أخبارأخبار أميركا

ماذا تكشف الانتخابات التمهيدية عن معركة نوفمبر 2026؟

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

قراءة مع الإعلامي والمحلل السياسي د. عاطف عبد الجواد في دلالات الانتخابات التمهيدية، والقضايا التي تحرّك الناخب الأميركي، وتأثير النتائج في موازين القوى قبل انتخابات نوفمبر 2026.

تناول هذا الحوار قراءة عميقة لاتجاهات الناخب الأمريكي في الانتخابات المحلية والتمهيدية وتأثير الضخ المالي مقابل البرامج الانتخابية الحقيقية للمرشحين. في هذه الانتخابات، لا يختار الأمريكيون مرشحين فحسب، بل يبعثون برسائل واضحة بشأن الاقتصاد، وارتفاع الأسعار، والهجرة، والوظائف، والتعليم، والأمن، والخدمات المحلية، ومستقبل التوازن السياسي في واشنطن.

ما الذي يحرك الناخب الأمريكي اليوم؟ هل يصوت بدافع القضايا المعيشية أم تحت تأثير الانقسام الحزبي؟ وهل تحمل نتائج هذه الانتخابات مؤشرات مبكرة لما قد يحدث في الاستحقاقات المقبلة؟ لمناقشة هذه الأسئلة، يسعدنا أن نستضيف الدكتور عاطف عبد الجواد، المحلل السياسي والإعلامي من واشنطن. أهلاً بكم مستمعينا في هذه التغطية الخاصة للانتخابات الأمريكية.

انتخابات هامة

* أهلاً بكم مستمعينا ومتابعينا على منصات راديو “صوت العرب من أمريكا” مباشرة عبر موجاتنا ومنصاتنا الرقمية. في هذا الثلاثاء الانتخابي، الذي يشهد انتخابات محلية ذات رسائل وطنية، تتجه الأنظار اليوم إلى صناديق الاقتراع في عدد من الولايات الأمريكية، حيث يدلي الناخبون بأصواتهم في انتخابات محلية وتمهيدية تتجاوز دلالاتها حدود المدن والولايات، لتشكل اختباراً مبكراً لمزاج الناخب الأمريكي، واتجاهاته، وأولوياته، ومدى رضاه عن أداء المسؤولين والحزبين معاً.

تتجاوز قراءة هذه الانتخابات حدود الأسماء والسباقات المحلية لتطرح أسئلة أوسع حول اتجاهات الناخب الأمريكي، ومستقبل الحزبين، وتأثير النتائج في المشهد السياسي قبل انتخابات نوفمبر. يسعدنا أن ينضم إلينا الآن الدكتور عاطف عبد الجواد، المحلل السياسي والإعلامي من واشنطن. دكتور عاطف، أهلاً وسهلاً بك.

** أهلاً بكِ دكتورة ليلى.

* أبدأ من خلال خبرتكم السياسية والإعلامية: كيف تؤثر طريقة تقديم القضايا والمرشحين في الإعلام في قرار الناخب خلال الانتخابات التمهيدية؟

** بلا شك، يؤثر الإعلام وما يطرحه من قضايا، وطريقة طرحها، تأثيراً كبيراً في الناخب الأمريكي، وربما بقدر يماثل أو يفوق تأثير ونفوذ المال السياسي. ولكن اسمحي لي أن أوجه الانتباه إلى أن هذه الانتخابات تختلف إلى حد كبير عن أي انتخابات سابقة أو قادمة؛ لسبب بسيط هو أن هذه الانتخابات في مجملها، سواء على المستوى المحلي أو الفيدرالي، تعد استفتاءً على سياسات الرئيس بوش، ليس فقط بالنسبة للحرب في إيران، بل أيضاً بالنسبة لسياساته الاقتصادية، وهناك رابط قوي جداً بين مجريات الحرب والوضع الاقتصادي الأمريكي.

طبيعة التصويت

* هل يصوت الناخب الأمريكي اليوم وفقاً لبرنامج المرشح، أم أن الانتماء الحزبي والصورة الإعلامية للمرشح أصبحت أكثر تأثيراً؟

** هذا هو النمط المألوف منذ فترة طويلة، ولكن كما ذكرت، تختلف هذه الانتخابات هذه المرة إلى حد كبير. على سبيل المثال، عندما نتحدث عن نفوذ الأموال وتأثيرها، وننظر بالتحديد إلى ولاية ميشيغان حيث يتنافس مرشحان ديمقراطيان، نجد أن إحداهما، وهي هالي ستيفنز، حصلت على نحو 40 مليون دولار، منها 14 مليون دولار من اللوبي الإسرائيلي (إيباك)، بينما يتحرك منافسها في حدود 3 إلى 4 ملايين دولار فقط. فإذا فاز عبد السيد، وهو من أصول مصرية عربية، سيعني هذا أن المال لم يعد يحمل النفوذ ذاته الذي كان يحمله في الحملات السابقة.

التصويت العقابي

* كيف تفسر دكتور ظاهرة التصويت العقابي ضد شاغلي المناصب؟ ما الذي يدفع الناخب إلى التخلي عن مرشح يعرفه لصالح وجه جديد؟

** التغيرات التي طرأت على تكاليف المعيشة هي الدافع الرئيسي؛ فالمرء اليوم يدلي بصوته لمن يقدم له إصلاحاً في منظومة الرعاية الصحية والتأمين الصحي. فعندما يتحدث الدكتور عبد السيد في ميشيغان عن سعيه لتنفيذ منظومة لإصلاح نظام الرعاية الصحية، فإنني شخصياً سأصوت لصالح من يخدم هذه الفكرة الأساسية. لم يعد الأمر يتعلق بالانتماء الحزبي الأفضل، بل بالمرشح الذي سيتعامل مباشرة مع المشاكل الحقيقية التي تواجه الناخب بصورة يومية.

تأثير متعدد

* ما تأثير استطلاعات الرأي، والإعلانات السلبية، والمناظرات في الأيام الأخيرة قبل الاقتراع؟ هل يمكن أن تغير النتيجة فعلاً؟

** نعم، بلا شك. توفر هذه المناظرات فرصة قيمة ليتعرف الناخب على مشاريع المرشح وبرامجه، ومعرفة ما إذا كان يمثل بالفعل مصالح الناخب الذي يسعى للحصول على صوته أم لا. لذا، من ناحية التأثير والنفوذ، ما زالت هذه المناظرات مهمة للغاية.

* ربما عند صدور النتائج، لا يميز البعض بين فوز سببه قوة المرشح وفوز سببه ضعف المشاركة وانقسام أصوات المنافسين، كيف ترى هذا الموضوع؟

** نعم، بلا شك. ولذلك أقول: لننظر مجدداً إلى ولاية ميشيغان والانقسام في الحزب الديمقراطي؛ فالمرشحان الديمقراطيان المتنافسان، هالي ستيفنز والدكتور عبد السيد، يمثلان حزباً واحداً، لكن أحدهما يمتلك أموالاً طائلة، بينما يمتلك الآخر برنامجاً واضحاً، ويخاطب الناخبين قائلاً: “سأطرح منظومة رعاية صحية شاملة تغطي كافة المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية”. وأنا شخصياً سأصوت لهذا المرشح.

توقعات ومؤشرات

* هل تتوقع أن يتجه الديمقراطيون إلى الوسط أم إلى التيار التقدمي؟ دكتور، نستقرئ معك ما سيكون.

** سيحدث انقسام جذري خلال السنوات العشرين المقبلة. نعم، تمثل انتخابات اليوم تصاعداً لتيار يسار الوسط، أو ما يسمى بالتيار الاشتراكي، حيث يسعى البعض إلى تأسيس حزب جديد ينبثق عن الحزب الديمقراطي يسمى “الحزب الاجتماعي الديمقراطي” تحاشياً لاستخدام كلمة “اشتراكية”.

وحتى الحزب الجمهوري، فمع أفول نجم الرئيس ترامب أو خروجه، ستبقى حركة “ماجا” (اجعل أمريكا عظيمة مجدداً)، وسينقسم هذا الحزب أيضاً إلى حزبين: الحزب الجمهوري التقليدي العريق (GOP)، وحزب آخر يمثل حركة “ماجا”.

إذن، نحن أمام تصاعد للتيار الرأسمالي من جهة، وتصاعد للتيار الاشتراكي من جهة أخرى، والذي سيطلق عليه المرشحون اسم “الحزب الاجتماعي الديمقراطي” لأن الناخب الأمريكي لا يفضل مصطلح “الاشتراكية”.

