
في يناير 2022، فارقتنا جدتي حمدة محمد حسن صالح معزب إلى بارئها وتركت وراءها فراغاً لا يملئه أحد. لم نكن نعرف عدد سنين عمرها على وجه اليقين فبعض الروايات كانت تقول إنها ولدت إبان الحرب العالمية الأولى، وأخرى تُصرّ على أنها جاءت إلى الدنيا في أواخر الحرب تقريبًا 1918.
ليس هذا المهم. المهم أنها عاشت قرناً كاملاً من الزمان، شهدت سقوط إمبراطوريات وولادة دول، ورأت الدنيا تتغير من الخيل والحمير إلى الطائرات والأقمار الصناعية، ومع ذلك بقيت هي نفسها: امرأة بسيطة من طين قرية «أغرب»، تحمل في صدرها بركة الله وفي يدها سرّاً من أسرار الرحمة.
كانت «الحاجة حمدة» ليست مجرد جدة؛ كانت «كنف» لنا جميعاً. البيت في «محلة عُمّاري» بقرية أغرب كان ملاذاً ومدرسة ومستشفى ومزرعة صغيرة في آن واحد بكل معنى الكلمة.
سكنُت معها فترات طويلة، وكنت أرعى بقرتها واهتم بمحصولها الزراعي. كانت حياتنا هناك بسيطة كالماء الصافي: فجر يبدأ بدعائها، ونهار ينتهي بحكاياتها، وليل ننام تحت صوت بقرها وهي تهدئها بكلمات لا نفهمها.
قرابة ستون عاماً من الكفاح في الزراعة
قضت جدتي حمدة قرابة ستون عاماً مزارعة لا تعرف الراحة. منذ شبابها المبكر وحتى بداية الألفية، كانت تعمل في الأرض بكل ما أوتيت من قوة. تحرث، تزرع، تسقي، تحصد، وترعى الماشية.
واجهت سنوات الجفاف الشديد، والفيضانات المفاجئة، وتقلبات الطقس القاسية في اليمن، وأياماً طويلة لا تمطر فيها السماء قطرة واحدة.
لم تكن تملك آلات حديثة أو مساعدين كثر؛ كانت تعتمد على يديها الخشنتين، وعلى إيمانها الراسخ. تُخرج البقر إلى الحقول عند الفجر، تحلبها بنفسها، تصنع اللبن والسمن والجبن، وتبيع الفائض في السوق لتوفر لقمة العيش لأولادها وأحفادها.
كانت ايضاً تستأجر عُمالا ليحرقوا ارضها وكانوا يتهافتون ويتسابقون على الفوز بالعمل لها لأنها بقولهم “كانت تعطي يومية “الشاقي” مهيته بنفس اليوم قبل أن يجف عرقه.
كانت تُعامل الأرض كأنها كائن حي، تسقي كل نبتة بعناية، وتدعو لها كما تدعو لأولادها. حتى في أيام التعب والمرض، كانت تخرج إلى الحقل وتقول: «الأرض لا تنتظر، والرزق يأتي بالجهد والتوكل».
هذا الكفاح الطويل جعلها رمزاً للصبر والقوة، وزرع في قلبها يقيناً عميقاً بأن الله هو الرازق، لكن الإنسان مطالب بالعمل والسعي.
أتذكر تماماً وأنا في السابعة من عمري. كنت أنام في فراشها الخشبي القديم، وأسمع صوتها يرتفع في سكون الفجر. تقوم قبل الآذان بقليل، تتوضأ بهدوء، ثم تقف مستقبلة القبلة.
صلاتها ليست مجرد صلاة؛ كانت حواراً أفقي مع رب العالمين. أسمعها تُردّد الدعاء بصوت خافت لكنه يملأ البيت: «اللهم ارزق أولادي وأحفادي الخير، اللهم اكتب لهم السعادة، اللهم لا تحرمهم من رحمتك».
ثم تنتهي الصلاة، فتأتي إليّ بهدوء، تمسح على رأسي بيدها الدافئة، وتقول بصوتها الذي يشبه نسيم الصباح: «قُم يا ولدي، الدنيا تنتظرك في المدرسة». أنهض وأنا أشعر أن البركة قد غسلت وجهي قبل أن أغسله بماء صقيع.
وكانت هناك «جُمعة».. بقرتها المشهورة التي كنت اُسميها البقرة «المجنونة». كلما أتى وقت الحلب أو الرعي، تثور وتضرب الأرض بقوائمها وتُطلق صرخات لا يفهمها أحد.
يحاول الجميع تهدئتها فتزداد شراسة. لكن صوت جدتي من الخلف كان كفيلاً بأن يعيد إليها صوابها فوراً. تناديها باسمها: «جمعة… هدي هدي»، وكأنها تُخاطب طفلة صغيرة. فتهدأ البقرة، وتُرخي ذنبها، وتسمح لليدين أن تلمسها.
