أعادت استقالة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر فتح النقاش حول حالة عدم الاستقرار السياسي التي تشهدها المملكة المتحدة، بعدما أصبح سادس رئيس وزراء يغادر منصبه خلال عشر سنوات فقط، وهو معدل تغيير غير مسبوق في التاريخ السياسي البريطاني الحديث، ويعكس، وفق محللين ومؤرخين، أزمة أعمق تتجاوز الأشخاص والأحزاب إلى طبيعة النظام السياسي والاقتصادي نفسه، وفقًا لوكالة “رويترز“.
وفي مشهد اتسم بالتأثر، وقف ستارمر أمام مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت معلناً أنه لم يعد الشخص الأنسب لقيادة البلاد، منهياً بذلك فترة حكم استمرت أقل من عامين، رغم أنه وصل إلى السلطة بعد تحقيق حزب العمال واحداً من أكبر الانتصارات الانتخابية في تاريخ بريطانيا المعاصر.
تغيير متواصل في القيادة
برحيل ستارمر، تستعد بريطانيا لاستقبال سابع رئيس للوزراء خلال عشر سنوات، في ظاهرة يرى مراقبون أنها تعكس عجز الحكومات المتعاقبة عن التعامل مع المشكلات الهيكلية التي تواجه البلاد.
ويشير محللون إلى أن جميع رؤساء الحكومات الذين تعاقبوا على السلطة منذ استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي واجهوا التحديات نفسها تقريباً، وفي مقدمتها تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة الهجرة غير الشرعية، وتراجع الخدمات العامة، دون أن يتمكن أي منهم من تقديم حلول مستدامة تحظى بقبول شعبي واسع.
وقال المؤرخ البريطاني أنتوني سيلدون، المتخصص في دراسة رؤساء الوزراء البريطانيين، إن البلاد تعيش مأزقاً عميقاً بعدما فشل ستارمر ومن سبقوه، مثل بوريس جونسون وليز تروس وغيرهما، في بناء رؤية واضحة قادرة على استعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الحكم.
وأضاف أن نجاح أو فشل خليفة ستارمر المحتمل، آندي بيرنهام، قد يكون عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل بريطانيا خلال السنوات المقبلة.
من نموذج للاستقرار إلى حالة من الاضطراب
لطالما اعتُبرت بريطانيا واحدة من أكثر الديمقراطيات استقراراً في العالم، وشهدت فترات طويلة من الحكم المستقر في عهد زعماء بارزين مثل مارغريت تاتشر وتوني بلير، اللذين أعادا تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي البريطاني على مدى أكثر من عقدين.
إلا أن الأزمة المالية العالمية عام 2008 شكّلت نقطة تحول رئيسية، إذ تعرض الاقتصاد البريطاني، المعتمد بصورة كبيرة على القطاع المالي، لصدمة قوية، أعقبها تطبيق سياسات تقشف واسعة أضعفت قدرة الدولة على مواجهة الأزمات اللاحقة.
ويُعد توني بلير آخر رئيس وزراء بريطاني تمكن من الفوز بانتخابات عامة مباشرة وقيادة حكومة كاملة الولاية من دون الحاجة إلى دعم أحزاب أخرى، وذلك خلال الفترة بين عامي 2001 و2005.
تداعيات بريكست والأزمات العالمية
يرى كثير من الخبراء أن تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016 مثّل لحظة فارقة عمّقت الانقسامات السياسية داخل المملكة المتحدة، وأعادت إلى الواجهة مطالب الاستقلال في اسكتلندا التي صوتت للبقاء ضمن الاتحاد الأوروبي.
كما أدت التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية إلى ارتفاع الدين العام البريطاني إلى مستويات تقترب من إجمالي الناتج المحلي، ما حدّ من قدرة الحكومات المتعاقبة على زيادة الإنفاق أو إطلاق برامج اقتصادية واسعة النطاق.
ورغم أن دولاً أخرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا واليابان وإيطاليا تمتلك مستويات دين أعلى، فإن بريطانيا تواجه تحديات إضافية تتمثل في ارتفاع تكاليف الاقتراض واعتمادها الكبير على المستثمرين الأجانب لتمويل العجز المالي.
تراجع مستويات المعيشة
وتُعد أزمة مستوى المعيشة من أبرز أسباب الغضب الشعبي المتزايد تجاه الحكومات البريطانية المتعاقبة. وأظهرت بيانات اقتصادية صدرت عام 2025 أن الشرائح الأقل دخلاً من السكان فقدت جزءاً من قدرتها الشرائية مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، رغم التحسن النسبي في متوسط الدخل الحقيقي لبعض الفئات.
ويرى خبراء أن هذا الواقع عزز شعوراً عاماً لدى البريطانيين بأن أوضاعهم المعيشية لم تعد تتحسن كما كان متوقعاً، وأن الأجيال الجديدة تواجه فرصاً أقل من تلك التي توفرت لآبائهم.
وقالت جيل روتر، المسؤولة السابقة في وزارة المالية البريطانية والزميلة البارزة في معهد الحكومة، إن المشكلة الحقيقية تكمن في شعور المواطنين بأن حياتهم وحياة أبنائهم لم تشهد أي تقدم ملموس منذ سنوات طويلة، بينما بدت الحكومات المتعاقبة عاجزة عن تغيير هذا المسار.
أزمة في بنية الدولة وصنع القرار
في المقابل، يعتقد عدد من الباحثين أن المشكلة لا ترتبط فقط بالسياسات الاقتصادية، بل تمتد إلى طبيعة الدولة البريطانية وآليات اتخاذ القرار.
ففي كتابه “الدولة الفاشلة: لماذا لا ينجح شيء وكيف يمكن إصلاحه”، يرى المستشار الحكومي السابق سام فريدمان أن النظام البريطاني يعاني من مركزية مفرطة، وأن المؤسسات الحكومية الرئيسية أصبحت أقل قدرة على التعامل مع التحديات المتزايدة.
كما يشير سياسيون وبرلمانيون إلى أن تسارع دورة الأخبار وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الحديثة يدفعان الحكومات إلى اتخاذ قرارات سريعة ومتسرعة، على حساب التخطيط طويل الأمد.
وقال النائب المحافظ المخضرم روجر غيل إن بريطانيا بحاجة إلى حكومات أكثر نضجاً وأقل اندفاعاً، مشيراً إلى أن كثرة التشريعات وسرعة إصدارها أدتا إلى تراجع جودة كثير من القوانين.
بيرنهام أمام اختبار صعب
ومع ترجيح تولي آندي بيرنهام قيادة حزب العمال والحكومة خلال الأسابيع المقبلة، تتجه الأنظار إلى قدرته على تجنب المصير الذي واجهه أسلافه.
ويتمتع بيرنهام بخبرة سياسية تمتد لأكثر من ربع قرن، كما شغل منصب عمدة مانشستر الكبرى لمدة تسع سنوات، ما يمنحه رصيداً سياسياً وإدارياً يراه أنصاره مؤهلاً لقيادة البلاد.
إلا أن التحديات التي تنتظره تبدو هائلة، إذ سيكون مطالباً بتشكيل حكومة جديدة، ووضع رؤية اقتصادية وسياسية واضحة، والتعامل مع ملفات معقدة تشمل النمو الاقتصادي، والهجرة، والخدمات الصحية، والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الضغوط المتزايدة من المعارضة.
ويرى محللون أن استقالة ستارمر تمثل لحظة مفصلية في السياسة البريطانية، وقد تمنح حزب العمال فرصة لإعادة ترتيب صفوفه واستعادة شعبيته، مستفيداً من أغلبيته البرلمانية المريحة التي تضمن استمرار الحكومة حتى الانتخابات العامة المقبلة المقررة عام 2029.
ومع ذلك، تبقى التساؤلات مطروحة حول ما إذا كان تغيير رئيس الوزراء وحده كافياً لمعالجة الأزمات المتراكمة التي تعاني منها المملكة المتحدة، أم أن البلاد تحتاج إلى إصلاحات أعمق تعيد بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الحكم، وتضع حداً لدائرة التغيير السياسي السريع التي باتت السمة الأبرز للمشهد البريطاني خلال العقد الأخير.