* ما المؤشرات التي تنصح بمتابعتها ليلة الانتخابات؟ هل هي نسبة المشاركة، أم هوامش الفوز، أم المناطق التي تغير نمط تصويتها، أم أداء المرشحين المستقلين؟

** أود أن أضرب مثالاً حياً بولاية ميشيغان مجدداً، ولماذا أركز عليها؟ لأن الديمقراطيين لن يتمكنوا من استعادة الأغلبية في الكونغرس الأمريكي لصالحهم إلا بالفوز في ولاية ميشيغان، فهناك خمس ولايات أخرى، لكن ميشيغان هي الأهم بينها. وانظري إلى النسب المئوية للمرشحين حتى هذه اللحظة؛ نجد أن الدكتور عبدول السيد، المرشح الديمقراطي من أصول عربية، يتمتع بتأييد 54% من الناخبين في ولاية ميشيغان، بينما تحظى السيدة هالي ستيفنز بـ 39% فقط، على الرغم من تلقيها أموالاً أكثر لدعم حملتها. وإذا استمر هذا التفوق للدكتور عبد السيد حتى نهاية اليوم، فسنشهد إطاراً جديداً للانتخابات الأمريكية في الولايات المتحدة.

أخطاء الحملات الانتخابية

* ما الأخطاء التي ترتكبها الحملات الانتخابية عادة عند مخاطبة الناخبين، وكيف يمكن تحسين هذا الخطاب؟

** أولاً، هناك مرشحون ينساقون خلف “النزعة السياسية السائدة” (الموضة) في الولايات المتحدة، والتي تمثلت حتى اللحظة في التأييد الأمريكي المطلق لإسرائيل من كلا الحزبين. أما اليوم، فنشهد تصاعداً لتيار يعارض هذا التأييد، وليس ذلك لأسباب أيديولوجية فحسب، بل لدوافع اقتصادية أيضاً؛ إذ يتساءل الناخب: “لماذا نقدم لإسرائيل كل هذه الأموال والمساعدات والأسلحة، في حين يفتقر الشعب الأمريكي للرعاية الصحية، والأسعار المقبولة، ومعدلات التضخم المنخفضة؟”. نعم، هذه إحدى المشاكل الكبرى التي كنا نراها، حيث ينساق المرشح الأمريكي، ديمقراطياً كان أم جمهورياً، خلف السائد سياسياً، وفي حالتنا هذه هو التأييد المطلق لإسرائيل.

* هذا الاستقطاب السياسي الحاد الذي تحدثت عنه في معرض حديثك، هل يؤدي إلى زيادة حماس الناخبين أم إلى إحباطهم ودفعهم إلى العزوف عن التصويت؟ ونحن نستقرئ معك مبكراً ما قد تسفر عنه هذه الانتخابات، ما الذي سنراه اليوم برأيك؟

** أعتقد أن النتائج النهائية لن تتضح تماماً إلا في شهر نوفمبر المقبل لمعرفة الفائزين بالتحديد. وعندما تظهر نتائج انتخابات نوفمبر، سنعرف ما إذا كان هذا الانقسام سيؤدي إلى ظهور حزبين جديدين داخل الحزب الديمقراطي، وحزبين جديدين داخل الحزب الجمهوري؛ ليصبح لدينا “الحزب الجمهوري التقليدي” (GOP) وحزب “ماجا” على الجانب الجمهوري، وحزب يقوده “شومر” (زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ) في مقابل بزوغ حزب ديمقراطي جديد يمثل صعود التيار الاشتراكي من أنصار السيناتور المخضرم “بيرني ساندرز”، والذي قد يسمى “الحزب الاجتماعي الديمقراطي”.

رسالة للناخبين

* ما الرسالة التي توجهها الآن إلى الناخب العربي الأمريكي؟

** أدعوهم لدعم الدكتور عبدول السيد في ميشيغان، والتصويت لصالح ممداني في نيويورك، والتصويت لكل من ينادي بضرورة انتهاج برامج تخدم مصلحة الناخب الأمريكي وتحسّن مستوى معيشته وحياته اليومية، بغض النظر عن الانتماءات الحزبية الضيقة.

* الدكتور عاطف عبد الجواد، المحلل السياسي والإعلامي المخضرم، كنت معنا مباشرة من واشنطن. شكراً جزيلاً لك على هذه القراءة المهمة للمشهد الانتخابي، وعلى ما قدمته من تحليل لسلوك الناخب ودور الإعلام والحملات في تشكيل توجهاته.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى