أخبارأميركا بالعربي

من “شرير هوليوود” إلى مرشح لمجلس الشيوخ.. كيف تغيّرت صورة العربي في أمريكا؟

لم يكن فوز الطبيب الأمريكي من أصول مصرية عبد الرحمن السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان مجرد حدث انتخابي عابر، بل اعتبره كثير من المراقبين لحظة فارقة في مسار تمثيل العرب والمسلمين داخل الولايات المتحدة، وفقًا لمجلة “نيوزويك“.

فالرجل، الذي قد يصبح أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ إذا فاز في انتخابات نوفمبر، يجسد تحولا أعمق في صورة العرب داخل المجتمع الأمريكي، بعد عقود ارتبط فيها حضورهم في الثقافة الشعبية والسياسة بصور نمطية سلبية صنعتها الحروب والأزمات الأمنية.

صناعة “الشرير العربي”

على مدى عقود، لعبت السينما الأمريكية دورًا كبيرًا في ترسيخ صورة العربي باعتباره “الآخر” أو “العدو”. فمنذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ظهر العربي في عشرات الأفلام كشخصية إرهابية أو خاطف طائرات أو تاجر نفط جشع أو زعيم ميليشيا، بينما نادرًا ما قُدم بوصفه طبيبًا أو أستاذًا جامعيًا أو مواطنًا أمريكيًا عاديًا.

وبعد انتهاء الحرب الباردة، احتاجت هوليوود إلى خصم جديد يحل محل الاتحاد السوفيتي في أفلام الحركة، لتتحول منطقة الشرق الأوسط إلى المصدر الأكثر حضورًا لشخصيات الأشرار، وهو ما انعكس بوضوح في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني الأمريكي خلال التسعينيات.

حرب الخليج و11 سبتمبر

تعززت هذه الصورة مع حرب الخليج الأولى، عندما أصبح الرئيس العراقي الراحل صدام حسين رمزًا دائمًا للعدو في وسائل الإعلام الأمريكية. لكن نقطة التحول الكبرى جاءت بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، التي ربطت في الوعي العام بين الهوية العربية أو الإسلامية والإرهاب.

ولم يقتصر تأثير ذلك على الخطاب السياسي أو الإعلامي، بل امتد إلى الحياة اليومية، حيث واجه العرب والمسلمون في الولايات المتحدة موجات من الشك والتمييز وجرائم الكراهية.

كما خضعوا لإجراءات أمنية أكثر تشددًا في المطارات والمؤسسات الحكومية، وازدادت الرقابة على الجاليات الإسلامية في إطار ما عُرف بـ”الحرب على الإرهاب”.

تكريس الصورة النمطية

حتى عالم المصارعة الحرة، المعروف بتقديم شخصيات مبالغ فيها تعكس المخاوف السائدة في المجتمع، لم يكن بعيدًا عن هذا التوجه.

فقد اشتهر “الشيخ الحديدي” لسنوات باعتباره أحد أبرز الأشرار في تاريخ المصارعة، قبل أن تظهر شخصية “محمد حسن” التي قدمت نموذج العربي الأمريكي الغاضب، لكنها اختفت سريعًا بعد الجدل الذي أثارته بالتزامن مع هجمات لندن عام 2005.

ويرى باحثون أن هذه النماذج ساهمت في ترسيخ صورة العربي باعتباره مصدرًا للتهديد، خاصة لدى الأجيال التي تلقت هذه الرسائل عبر الأفلام والمسلسلات والبرامج الترفيهية.

جيل جديد يكسر الصورة

خلال العقدين الأخيرين بدأت ملامح تحول تدريجي تظهر داخل المجتمع الأمريكي، مع صعود شخصيات عربية ومسلمة إلى مواقع قيادية في السياسة والقضاء والإعلام والرياضة والفنون.

وبرزت أسماء مثل النائبتين رشيدة طليب وإلهان عمر في الكونغرس، إلى جانب شخصيات في القضاء والهيئات الفيدرالية والإعلام، ما عكس حضورًا متزايدًا للمسلمين والعرب في الحياة العامة الأمريكية رغم استمرار مظاهر الإسلاموفوبيا وخطابات الكراهية.

قلب “العرب الأمريكيين”

يكتسب صعود عبد السيد أهمية خاصة لأنه يأتي من ولاية ميشيغان، التي تضم واحدة من أكبر الجاليات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة، وخاصة في مدن مثل ديربورن وهامترامك وضواحي ديترويت.

ولم تعد هذه الجالية مجرد كتلة انتخابية هامشية، بل أصبحت لاعبًا مؤثرًا في الانتخابات المحلية والفيدرالية، خصوصًا في الولايات المتأرجحة التي قد تحسم نتائج الانتخابات الرئاسية وانتخابات الكونغرس.

وقد ساهمت الحرب في غزة، إلى جانب القضايا الاقتصادية والرعاية الصحية والهجرة، في زيادة الحراك السياسي داخل هذه الجالية، وهو ما انعكس في الانتخابات التمهيدية الأخيرة بولاية ميشيغان.

السيد.. أكثر من مجرد مرشح

لا ينظر كثير من المحللين إلى عبد السيد باعتباره مجرد مرشح ديمقراطي، بل باعتباره نموذجًا لجيل جديد من السياسيين العرب الأمريكيين الذين لا يخفون هويتهم الدينية أو الثقافية، بل يضعونها ضمن إطار أوسع يقوم على قضايا العدالة الاجتماعية والرعاية الصحية والاقتصاد.

ويرى أنصاره أن نجاحه يمثل دليلاً على أن الناخب الأمريكي بات أكثر استعدادًا للحكم على المرشحين وفق برامجهم السياسية، بينما يرى معارضوه أن مواقفه التقدمية قد تمنح الجمهوريين فرصة لمهاجمته في الانتخابات العامة.

هل انتهت الصورة النمطية؟

رغم هذا التقدم، لا تزال الصور السلبية عن العرب والمسلمين حاضرة في أجزاء من الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي. فقد تعرض عبد الرحمن السيد منذ بدء حملته الانتخابية لهجمات ركز بعضها على خلفيته العربية والإسلامية أكثر من برنامجه السياسي، وهو ما اعتبره مؤيدوه امتدادًا لخطابات الإسلاموفوبيا التي شهدتها الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين.

وفي المقابل، يرى مراقبون أن مجرد وصول مرشح عربي مسلم إلى هذه المرحلة من المنافسة في ولاية متأرجحة مثل ميشيغان يعكس تحولًا مهمًا في المزاج السياسي الأمريكي، حتى وإن لم تختفِ التحديات بالكامل.

بين الماضي والمستقبل

قبل سنوات، كان العربي في المخيلة الأمريكية يظهر غالبًا على شاشة السينما باعتباره الإرهابي أو العدو أو الشرير الكرتوني. أما اليوم، فينافس عربي أمريكي على مقعد في مجلس الشيوخ، بينما يشغل آخرون مناصب في الكونغرس والبلديات والهيئات القضائية والإدارية.

ورغم أن الطريق نحو تمثيل متوازن وخالٍ من الصور النمطية لا يزال طويلًا، فإن التحول الذي تشهده الولايات المتحدة يشير إلى أن حضور العرب الأمريكيين لم يعد يقتصر على الدفاع عن هويتهم، بل أصبح جزءًا من المنافسة على صنع القرار نفسه، في مشهد كان من الصعب تخيله قبل عقدين فقط.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى