أخبارأخبار العالم العربي

مع إغلاق ممر الإمداد.. كيف أعادت سوريا رسم دورها في مواجهة حزب الله؟

لم يكن إعلان وزارة الداخلية السورية اليوم عن إحباط محاولة تهريب شحنة كبيرة من الأسلحة النوعية كانت في طريقها إلى حزب الله اللبناني عبر الحدود العراقية مجرد عملية أمنية عابرة، بل حمل دلالات تتجاوز البعد الميداني، ليعكس تحولاً في أولويات السياسة الأمنية السورية، يقوم على إحكام السيطرة على الحدود ومنع استخدام الأراضي السورية ممراً لنقل السلاح إلى لبنان.

ووفقًا لموقع “الجزيرة نت” يأتي هذا التحول في ظل متغيرات إقليمية متسارعة وضغوط أمريكية ودولية متزايدة لإعادة رسم موازين النفوذ في المنطقة، بالتزامن مع مؤشرات على انفتاح محدود بين دمشق وواشنطن، وتصريحات للرئيس دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع عكست مقاربة مختلفة للتعامل مع ملف حزب الله، تعتمد على تضييق مصادر قوته بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة.

تحول في العقيدة الأمنية

يرى خبراء أن إحباط محاولة تهريب الأسلحة يمثل دليلاً على إصرار دمشق على فرض سيادتها الكاملة على حدودها، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تتماشى أيضاً مع المطالب الدولية الداعية إلى اتخاذ إجراءات عملية للحد من نشاط حزب الله وشبكات تهريب السلاح.

ويؤكد الخبراء أن الحكومة السورية لا تبدو معنية بفتح جبهة مواجهة مع الحزب داخل لبنان، بل تسعى إلى اعتماد سياسة تقوم على تأمين الحدود وقطع خطوط الإمداد البرية التي يعتمد عليها الحزب في نقل الأسلحة، بما يحقق هدفين متوازيين: حماية الأمن الداخلي السوري، والاستجابة للضغوط الدولية دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

كما اعتبر الخبراء أن إعلان الحكومة العراقية فتح تحقيق في عملية التهريب يعكس حجم الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على بغداد لتعزيز الرقابة على الحدود ومنع استخدامها ممراً لنقل الأسلحة.

الجغرافيا عامل حاسم

ويشير الخبراء إلى أن الجغرافيا تضع سوريا في قلب معادلة تسليح حزب الله، إذ لا تتوافر أمام لبنان سوى طريقين رئيسيين لوصول الأسلحة؛ الأول بحري يخضع لرقابة دولية مشددة من قوات الأمم المتحدة “يونيفيل”، والثاني بري يمر عبر الأراضي السورية، ما يجعل أي تشديد للرقابة السورية عاملاً مؤثراً في الحد من عمليات التهريب.

ويرى الخبراء أن توقيت الإعلان عن ضبط الشحنة، رغم احتجازها قبل نحو عشرة أيام، يحمل رسائل سياسية واضحة، إذ تزامن مع تصريحات للرئيس دونالد ترامب تحدث فيها عن دور مختلف للرئيس السوري أحمد الشرع في التعامل مع حزب الله، ومع تصاعد الضغوط الأمريكية على العراق لكبح نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران، وسط مؤشرات إلى تورط بعض الجهات الرسمية، من بينها عناصر في الجمارك، في تسهيل عمليات التهريب.

رسائل متبادلة

وكان الرئيس دونالد ترامب قد أعلن في وقت سابق من الشهر الجاري أن الرئيس السوري أحمد الشرع سيتعامل مع ملف حزب الله “بطريقة مختلفة” عن النهج العسكري الإسرائيلي، مؤكداً أن المقاربة الجديدة لن تقوم على تدمير المدن والبنية التحتية.

وفي المقابل، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع استمرار قنوات التواصل مع الإدارة الأمريكية بشأن التطورات في لبنان، معرباً عن استعداد دمشق للحوار مع مختلف القوى اللبنانية، بما فيها حزب الله، بما يخدم استقرار البلدين.

كما شدد الشرع على أن بلاده لا تعتزم التدخل في الشأن اللبناني، موضحاً أن الدور السوري يقتصر على دعم الاستقرار، فيما جرى تأجيل ملف ترسيم الحدود المشتركة لإعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية وتعزيز التعاون الثنائي.

رهان على الأمن والاقتصاد

ويعتبر السفير الأمريكي السابق جوي هود أن نجاح سوريا في إحباط محاولة تهريب الأسلحة يعكس قدرتها على تأمين حدودها واستعدادها للقيام بهذا الدور، وهو ما قد يسهم في تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي وتهيئة بيئة أكثر جذباً للاستثمارات الأجنبية.

ويضيف أن إدارة ترامب باتت تفضل استخدام الأدوات الأمنية والاقتصادية والاستخباراتية بدلاً من التدخل العسكري المباشر، وترى أن تجفيف مصادر تمويل حزب الله عبر مكافحة تهريب الأسلحة والكبتاغون يمثل الوسيلة الأكثر فاعلية لإضعاف قدراته على المدى الطويل.

مرحلة جديدة

ويرى مراقبون أن عملية ضبط شحنة الأسلحة قد تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقة الأمنية بين دمشق وواشنطن، تقوم على التعاون في حماية الحدود ومكافحة التهريب، بما قد يفتح الباب أمام دعم فني ولوجستي أكبر لسوريا، ويعزز فرص إعادة دمجها تدريجياً في النظام الاقتصادي الدولي، بما في ذلك إمكانية رفع اسمها مستقبلاً من قائمة الدول الراعية للإرهاب إذا استوفت الشروط المطلوبة.

وفي المقابل، من المرجح أن تتعرض الحكومة العراقية لضغوط أمريكية ودولية متزايدة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد شبكات تهريب السلاح، وتشديد الرقابة على المنافذ الحدودية، ومحاسبة أي جهات رسمية يثبت تورطها في تسهيل تلك العمليات.

كما يتوقع محللون أن تتصاعد الضغوط على الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق بهدف الحد من قدرتها على تأمين خطوط الإمداد البرية لحزب الله، الأمر الذي قد يضيق أحد أهم مسارات نقل السلاح إلى الحزب عبر الأراضي العراقية والسورية.

إعادة تموضع أم تغيير استراتيجي؟

ورغم أن من المبكر الجزم بأن هذه الخطوات تمثل تحولاً كاملاً في السياسة السورية تجاه حزب الله، فإنها تعكس، وفق مراقبين، بداية إعادة تموضع تتناسب مع المتغيرات الإقليمية والدولية.

فدمشق تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى توظيف ملف أمن الحدود كورقة لإثبات قدرتها على لعب دور الشريك الأمني، في وقت تسعى فيه إلى تخفيف الضغوط الدولية، وتحسين علاقاتها الخارجية، وجذب الاستثمارات اللازمة لمرحلة إعادة الإعمار.

ويبقى نجاح هذا التوجه مرهوناً بقدرة السلطات السورية على الاستمرار في منع تهريب السلاح، وبمدى استعداد الأطراف الإقليمية والدولية لترجمة هذا التعاون الأمني إلى خطوات سياسية واقتصادية أوسع خلال المرحلة المقبلة.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى