أخبارأخبار أميركا

انتخابات الثلاثاء في أمريكا… ماذا تكشف عن مزاج الناخب قبل نوفمبر؟

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

يأتي الثلاثاء الانتخابي حاملاً انتخابات محلية ذات رسائل وطنية؛ حيث تتجه الأنظار اليوم إلى صناديق الاقتراع في عدد من الولايات الأمريكية، حيث يدلي الناخبون بأصواتهم في انتخابات محلية وتمهيدية تتجاوز في دلالاتها حدود المدن والولايات، لتشكل اختباراً مبكراً لمزاج الناخب الأمريكي، واتجاهاته، وأولوياته، ومدى رضاه عن أداء المسؤولين والحزبين معاً.

في هذه الانتخابات، لا يختار الأمريكيون مرشحين فحسب، بل يبعثون برسائل واضحة بشأن الاقتصاد، وارتفاع الأسعار، والهجرة، والوظائف، والتعليم، والأمن، والخدمات المحلية، ومستقبل التوازن السياسي في واشنطن. فما الذي يحرك الناخب الأمريكي اليوم؟ هل يصوت بدافع القضايا المعيشية أم تحت تأثير الانقسام الحزبي؟ وهل تحمل نتائج هذه الانتخابات مؤشرات مبكرة لما قد يحدث في الاستحقاقات المقبلة؟ لمناقشة هذه الأسئلة، يسعدنا أن نستضيف السيد خليل جهشان، المدير التنفيذي للمركز العربي في واشنطن العاصمة.

أهمية الانتخابات التمهيدية

* ينضم إلينا الآن مباشرة من واشنطن السيد خليل جهشان، المدير التنفيذي للمركز العربي في واشنطن العاصمة. أهلاً بك وصباح النور أستاذ خليل.

** صباح النور، أهلاً بكِ وشكراً لكِ.

* لدينا نحو خمس عشرة دقيقة للحوار، ولدي سبعة أسئلة تغطي أبرز المحاور، أتمنى أن يسمح لنا الوقت بالتطرق إليها قدر الإمكان. حسب آخر تحديث تفصيلي رسمي صادر عن وزارة خارجية ميشيغان، أعاد نحو 960,000 ناخب بطاقاتهم الغيابية حتى صباح الحادي والثلاثين من يوليو، فيما تجاوز إجمالي التصويت المبكر والغيابي لاحقاً أكثر من مليون صوت قبل الانتخابات.

نبدأ من المشهد العام: ما الأهمية السياسية للانتخابات التمهيدية والمحلية التي تجرى اليوم؟ وهل يمكن اعتبارها مؤشراً مبكراً لمزاج الناخب الأمريكي واتجاهاته قبل انتخابات نوفمبر؟

** بلا شك، ولاية ميشيغان هي ولاية ذات ثقل داخلي كبير في الولايات المتحدة؛ إذ يقطنها أكثر من عشرة ملايين مواطن، ولها أهمية كبرى خصوصاً في الوسط الأمريكي، حيث تمثل وجهات نظر هذه المنطقة. ولكن يبدو لي هذه المرة أن ميشيغان أصبحت بمثابة المحك الجوهري والرئيسي لهذه الانتخابات، حيث تحولت إلى مسرح ذي مغزى سياسي يتجاوز حدود الولاية ليكون على مستوى وطني ودولي؛ إذ انعكس الصراع الدائر حالياً بين اليسار واليمين، وبين الديمقراطيين والجمهوريين، وبين المحافظين والتقدميين في إطار هذه الحملة الانتخابية.

وأعتقد أن النتائج اليوم لا تقتصر أهميتها على ولاية ميشيغان فحسب، بل تنعكس أيضاً على ملفات كبرى مثل مدى قدرة الديمقراطيين على استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ، وانتصار التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي؛ وكل هذه التساؤلات تتبلور في انتخابات اليوم.

تأثير الملفات الداخلية

* من خلال متابعاتكم البحثية، ما القضايا التي تحرك الناخب الأمريكي اليوم بصورة أكبر؟ هل هو الاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة، أم الهجرة، أم الأمن، أم الخدمات المحلية، أم حالة الاستقطاب السياسي القائمة بين الحزبين كما أشرتم؟

** تاريخياً في الولايات المتحدة، تظل الملفات الداخلية وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي محور اهتمام الناخب الأمريكي. وبالنسبة لولاية مثل ميشيغان، التي يقطنها عدد كبير من المهاجرين، لا سيما من الشرق الأوسط، فإن قوانين الهجرة والتحديات والمضايقات التي يواجهها المهاجرون هذه الأيام تحظى بأهمية بالغة. لذا يلعب الاقتصاد دائماً الدور الأساسي في هذه الانتخابات النصفية والتمهيدية.

وإلى جانب ذلك، أعتقد أن قضايا السياسة الخارجية، وتحديداً الحرب في غزة والتصعيد مع إيران، تؤدي دوراً أكثر أهمية مقارنة بالماضي؛ فعادة ما يتم تهميش القضايا الخارجية في مثل هذه الانتخابات، لا سيما في مراحلها التمهيدية، ولكن هذه المرة انعكس ملف الشرق الأوسط، والحرب المستمرة في غزة والتصعيد ضد إيران، بشكل واضح على الرأي العام في ميشيغان، وأثر في مجريات الانتخابات ومواقف المرشحين فيها.

تأثير السياسة الخارجية

* كما أشرتم، على الرغم من أن هذه الانتخابات محلية وتمهيدية، فقد حضرت قضايا غزة وإسرائيل والسياسة الخارجية بقوة في هذه السباقات. ماذا يخبرنا ذلك عن تداخل السياسة الخارجية مع خيارات الناخب الأمريكي، لا سيما داخل الحزب الديمقراطي؟

** هناك نمط تاريخي في الولايات المتحدة يتعلق بالدور الذي تلعبه السياسة الخارجية في الانتخابات الأمريكية؛ وليست هذه المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تتسرب فيها ملفات السياسة الخارجية إلى الحلبة الانتخابية الداخلية.

ولكن من الواضح هذه المرة أن هذه الحرب التي تشارك فيها الولايات المتحدة كحليف وشريك لإسرائيل أصبحت قضية تحظى باهتمام شريحة واسعة من الناخبين؛ إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من ثلثي الناخبين في الولايات المتحدة لا يرضون عن هذه الحرب ولا يوافقون على السياسة الأمريكية المتبعة تجاهها، ويرون أنها حرب غير مجدية كبدت الولايات المتحدة الكثير من الأموال والضحايا والجهود ويجب أن تتوقف.

لذلك نرى أن موضوع الحرب يؤدي دوراً هاماً في ولايات عديدة، ومنها ولاية ميشيغان بالطبع، لا سيما بالنسبة لغزة نظراً لوجود أكبر جالية من الأمريكيين العرب في هذه الولاية.

صراع داخل الحزب الديمقراطي

* تحولت بعض السباقات، لا سيما في ميشيغان، إلى مواجهة حقيقية بين المؤسسة الحزبية التقليدية والتيار التقدمي. هل نحن أمام خلاف حول المرشحين فقط، أم أن هناك صراعاً أعمق على هوية الحزب الديمقراطي واتجاهه السياسي في السنوات المقبلة؟

** مما لا شك فيه أن هذا الصراع بدا في البداية كأنه منافسة بين شخصيات تمثل شرائح مختلفة داخل الحزب الديمقراطي، والمعروف تاريخياً بأنه حزب يتميز بالتنوع العرقي والسياسي، ويوصف بأنه “خيمة واسعة” تضم وجهات نظر متعددة. ولكن هذه المرة، وخصوصاً في ميشيغان وبعض الولايات الأخرى، فإن الصراع الداخلي على هوية الحزب الديمقراطي ومستقبله بات يلعب دوراً أكثر أهمية بكثير مما شهدناه في الماضي.

الصراع بين الشق التقدمي في الحزب الذي يمثله السيد عبد الرحمن محمد السيد (عبد السيد)، والأطراف التي تدعمه داخل ميشيغان وخارجها، ليس مجرد صراع مع الحزب الجمهوري في الانتخابات العامة المقبلة، بل هو صراع في جوهره مع التيار التقليدي والمؤسسة الحاكمة داخل الحزب الديمقراطي نفسه؛ فالقيادة التقليدية للحزب (الاستبليشمنت) تدعم المرشحة الأخرى “هيلي ستيفنز” في مواجهة السيد عبد الرحمن.

وتتلقى ستيفنز دعماً كبيراً من السناتور السابق “غاري بيترز”، وحاكمة الولاية “غريتشن ويتمر”، ومن قيادات الحزب على الصعيد الوطني مثل “تشاك شومر” و”نانسي بيلوسي”، بالإضافة إلى السناتور السابقة عن ميشيغان “ديبّي ستابينو”. كل هذا يوضح بجلاء أن هناك صراعاً حقيقياً داخل الحزب على هويته، وضميره، ومواقفه المستقبلية.

الاحتفاظ بالقواعد الانتخابية

* هل نستطيع القول إذن إن هذه الانتخابات تكشف عن مدى قدرة الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، على الاحتفاظ بقواعدهما الانتخابية، أم أننا أمام ناخبين أكثر استعداداً لمعاقبة المرشحين التقليديين والبحث عن بدائل جديدة؟

** يبدو لي شخصياً أن هناك تياراً متنامياً من الناخبين الناقمين على الحزبين؛ إذ يسود نوع من الركود وغياب الحماس التقليدي لكلا الطرفين، وهناك استياء واضح لدى الناخب الأمريكي تجاه الحزبين معاً. ومن وجهة نظري، قد حان الوقت بالفعل لأن تفكر الولايات المتحدة بجدية في تأسيس حزب ثالث يعبر عن هذا التيار الجديد ويلبي تطلعات الناخب الأمريكي الحالية.

غير أن العقبات الدستورية والتاريخية تقف عائقاً أمام نشوء حزب ثالث ينافس الحزبين الرئيسيين؛ ولذا أعتقد أن هذا الاستياء سيستمر وسيؤدي دوراً هاماً جداً في الانتخابات العامة المقبلة، وكذلك في صياغة مستقبل الحكم ككل في الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد ترامب.

الإنفاق المالي وقرار الناخب

* لا يمكن الحديث عن بعض السباقات اليوم دون التوقف عند حجم الإنفاق المالي الخارجي؛ فقد أنفقت لجنة “مشروع الديمقراطية المتحدة” (United Democracy Project) المرتبطة بمنظمة “إيباك” (AIPAC) أكثر من ثلاثين مليون دولار لدعم “هيلي ستيفنز” ومهاجمة “عبد الرحمن السيد” في سباق مجلس الشيوخ بميشيغان، كما أنفقت أكثر من ثلاثة ملايين دولار في سباق ولاية ميزوري ضد “كوري بوش”.

إلى أي مدى يستطيع هذا الحجم الهائل من الإنفاق تغيير قرار الناخب؟ وهل أصبح نفوذ “إيباك” عاملاً حاسماً في تحديد من يصل إلى الكونغرس، حتى عندما يفترض بالملفات المحلية أن تتصدر المشهد؟

** الأمر لا يقتصر على “إيباك” وحدها، فالقضية تمس بالفعل ركيزة أساسية وتهدد الحريات الدستورية ومصداقية الانتخابات الأمريكية ككل. هناك مقولة شائعة باللغة الإنجليزية تفيد بأن المال قد لا يكون العامل الوحيد في الانتخابات الأمريكية، لكنه يفوق في أهميته أي عامل آخر يأتي في المرتبة الثانية بدرجة أو درجتين؛ فالمال يلعب دوراً بالغ الأهمية، وجرت العادة في الانتخابات الأمريكية أن يفوز المرشح الأكثر تمويلاً. ونأمل ألا تعكس الانتخابات الحالية والانتخابات العامة المقبلة هذا النمط التقليدي الذي اعتدنا عليه في الماضي.

* هل يعني ذلك أن الإنفاق المالي يضعف المنافسة الديمقراطية، أم أنه يظل شكلاً قانونياً من أشكال الممارسة السياسية بموجب النظام الانتخابي الأمريكي كما يراه البعض؟

** الإنفاق المالي يعتبر قانونياً في الولايات المتحدة وجزءاً من الحريات الدستورية، لكنه في الوقت ذاته يقوض العملية الديمقراطية ويقود إلى نوع من الفساد، مما يفقد الانتخابات الأمريكية جزءاً كبيراً من مصداقيتها.

وإذا نظرنا إلى الانتخابات الحالية كمثال، نجد أن المرشح العربي عبد الرحمن السيد أنفق حتى الآن نحو 3.3 مليون دولار على حملته الانتخابية والدعائية، في حين حصل الطرف الآخر على تمويل يعادل أربعة عشر ضعف هذا المبلغ، حيث تقدر المبالغ بأكثر من 46 مليون دولار، سواء كان ذلك تبرعاً مباشراً للمرشحة “هيلي ستيفنز” أو إنفاقاً بالنيابة عنها من خلال لجان العمل السياسي (PACs) التي تمول الإعلانات الإذاعية والتلفزيونية لدعمها. هذا الفارق الشاسع في التمويل يلعب بالتأكيد دوراً حاسماً في نتائج الانتخابات بميشيغان.

* ما النتائج أو المؤشرات التي ستراقبونها الليلة؟ وهل يمكن لهذه الانتخابات أن تقدم لنا صورة مبكرة عن فرص الحزبين في معركة السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في نوفمبر المقبل؟

** أعتقد ذلك؛ فأهمية انتخابات اليوم ليست محصورة فقط في المصالح الداخلية لولاية ميشيغان، بل ستقرر مصير وتوجه الحزب الديمقراطي مستقبلاً: هل ستفرض السلطة التقدمية أو اليسارية هيمنتها داخل الحزب وتتغلب على المؤسسة التقليدية الحاكمة فيه؟ وثانياً، هل سينجح الحزب الديمقراطي في استعادة السيطرة على مجلس الشيوخ؟ هذا أمر بالغ الأهمية، ولا أعتقد أن تحقيق الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ سيكون ممكناً دون فوز عبد الرحمن السيد في هذه الانتخابات بميشيغان وتغلبه على المرشح الجمهوري “مايك راجرز”.

* السيد خليل جهشان، المدير التنفيذي للمركز العربي في واشنطن العاصمة، شكراً جزيلاً لانضمامكم إلينا وتقديم هذه القراءة المستفيضة للمشهد الانتخابي الأمريكي. نشكرك جزيل الشكر.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى