة، وضعف الشفافية والمساءلة، إلى جانب التدهور الاقتصادي.

وأوضحت أن السوريين ما زالوا لا يعرفون بصورة واضحة كيف تُتخذ القرارات، ومن يتخذها، وكيف يمكن مساءلة أصحاب القرار.

وقالت إن أحد أكبر مخاطر المرحلة الانتقالية يتمثل في «أن نغيّر الأشخاص الذين يمسكون بالسلطة، من دون أن نغيّر طريقة ممارسة السلطة».

وشددت على أن الانتقال الحقيقي يجب أن يؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمواطنين، تقوم على سيادة القانون وتطبيقه على الجميع وحماية المواطنين على قدم المساواة.

غياب السوريات عن صنع القرار

خصصت الركبي جانباً كبيراً من كلمتها لوضع النساء السوريات، مؤكدة أنهن دفعن ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، من خلال النزوح والفقر والعنف والاعتقال والاختفاء، إلى جانب تحملهن جانباً كبيراً من أعباء الأزمة الإنسانية والتمييز القانوني والاجتماعي.

وفي المقابل، أشارت إلى الدور الذي لعبته النساء في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، وتقديم المساعدة لمجتمعاتهن، والدفاع عن العدالة والمساءلة، والمشاركة في جهود البحث عن المفقودين والمغيبين.

لكنها انتقدت محدودية حضور النساء في عملية صنع القرار، مشيرة إلى أن نسبة تمثيلهن في البرلمان تقل عن 11%، بينما لا تضم الحكومة الانتقالية سوى امرأة واحدة.

وأكدت أن القضية لا تتعلق بالأرقام وحدها، وقالت عبارتها الأبرز في هذا السياق: «المشاركة الحقيقية تعني أن تكون النساء حاضرات حيث تُتخذ القرارات، لا فقط حيث تُلتقط الصور».

وطالبت بأن تصبح المشاركة النسائية كاملة وفعالة وآمنة، لا أن تقتصر على الحضور الرمزي أو الأدوار الاستشارية.

كما دعت إلى إصلاح قوانين الجنسية والأحوال الشخصية، وتعزيز الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، ورفع تحفظات سوريا عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو».

وقالت إن الدولة التي لا تعترف بالنساء كمواطنات كاملات ومتساويات في الحقوق لا يمكن أن تكون ديمقراطية، بصرف النظر عن الاسم الذي يطلق على نظامها السياسي.

وأعربت الركبي عن قلق بالغ إزاء التقارير المتعلقة باختطاف نساء وفتيات منذ ديسمبر 2024، ولا سيما من الطائفة العلوية.

وحذرت من أن استهداف النساء بسبب هويتهن الطائفية، أو استخدام العنف ضدهن بهدف الانتقام أو بث الخوف في مجتمعاتهن، يعيد إنتاج أنماط العنف التي يفترض أن تتجاوزها سوريا في المرحلة الجديدة.

وشددت على أن حماية النساء لا يمكن فصلها عن بناء دولة القانون، معتبرة أن الحقوق والحريات الشخصية والمدنية ليست ملفات يمكن تأجيلها إلى ما بعد استقرار الوضع السياسي.

عدالة انتقالية لا انتقائية

انتقلت الركبي في مداخلتها إلى ملف العدالة الانتقالية، مؤكدة أن السوريين تعرضوا لعقود للاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري على يد النظام السابق، فضلاً عن انتهاكات ارتكبتها جماعات مسلحة وأطراف أخرى.

لكنها شددت على أن سقوط النظام لم يعنِ انتهاء الانتهاكات. وقالت إن هناك تقارير عن استمرار الاعتقالات التعسفية بسبب التعبير عن الرأي، إضافة إلى تقارير عن التعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز، وأشارت إلى وفاة محمد غميرة، المتطوع السابق في الدفاع المدني السوري «الخوذ البيضاء»، بعد تعرضه، وفق التقارير التي استندت إليها، للتعذيب أثناء الاحتجاز.

كما تحدثت عن أعمال العنف التي شهدها الساحل السوري والسويداء، مشيرة إلى مشاركة قوات أمن ومجموعات مسلحة محلية في انتهاكات قالت إنها شملت قتل مدنيين وأعمال عنف جنسي وقائم على النوع الاجتماعي، فضلاً عن أبعاد طائفية وانتقامية استهدفت مجتمعات علوية ودرزية، بالتزامن مع تصاعد خطاب الكراهية ضد مكونات سورية مختلفة.

وأكدت أن ضحايا النظام السابق وضحايا الجماعات المسلحة، وكذلك ضحايا الانتهاكات التي وقعت منذ ديسمبر 2024، يجب أن يتمتعوا بالحق نفسه في الحقيقة والعدالة.

وقالت: «الضحية هي ضحية، والانتهاك هو انتهاك، بغض النظر عمن ارتكبه». وحذرت من أن بناء سوريا الجديدة على أساس التمييز بين ضحايا يستحقون العدالة وآخرين يمكن تجاهلهم سيزرع بذور صراع جديد.

وأكدت أن المصالحة الحقيقية يجب أن تقوم على الحقيقة والاعتراف والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار.

إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة

ربطت الركبي بين إعادة الإعمار وبناء الثقة، مؤكدة أن إعادة بناء سوريا لا تعني فقط تشييد الطرق والمنازل وإصلاح البنية التحتية، بل تعني أيضاً إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة وبين السوريين أنفسهم. وقالت إن السوريين بحاجة إلى الثقة بأن القانون موجود لحمايتهم وليس لاستخدامه سلاحاً ضدهم.

كما شددت على ضرورة أن تكون عودة النازحين واللاجئين طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة، وأن تقترن بالحماية الاجتماعية وإعادة إعمار تخدم السكان، بما في ذلك دعم من فقدوا منازلهم وتطوير الإسكان التعاوني والاجتماعي، حتى لا تتحول العودة من النزوح إلى الفقر وانعدام الأمان.

وحذرت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي من أن الرغبة في تحقيق الاستقرار يجب ألا تتحول إلى قبول بتقلص المجال المدني أو تقييد الحريات أو الانتقائية في العدالة والمساءلة.

واختتمت هذا الجزء من خطابها بعبارة شديدة الدلالة: «لقد تعلمنا، بكلفة بشرية هائلة، أن الاستقرار المبني على الخوف والصمت ليس سلاماً. إنه لا يفعل سوى تأجيل الأزمة المقبلة».

4 مطالب إلى مجلس الأمن

وخلال مداخلتها قدمت الركبي أربع توصيات أساسية إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة.

أولاً، دعت إلى وضع حقوق الإنسان، بما فيها حقوق النساء، في صميم الدور المتطور للأمم المتحدة في سوريا، والإبقاء على حقوق الإنسان والفضاء المدني والمشاركة الكاملة والمتساوية والفعالة والآمنة للنساء، إلى جانب المساءلة وسيادة القانون، ضمن أولويات الانخراط الدولي مع سوريا.

ثانياً، طالبت بالحفاظ على رقابة قوية ومستقلة على حقوق الإنسان، ودعم آليات الأمم المتحدة المستقلة المعنية بحقوق الإنسان والمساءلة، وتشجيع السلطات الانتقالية على التعاون الكامل معها وتوفير وصول فعلي إليها.

كما دعت إلى مواصلة متابعة مسارات المساءلة عن الانتهاكات التي وقعت في الساحل السوري والسويداء، مع الالتزام بالشفافية والمعايير الدولية ومبدأ المسؤولية على جميع المستويات، بما في ذلك مسؤولية القيادة.

ثالثاً، طالبت الأمم المتحدة بالمساعدة في حماية الفضاء المدني السوري وتوسيعه، ومراقبة القيود المفروضة على حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي، إضافة إلى الأنظمة المتعلقة بالأحزاب السياسية.

ودعت كذلك إلى متابعة الاعتقالات التعسفية والأعمال الانتقامية التي تستهدف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وفاعلي المجتمع المدني، بمن فيهم النساء.

رابعاً، دعت إلى الضغط باتجاه إصلاح مؤسسي وإصلاح للقطاع الأمني قائم على الحقوق، يتضمن آليات فعالة للرقابة والتوازن على السلطة التنفيذية، واستقلال القضاء، ورقابة مدنية ومؤسسية مستقلة على الأجهزة الأمنية، وآليات تدقيق شفافة، وتسلسلاً واضحاً للقيادة.

وشددت على ضرورة ألا تعيد المؤسسات الجديدة إنتاج أنماط السلطة القديمة غير الخاضعة للرقابة، وألا يتمكن أشخاص توجد ادعاءات موثوقة بتورطهم في انتهاكات خطيرة من ممارسة السلطة من دون تدقيق أو مساءلة.

سؤال يجب أن يحكم المرحلة الانتقالية

أنهت رولا الركبي مداخلتها أمام مجلس الأمن بطرح سؤال اعتبرته جوهر النقاش حول مستقبل سوريا: «كيف نمنع عودة الظروف التي أدت إلى الحرب؟»

ورأت أن الإجابة تبدأ ببناء دولة تحمي كرامة الإنسان وحريته، وتتعامل مع النساء كمواطنات كاملات ومتساويات لا كضيفات على طاولة صنع القرار، وتوفر للشباب مستقبلاً بعيداً عن الخوف والسلاح والهجرة، وتؤسس لنظام عدالة يحترم كل ضحية، بغض النظر عن هويتها أو هوية مرتكب الانتهاك بحقها.

وقالت إن الفرصة ما زالت قائمة لبناء سوريا لا يخاف فيها الناس من الدولة، بل يثقون بأنها تحميهم، وتكون قادرة على استيعاب جميع أبنائها وبناتها ومنع تكرار الانتهاكات التي عانى منها السوريون.

وختمت رسالتها بالتأكيد أن هذا هو الانتقال الذي يستحقه جميع السوريين، وأنه وحده يمكن أن يقود إلى سلام قابل للاستمرار.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى