من الجزائر إلى السودان والصومال واليمن وليبيا.. لماذا تتزايد الخلافات حول دور الإمارات الإقليمي؟

دخلت العلاقات الجزائرية الإماراتية مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعدما أعلنت الجزائر، اليوم الخميس، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع أبوظبي، في خطوة تعكس وصول الخلاف بين البلدين إلى نقطة القطيعة بعد أشهر من التوتر المتصاعد.
ووفقًا لشبكة CNN فقد قالت وزارة الخارجية الجزائرية إن القرار جاء بعد «استنفاد جميع السبل» للحفاظ على العلاقات الثنائية، متهمة الإمارات بارتكاب «تصرفات استفزازية أو عدائية» قالت إنها تجاوزت حدود ما يمكن قبوله في العلاقات بين دولتين ذاتي سيادة.
ولم تكشف الجزائر في بيانها عن طبيعة هذه التصرفات بالتحديد، لكنها قالت إنها وجهت إلى الجانب الإماراتي تحذيرات متكررة بشأن العواقب التي يمكن أن تترتب على هذه السياسات.
وبموجب القرار، استُدعي السفير الإماراتي إلى مقر وزارة الخارجية الجزائرية وأُبلغ رسميًا بقرار قطع العلاقات، مع منحه مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد.
قطيعة وتصعيد كبير
ويمثل القرار تصعيدًا كبيرًا في مسار الخلاف بين البلدين، بعدما شهدت الأشهر الماضية توترًا متزايدًا، من بينها إعلان الجزائر في فبراير الماضي بدء إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات.
كما سبق للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن وجه في مناسبات مختلفة انتقادات إلى الإمارات واتهمها بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر.
وتتجاوز خلفية الخلاف العلاقات الثنائية المباشرة إلى اختلافات أوسع بشأن ملفات إقليمية، أبرزها قضية الصحراء الغربية، والموقف من التطورات في منطقة الساحل، إلى جانب التباين في المواقف من إسرائيل؛ إذ تتمسك الجزائر بموقف أكثر تشددًا تجاه التطبيع، بينما أقامت الإمارات علاقات دبلوماسية مع إسرائيل عام 2020.
تعليق إماراتي
في المقابل، لم يصدر في أعقاب القرار الجزائري رد إماراتي يشرح بالتفصيل الاتهامات التي طرحتها الجزائر، لكن أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، نشر تعليقًا على منصة «إكس» بدا أنه يتناول الأزمة من دون تسمية الجزائر.
وقال قرقاش إن العلاقات الدبلوماسية «تُدار بالعقل والتواصل ووضوح المصالح»، منتقدًا ما وصفه بـ«الألغاز والإشارات التي تحتاج إلى فك الشفرات»، ومعتبرًا أن العلاقات لا ينبغي أن تكون رهينة «احتقان داخلي أو عجز عن شرح المصالح وتحديد الأولويات».
وأضاف أن «الغموض ليس سياسة والضجيج لا يعوض غياب الرؤية»، مؤكدًا أن الدبلوماسية الناجحة تقوم على وضوح المواقف وحسن إدارة المصالح والاختلافات.
ويعكس هذا الرد جانبًا أساسيًا من الخطاب الإماراتي في مواجهة الانتقادات الإقليمية خلال السنوات الماضية: التأكيد على أن أبوظبي تتعامل مع ملفات المنطقة انطلاقًا من مصالحها الأمنية والاقتصادية، وأن ما يوجه إليها من اتهامات بالتدخل أو زعزعة الاستقرار غالبًا ما يكون، بحسب الرواية الإماراتية، مبنيًا على استنتاجات أو معلومات غير دقيقة.
لكن الأزمة الجزائرية تكتسب أهمية خاصة لأنها تأتي بعد سلسلة من الأزمات التي وجدت فيها الإمارات نفسها في مواجهة اتهامات مشابهة من حكومات وأطراف سياسية في دول أخرى.
السودان.. الاتهام الأكثر حدة
يعد السودان أحد أبرز الملفات التي تعرضت فيها الإمارات لاتهامات مباشرة بالمساهمة في الصراع الداخلي. ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، اتهمت الحكومة السودانية أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع بالأسلحة والتمويل، وهي اتهامات نفتها الإمارات مرارًا.
وتصاعد الخلاف إلى المستوى القانوني عندما رفعت السودان دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد الإمارات، متهمة إياها بالتواطؤ في انتهاكات مرتبطة بالحرب، فيما رفضت أبوظبي الاتهامات وقالت إنها بلا أساس.
وفي مايو 2025، رفضت محكمة العدل الدولية طلب السودان باتخاذ تدابير مؤقتة وأمرت بإزالة القضية من قائمتها بسبب عدم اختصاص المحكمة بالنظر فيها.
وهذه النقطة مهمة؛ فالقرار لم يكن حكمًا موضوعيًا يثبت أو ينفي بصورة نهائية الاتهامات المتعلقة بدور الإمارات في الحرب، وإنما استند إلى مسألة الاختصاص القضائي.
وفي المقابل، ظلت تقارير دولية وأممية تتحدث عن شبكات إمداد خارجية ساهمت في استمرار الحرب.
وفي تقرير صدر مطلع سبتمبر 2026، قالت بعثة تقصي حقائق تابعة للأمم المتحدة إن تحقيقاتها وجدت أسبابًا للاعتقاد بوجود شبكة تضم أفرادًا وكيانات في الإمارات وتشاد وليبيا والصومال قدمت لقوات الدعم السريع أسلحة ومعدات ودعمًا لوجستيًا وتدريبًا وأفرادًا أجانب. ونقلت رويترز أن الإمارات كررت نفيها تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع.
وفي مايو 2026، اتهمت السلطات السودانية كذلك الإمارات وإثيوبيا بالوقوف وراء هجمات بطائرات مسيرة، وقال الجيش السوداني إنه يمتلك أدلة على أن أربع هجمات انطلقت من الأراضي الإثيوبية باستخدام طائرات زعم أن الإمارات وفرتها. ولم تكن تلك الاتهامات مصحوبة بإقرار إماراتي بها، كما رفضت إثيوبيا الاتهامات ووصفتها بأنها بلا أساس.
وبذلك أصبح السودان أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى صورة الإمارات الخارجية، خصوصًا مع استمرار الحرب وتزايد التقارير عن التدخلات الخارجية.
الصومال.. الموانئ والسيادة والنفوذ في القرن الإفريقي
وفي يناير 2026، انتقل الخلاف مع الإمارات إلى مستوى حاد آخر في الصومال، عندما أعلنت الحكومة الفيدرالية إلغاء جميع الاتفاقيات المبرمة مع أبوظبي، بما في ذلك اتفاقيات مرتبطة بالموانئ والتعاون الأمني والدفاعي.
وقالت مقديشو إن القرار يستهدف حماية سيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها، وشمل ترتيبات مرتبطة بموانئ بربرة وبوصاصو وكيسمايو، إلى جانب اتفاقيات أمنية وعسكرية.
وجاءت الأزمة في سياق شديد التعقيد يتعلق بعلاقة الإمارات بمناطق صومالية تتمتع بدرجات متفاوتة من الحكم الذاتي، وبخاصة أرض الصومال، التي ترتبط بأبوظبي بعلاقات اقتصادية وأمنية وثيقة.
كما ارتبط التصعيد باتهامات صومالية بأن الإمارات تقوض وحدة البلاد وتتعامل مع سلطات وأقاليم بصورة تتجاوز الحكومة المركزية في مقديشو.
وفي خلفية أخرى للأزمة، دخلت قضية أرض الصومال على خط التوتر، خصوصًا بعد الاعتراف الإسرائيلي باستقلالها، وسط تكهنات في الصومال بأن أبوظبي لعبت دورًا في تسهيل هذا المسار، وهي تكهنات لم تقدم بشأنها رواية إماراتية تؤكد هذا الاتهام.
وفي المقابل، لم تتخذ جميع السلطات الصومالية موقفًا موحدًا من قرار مقديشو؛ إذ رفضت إدارات محلية في أرض الصومال وبونتلاند وجوبالاند قرار الحكومة الفيدرالية، وأعلنت تمسكها بعلاقاتها مع الإمارات. كما أكدت شركة «دي بي ورلد» الإماراتية استمرار عملياتها في ميناء بربرة، الذي استثمرت فيه مئات الملايين من الدولارات.
وهنا تظهر إحدى السمات الرئيسية للنفوذ الإماراتي في المنطقة: الاستثمار الاقتصادي في الموانئ والبنية التحتية يتداخل مع التعاون الأمني والحضور السياسي، وهو ما يجعل الشراكات الاقتصادية نفسها جزءًا من الحسابات الجيوسياسية للدول المضيفة.
اليمن.. خلاف داخل المعسكر المناهض للحوثيين
أما اليمن، فيقدم نموذجًا مختلفًا، لأن الخلاف لم يكن فقط بين الإمارات وحكومة يمنية، بل تطور أيضًا إلى توترات داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
وتدعم الإمارات منذ سنوات المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يدفع باتجاه استقلال جنوب اليمن، في حين دعمت السعودية الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
وفي يناير 2026، تصاعد الخلاف بصورة كبيرة بعدما اتهم التحالف الذي تقوده السعودية الإمارات بمساعدة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي على مغادرة اليمن، في تطور كشف عمق التباين بين أبوظبي والرياض بشأن مستقبل اليمن.
وأصبح هذا الخلاف أكثر حساسية بسبب التطورات العسكرية في جنوب اليمن، وصولًا إلى تحركات دفعت السعودية إلى اعتبار تقدم القوات الانفصالية تهديدًا لأمنها القومي.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل الأزمة اليمنية عن التنافس الأوسع على الموانئ والممرات البحرية في خليج عدن والبحر الأحمر، وهي منطقة تتمتع بأهمية استراتيجية هائلة بالنسبة للإمارات بسبب تجارتها وموانئها وشبكاتها اللوجستية.
ومع التصعيد الحالي بين السعودية والحوثيين، أصبح الملف اليمني أكثر تعقيدًا، خصوصًا بعدما سيطر الحوثيون في سبتمبر 2026 على مدينة المخا وتقدموا باتجاه جزر حنيش بالقرب من باب المندب، ما أعاد ملف أمن الملاحة إلى صدارة الحسابات الإقليمية.
ليبيا.. دعم حفتر واتهامات التدخل العسكري
في ليبيا، ارتبط اسم الإمارات لسنوات بدعم قوات خليفة حفتر في شرق البلاد خلال الحرب الأهلية، في مقابل دعم تركيا لحكومة طرابلس.
وكان الصراع الليبي أحد أبرز الأمثلة على تحول المنافسة الإقليمية إلى دعم أطراف محلية مسلحة، وهو ما ساهم في تدويل الحرب.
وتشير تقارير حديثة إلى استمرار امتلاك قوات حفتر قدرات عسكرية متطورة رغم الحظر الأممي على الأسلحة، وإن كان من غير الممكن إثبات أن المعدات الجديدة وصلت مباشرة من الإمارات في كل حالة. وذكرت رويترز أن الإمارات ومصر وروسيا دعمت حفتر خلال مراحل الحرب السابقة، بينما دعمت تركيا حكومة طرابلس.
وبالنسبة إلى الإمارات، فإن سياستها في ليبيا كانت تُقدَّم باعتبارها جزءًا من مواجهة الجماعات المسلحة والإسلام السياسي وحماية الاستقرار، بينما رأى خصومها أن هذا الدعم ساهم في إطالة أمد الصراع وتقويض المسار السياسي.
من أين جاء هذا النفوذ الإماراتي؟
يصعب فهم هذه الأزمات منفصلة عن التحول الذي طرأ على السياسة الخارجية الإماراتية خلال العقد ونصف العقد الماضي.
فالإمارات لم تعد تكتفي بالدبلوماسية التقليدية، وإنما بنت شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والأمنية والعسكرية في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي وشمال إفريقيا، مع تركيز خاص على الموانئ والممرات البحرية ومكافحة الجماعات الإسلامية المسلحة ومواجهة النفوذ الإيراني والتركي.
وفي إفريقيا على وجه الخصوص، أصبح الوجود الإماراتي يمتد من الاستثمار في الموانئ والطاقة والزراعة إلى التعاون الأمني ودعم أطراف سياسية ومحلية مختلفة.
وهناك دراسة لمؤسسة «شتيتونج فيسينشافت أوند بوليتيك» الألمانية، نُشرت في مايو 2026، اعتبرت الإمارات أحد أكثر الأطراف الخارجية نشاطًا في النزاعات الإفريقية، وركزت على أدوارها في إثيوبيا وليبيا والصومال والسودان، بينما خلصت إلى أن أبوظبي تنفي دعم الأطراف المتحاربة. وهذه رؤية بحثية انتقادية وليست حكمًا دوليًا ملزمًا.
الإمارات تنفي الاتهامات
في المقابل، ترفض الإمارات الصورة التي تقدمها بعض الحكومات والجهات الدولية عن سياستها الخارجية. وفي الملف السوداني تحديدًا، قالت وزارة الخارجية الإماراتية أمام محكمة العدل الدولية إن الاتهامات الموجهة إليها لا تستند إلى أدلة موثوقة، واعتبرت القضية محاولة سياسية لصرف الانتباه عن مسؤوليات الأطراف السودانية في الحرب.
وبعد قرار محكمة العدل الدولية في مايو 2025، رحبت أبوظبي بالحكم واعتبرته رفضًا للادعاءات السودانية، بينما أكدت المحكمة في قرارها أن سبب إزالة القضية من القائمة هو عدم اختصاصها، وهو ما يجعل التوصيف الإماراتي للقرار باعتباره «رفضًا للاتهامات» بحاجة إلى وضعه في إطاره القانوني الدقيق.
كما تنفي الإمارات باستمرار تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وتقول إن سياستها تجاه السودان تقوم على وقف الحرب والتوصل إلى حل سياسي وتسهيل المساعدات الإنسانية.
وفي ملفات أخرى، تؤكد أبوظبي أن وجودها في القرن الإفريقي يقوم على التعاون الاقتصادي والأمني ومكافحة الإرهاب وتأمين طرق التجارة، وليس على تقويض سيادة الدول.
مفارقة الجزائر: أزمة جديدة رغم سياسة الانفتاح
وتأتي القطيعة الجزائرية في توقيت لافت؛ فالإمارات تسعى في الوقت نفسه إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية والاستثمارية عالميًا، وتقديم نفسها بوصفها قوة دبلوماسية واقتصادية قادرة على لعب أدوار الوساطة وخفض التصعيد.
لكن اتساع نطاق الخلافات حول دورها الإقليمي يضع هذه الصورة أمام اختبار صعب. فالجزائر تتحدث عن تدخلات وتصرفات «استفزازية أو عدائية»، والصومال تحدث عن انتهاك للسيادة والوحدة الوطنية، والسودان اتهم أبوظبي بدعم أحد طرفي الحرب، بينما كشفت التطورات في اليمن عن خلافات عميقة حول القوى المحلية التي تحظى بالدعم.
وفي المقابل، لا تتبنى جميع هذه الدول المواقف نفسها تجاه الإمارات، كما أن طبيعة الاتهامات تختلف من ملف إلى آخر، ولا يمكن وضعها جميعًا في خانة واحدة أو اعتبارها أدلة متطابقة على سياسة إماراتية موحدة.
لكن القاسم المشترك بينها هو الجدل حول حدود الدور الإماراتي خارج أراضيها: هل يمثل نفوذًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا مشروعًا لدولة صغيرة ذات مصالح واسعة، أم تحول في بعض الملفات إلى تدخل يفاقم الانقسامات المحلية ويمنح أبوظبي نفوذًا يتجاوز العلاقات الرسمية بين الحكومات؟