كنت أقف مذهولاً. كيف لهذه المرأة العجوز أن تتكلم لغة لا يعرفها البشر؟ كان في صوتها شيء من الرحمة الإلهية، كأن الله جعلها تفهم ما لا يفهمه غيرها.
أعظم ما في جدتي كان «بركة يدها». كان الناس يقولون: «في يد حمدة علاج». وصدقوا. النساء اللواتي يصعب عليهن الحمل، كن يأتينها من كل مكان: من القرى المجاورة، من المدن البعيدة، وحتى من أمريكا.
يأتين وقد يئسن، فيجلسن معها جلسات «التمريخ» – ذلك المساج العتيق الذي ورثته عن أمهات أمهاتها. لا أدوية، ولا أجهزة، ولا تحاليل. فقط يداها اللتين كأن الله سبحانه أودع فيهما سرّاً من أسرار الخلق.
بعد جلستين أو ثلاث، كانت المعجزة تحدث. تحمل السيدة بعد أشهر قليلة. وكانت تأتينا الهدايا بعد أشهر من الأمهات اللواتي رزقن، تعبيراً عن الشكر والامتنان. لم تكن تتقاضى مقابل ذلك شيئاً. كانت تقول: «هذا من عند الله، أنا مجرد واسطة». وكأن البركة لا تنفد أبداً.
سافرت جدتي في عام 2006 من اليمن إلى الولايات المتحدة، وعاشت معنا حتى وفاتها. رغم تقدمها في السن، ظلت قوية الشكيمة. أجرت عمليتين فقط طوال حياتها: سحب الماء الأبيض من عينها، واستئصال المرارة.
كانت تتحمل الألم بصبر عجيب، ولا تشتكي إلا قليلاً، ثم تعود إلى روتينها اليومي ودعائها وابتسامتها الهادئة. أتذكر أن ممرضات المستشفى بعد شفائها من عملية استئصال المرارة كان يبكين لإنهم سيفارقونها بعد نجاح العملية وفترة النقاهة.
لم يمنعها الزهايمر في أواخر عمرها من تذكر صلاتها، ولا ترك مسبحتها. كانت تسبح وتذكر الله حتى في أصعب اللحظات، وكأن الصلاة والذكر كانا الجزء الوحيد الذي لم يستطع المرض أن يأخذه منها.
ولم تنسني يوماً، فأنا كنت الحفيد المفضل لها. كانت تتعرف عليّ فوراً وسط ضباب الذاكرة، وتمسك بيدي بقوة، وتبتسم ابتسامة تعيد إليّ طفولتي كلها وتحكي لي الحكايات التي لم أمّل منها قط.
الحمد لله أنها عاشت طويلاً لتحضن أولادي، وتشهد انتصاري في الانتخابات. كان ذلك تتويجاً لدعائها الدائم، وتحقيقاً لما كانت تُكرّره عليّ: «وقتك سيأتي بإذن الله». رأت النصر بعينيها، وابتسمت ابتسامة الرضا، وكأنها تقول: «ها قد أذن الله أخيراً».
وأجمل ما أتذكره عنها هو حضنها في أيام الخيبة قبل النصر. كنت أترشح في الانتخابات مرة بعد مرة، وأخسر. أعود إليها محطماً، تفتح ذراعيها وتحتضنني كما كانت تحتضنني طفلاً. تمسح على ظهري وتقول بثقة لا تتزعزع: «يا ولدي، وقتك ما حان بعد. الله من فوق السماوات ما أذن لك بالنصر. لما يأذن، لن يستطيع أحد أن يمنعك».
كانت تؤمن أن كل شيء مكتوب، وأن النصر الحقيقي ليس في الأصوات، بل في رضا الله. كانت تجعلني أرى الهزيمة ليست نهاية بل تأجيل إلهي لحكمة لا نعلمها.
رحلت الجدة والحاجة حمدة في يناير 2022، لكنها لم ترحل حقاً. ما زالت حية في كل صلاة فجر أصليها، وفي كل بقرة أرى فيها «جمعة»، وفي كل امرأة تحمل بعد يأس، وفي كل خسارة أقول لنفسي: «وقتي ما حان بعد»، وفي كل انتصار أشكر الله وأذكر دعاءها.
كانت مدرسة حياة كاملة. علمتني أن البركة لا تكون في المال أو المنصب، بل في اليد التي تدعو، والقلب الذي يتوكل، واللسان الذي لا يملّ من ذكر الله، وفي الأرض التي فلحتها بصبر وقوة قرابة ستين سنة.
يا جدتي حمدة.. إن كان للجنة باب من بركة يديك، فأنتِ الآن في أوسعها بإذن الله. وإن كان للدعاء جناحان، فدعاؤكِ ما زال يرفرف فوق رؤوسنا وأولادي. اللهم ارحمها رحمة واسعة، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة، واجمعنا بها في الفردوس الأعلى. آمين.
حفيدها “المُفضل” عادل معزب
الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس وجهة نظر الموقع



