سيناريوهات ما بعد انتهاء مهلة الستين يومًا.. إيران تواصل التحدي وترامب يطالبها بالاستسلام ورفع الراية البيضاء

تنتهي اليوم الاثنين مهلة الـ60 يومًا، وهي المدة الزمنية المرتبطة بمذكرة التفاهم التي تم توقيعها بين إيران والولايات المتحدة، وسط تصاعد التوتر بين الجانبين، وتباعد واضح في تفسير كل طرف لما نصت عليه المذكرة وما يفترض أن يترتب على انتهاء مدتها.
وبينما ترفض إيران اعتبار اليوم موعدا تلقائيا لاستئناف الحرب أو تمديد الهدنة، بعث الرئيس دونالد ترامب برسائل أكثر تشددا، مطالبا طهران بالاستسلام، في وقت تبقى فيه قنوات الاتصال غير المباشر مفتوحة، فيما يشكل مضيق هرمز والعقوبات والملف النووي أبرز أوراق الضغط المتبادلة.
نهاية المهلة.. خلاف على التفسير
وقعت إيران والولايات المتحدة مذكرة تفاهم إسلام آباد في 18 يونيو الماضي، بهدف وقف الأعمال العدائية وتمهيد الطريق لإبرام “اتفاق نهائي” في غضون 60 يوما من أجل إنهاء الحرب على جميع الجبهات، وتسوية القضايا المعقدة مثل البرنامج النووي الإيراني.
وتضمنت مذكرة التفاهم 14 بندًا تتعلق بإنهاء الحرب، ورفع الحصار البحري الأمريكي تدريجيا، وتأمين حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز، إلى جانب إعفاءات لصادرات النفط الإيرانية والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، تمهيدا للدخول في مفاوضات بشأن اتفاق نهائي.
لكن مع حلول يوم 17 أغسطس، برز خلاف جوهري بين الطرفين حول طبيعة مهلة الستين يوما. وتقول طهران إن المذكرة لا تتضمن هدنة محددة بستين يوما تنتهي اليوم، وإنما حددت إطارا زمنيا للتفاوض على قضايا رفع العقوبات والملف النووي، مؤكدة أن انتهاك واشنطن لبنود التفاهم حال دون بدء المفاوضات النهائية من الأساس.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن إيران لا تتخذ قراراتها تحت ضغط المهل أو الإنذارات، متهما الولايات المتحدة بنقض التزاماتها بعد أسابيع قليلة من توقيع المذكرة.
وأكدت طهران كذلك أن المذكرة كانت تهدف إلى إنهاء الحرب بشكل كامل وليس مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، ولذلك فإن انتهاء المدة لا يعني، من وجهة نظرها، الانتقال تلقائيا إلى مواجهة عسكرية جديدة.
وفي المقابل، ترى واشنطن أن إيران لم تنفذ التزاماتها المتعلقة بإعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز، بينما تتمسك طهران بأن فتح المضيق مرتبط برفع الحصار البحري والإفراج عن أموالها المجمدة.
ترامب يرفع سقف التهديد
وفي خضم الخلاف حول مصير المهلة والاتفاق صعّد ترامب لهجته تجاه طهران، قائلا في تصريحات لشبكة “فوكس نيوز” إن على إيران “رفع الراية البيضاء وإعلان الاستسلام”، واصفا الجانب الإيراني بأنه “لاعب جيد في القمار لكنه يلفظ أنفاسه الأخيرة”.
ورغم لهجته التصعيدية، قال ترامب إنه ليس في عجلة من أمره بشأن إيران ولا يعمل وفق جدول زمني محدد، كاشفا عن وجود قناة اتصال خلفية مع مسؤولين في الحرس الثوري الإيراني.
كما أكد أن الولايات المتحدة تحتفظ بخيارات عسكرية إضافية، قائلا إن لديها ترسانة كبيرة من الأسلحة المتوسطة يمكن استخدامها إذا دعت الحاجة، وإن ما استخدمته واشنطن حتى الآن من مخزونات الأسلحة “لا يُذكر”.
وجدد ترامب في منشور على منصته “تروث سوشيال” التأكيد على أن الهدف الرئيسي للسياسة الأمريكية تجاه إيران هو منعها من امتلاك سلاح نووي بأي شكل.
وتكشف تصريحات ترامب عن معادلة تجمع بين الضغط والتهديد من جهة، والإبقاء على قنوات اتصال خلفية من جهة أخرى، بما يشير إلى أن واشنطن لا تتعامل مع انتهاء مهلة الستين يوما باعتباره نقطة نهاية لمسارها مع طهران، وإنما محطة ضمن استراتيجية ضغط أطول.
هل كانت الهدنة قائمة أصلًا؟
تتبنى إيران قراءة مختلفة تماما للمشهد، إذ تؤكد أن الفترة الماضية لم تكن هدنة مستقرة يمكن تمديدها، مشيرة إلى استمرار الحصار البحري الأمريكي وعودة العمليات العسكرية والهجمات الإسرائيلية على لبنان.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن مذكرة إسلام آباد نصت على “إنهاء الحرب” وليس على هدنة مؤقتة مدتها 60 يوما، مضيفا أن الولايات المتحدة خرقت التفاهم، وهو ما أدى إلى عودة الاشتباكات.
وبحسب هذا التصور، فإن انتهاء يوم 17 أغسطس لا يفرض على طهران اتخاذ قرار فوري بين الحرب والسلام، وإنما يمثل نهاية فترة كان يفترض خلالها تنفيذ بنود المذكرة والانتقال إلى مفاوضات الاتفاق النهائي، وهو ما لم يحدث.
وتؤكد التصريحات الإيرانية أن الباب أمام التفاوض لا يزال مفتوحا، لكن طهران تريد، قبل العودة إلى أي مفاوضات جديدة، خطوات أمريكية ملموسة بشأن الحصار والعقوبات والأموال المجمدة والملاحة في مضيق هرمز.
ووفقًا لشبكة CNN فقد كان الاتفاق بين أمريكا وإيران قد انهار بسبب الصراعات حول مضيق هرمز، مما أدى إلى تجدد الضربات العسكرية الأمريكية على إيران في نهاية يونيو الماضي. وفي 8 يوليو الماضي، قال ترامب إن مذكرة التفاهم الموقعة بوساطة باكستانية قد “انتهت”.
ورقة الضغط الإيرانية الأهم
بعد تعثر تنفيذ مذكرة إسلام آباد، انتقلت الاتصالات الدبلوماسية إلى مسار آخر تقوده سلطنة عمان، بهدف التوصل إلى ترتيبات تضمن سلامة الملاحة في مضيق هرمز.
وتقول طهران إن المفاوضات مع مسقط تبحث إيجاد مسارات آمنة للملاحة تراعي الحقوق السيادية والاعتبارات الأمنية للدول المطلة على المضيق، لكنها تفرق بين التوصل إلى ترتيبات فنية للملاحة وبين إعادة فتح المضيق بصورة كاملة.
وتربط إيران أي خطوة واسعة في هذا الاتجاه برفع الحصار والعقوبات الأمريكية، والإفراج عن أموالها المجمدة، ووقف ما تصفه بالتهديدات والاعتداءات العسكرية.
وتمنح هذه المعادلة مضيق هرمز أهمية استثنائية في الحسابات الإيرانية؛ فإبقاؤه ورقة ضغط يمكن أن يرفع تكاليف الطاقة ويزيد الضغوط الاقتصادية على الولايات المتحدة وحلفائها، بينما ترى واشنطن أن استمرار إغلاقه يفرض تهديدا على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
استعداد عسكري تحسبا لجولة جديدة
إلى جانب التحركات الدبلوماسية والاقتصادية، تستعد إيران لاحتمال عودة المواجهة العسكرية، في ظل تغييرات شهدتها هياكل القيادة العسكرية والأمنية ورفع مستوى الجاهزية.
وتشير التقديرات الإيرانية إلى أن طهران لا تريد الاكتفاء بالدفاع، بل تسعى إلى الاحتفاظ بقدرة هجومية تمكنها من الرد على أي هجوم جديد، مع الاستفادة من أوراقها الإقليمية والملاحية.
وتعتقد بعض التقديرات أن واشنطن قد تفضل في المرحلة المقبلة استمرار الضغط الاقتصادي والعقوبات والحصار البحري بدلا من شن هجوم واسع، خصوصا في ظل الكلفة المرتفعة لأي مواجهة مباشرة.
وفي الوقت نفسه، تلوح إيران بإمكانية توسيع مطالبها في أي مفاوضات مقبلة لتشمل قضايا إقليمية أخرى، إذا استمر تعثر المسار الدبلوماسي.
ثلاثة سيناريوهات لما بعد 17 أغسطس
وفقًا لموقع “الجزيرة نت” يبرز أمام الطرفين ثلاثة مسارات رئيسية خلال المرحلة المقبلة.
الأول: تصعيد عسكري مفاجئ، من خلال هجوم أمريكي أو إسرائيلي جديد على إيران، وهو السيناريو الأكثر خطورة، لكنه يحمل تكلفة مرتفعة لجميع الأطراف.
الثاني: استمرار المواجهة تحت سقف الحرب الشاملة، عبر العقوبات والحصار والتهديدات العسكرية والمناورات، مقابل احتفاظ إيران بمضيق هرمز كورقة ضغط ورفع جاهزيتها العسكرية.
الثالث: العودة إلى مفاوضات غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين، وفي مقدمتهم سلطنة عمان أو باكستان، بهدف التوصل إلى تفاهم مرحلي بشأن الحصار والملاحة والأموال المجمدة، قبل الانتقال إلى الملفات الأكثر تعقيدا، وعلى رأسها البرنامج النووي.
ويبدو السيناريو الثالث ممكنا رغم التصعيد في التصريحات، خصوصا أن ترامب نفسه تحدث عن وجود قناة خلفية للتواصل مع مسؤولين في الحرس الثوري الإيراني، بينما تؤكد طهران من جانبها أنها لا تغلق باب المفاوضات.
صراع الإرادات يتجاوز المهلة
في النهاية، لا تبدو مهلة الستين يوما نقطة فاصلة بالمعنى التقليدي، بقدر ما تمثل محطة جديدة في صراع طويل بين إيران والولايات المتحدة.
فواشنطن تحاول استخدام العقوبات والحصار والضغط العسكري لدفع طهران إلى تقديم تنازلات بشأن الملف النووي والملاحة، بينما تسعى إيران إلى الاحتفاظ بأوراق ضغطها، وفي مقدمتها مضيق هرمز، والجاهزية العسكرية، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا ولكن بشروط مختلفة.
وبينما يطالب ترامب إيران بـ”رفع الراية البيضاء”، تؤكد طهران أنها لا تقبل التفاوض تحت التهديد أو الإنذارات. وبين الموقفين، يبقى السؤال الأهم: هل تنتهي مهلة الستين يوما بعودة الطرفين إلى طاولة التفاوض، أم تتحول إلى بداية مرحلة جديدة من التصعيد؟




