منشور واحد قد يغيّر مصير قضيتك.. ماذا تفعل على السوشيال ميديا بعد حادث سيارة؟
أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر
بث راديو “راديو صوت العرب في أمريكا” حلقة حوارية استضافت فيها الإعلامية ليلى الحسيني، المحامية القديرة الأستاذة جمانة كيروز، المتخصصة في قضايا حوادث السيارات والإصابات والتعويضات، حيث ناقشت الحلقة الأثر القانوني الحاسم لمنصات التواصل الاجتماعي على مطالبات التعويض، وكيف يمكن للمنشورات اليومية العفوية أن تتحول إلى أدلة قانونية تستخدمها شركات التأمين لدحض دعاوى المصابين.
الأثر الرقمي والمطالبات
* أهلاً بكم مستمعي ومتابعي راديو “صوت العرب في أمريكا”. نطرح اليوم موضوعاً غاية في الأهمية، وهو دور وسائل التواصل الاجتماعي بعد حوادث السيارات أو الإصابات الشخصية. لقد أصبحت هذه المنصات جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية؛ نوثق عليها رحلاتنا، ومناسباتنا، وحتى حالتنا النفسية.
ولكن ماذا يحدث عندما يتعرض الشخص لحادث وتنشأ مطالبة مالية ضد شركة التأمين؟ هل تبقى حساباتنا مساحات شخصية آمنة، أم تتحول الصور والتعليقات إلى أدلة قانونية ضامنة أو داحضة لحقوقنا؟ فقد ينشر مصاب صورة يبتسم فيها في حفل ميلاده، بينما يعاني بقية يومه من آلام مبرحة، فكيف نقنع شركة التأمين بأنه يتألم فعلياً؟ وهل يحق للشركة استخدام تلك الصورة للادعاء بسلامته؟ نناقش هذا بالتفصيل مع المحامية القديرة الأستاذة جمانة كيروز. أهلاً بكِ معنا.
** أهلاً بكِ يا ليلى، وبالمستمعين الكرام. بالفعل، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من تفاصيل حياتنا اليومية.
* عندما يطالب الشخص بتعويضات إثر تعرضه لحادث أو إصابة عمل، كيف تقيم الجهات المعنية مدى تضرره الفعلي؟
** عندما يتقدم المصاب بطلب للحصول على تعويضات مادية أو يرفع دعوى “عطل وضرر” ضد المسؤول عن الإهمال الذي تسبب في إصابته، تقوم شركات التأمين والجهات المعنية بتقييم حالته الصحية من جانبين: الجانب الأول هو الملف الطبي للمريض قبل الحادث وبعده لرصد التطورات والمضاعفات.
أما الجانب الثاني فهو فحص ما يُعرف بـ “الأثر الرقمي” (Digital Footprint) المتاح على الإنترنت، وهو أوسع بكثير من منصات “فيسبوك” أو “تيك توك” أو “إنستغرام”؛ إذ يمتد ليشمل تطبيقات أخرى مثل “فينمو” (Venmo) للدفع الإلكتروني، حيث يستطيع أي شخص الاطلاع على معاملاتك المالية وجهات الدفع وتفاصيلها إذا لم تكن إعدادات حسابك مضبوطة على وضع الخصوصية.
النصيحة القانونية الأولى
* ما هي النصيحة الأساسية والأولى التي تقدمينها للمصاب بشأن حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي بعد الحادث مباشرة؟
** القاعدة الذهبية والأساسية لسلامة القضية هي إغلاق جميع حسابات التواصل الاجتماعي تماماً فور وقوع الحادث. فشركات التأمين تبحث في الإشارات (Tags) القديمة والجديدة على حد سواء، ومحاولة تفسير هذه المنشورات والرد عليها تضع المصاب في دوامة وتفسيرات هو في غنى عنها. أما إذا أصر الشخص على إبقاء حساباته مفتوحة، فالحد الأدنى المطلوب هو تحويل إعدادات الحساب إلى الوضع الخاص.
الحسابات الخاصة والقانون
* هل يوفر تحويل الحساب إلى الوضع الخاص حماية كاملة وحصانة قانونية للمصاب ضد محققي شركات التأمين؟
** تحويل الحساب إلى خاص يوفر حماية مؤقتة على المدى القريب فقط؛ إذ يحول دون تصفح محققي وموظفي شركات التأمين للحساب بشكل روتيني وسريع في البداية. ولكن على المدى البعيد، وبمجرد رفع دعوى قضائية، يحق لشركات التأمين تقديم طلب للقاضي لاستصدار أمر استدعاء قانوني يُلزم بفتح الحساب والاطلاع على محتوياته كاملة. لذا، لا وجود لحصانة قانونية مطلقة لمجرد كون الحساب خاصاً.
مخاطر حذف المنشورات
* قد يلجأ البعض إلى حذف بعض الصور أو التعليقات التي يخشون أن تُفهم بشكل خاطئ. فما رأيكِ في هذا التصرف؟ وهل يختلف الوضع القانوني إذا تم الحذف قبل رفع الدعوى أو بعدها؟
** لا يختلف الوضع مطلقاً، وحذف المحتوى تصرف غاية في الخطورة والضرر بالقضية. هناك قضية شهيرة جداً في الأوساط القانونية من ولاية فرجينيا عُرفت باسم “ليستر ضد شركة لايت كونكريت” (Lester v. Allied Concrete Co.)، حيث فرضت المحكمة عقوبة مالية قدرها 180,000 دولار على المصاب، و52,000 دولار على محاميه، لمجرد أن المصاب قام بحذف صور من حسابه على فيسبوك بتوجيه من محاميه بعد وقوع الحادث.
حذف أي صور أو عبارات تتعلق بالنشاط أو الوضع الصحي بعد الحادث يفسر على أنه محاولة لإخفاء الأدلة، وشركات التأمين قادرة على استعادة حتى الرسائل الخاصة والمنشورات المحذوفة عبر الأوامر القضائية.
الأرشفة كبديل آمن
* إذا كان هناك منشور أو محتوى يسبب إزعاجاً للمصاب ويريد إخفاءه، فما البديل القانوني الصحيح للحذف؟
** النصيحة القانونية التي يجمع عليها المحامون ذوو الخبرة هي استخدام خاصية الأرشفة وتجنب الحذف نهائياً. الأرشفة تتيح إخفاء المنشور عن المتابعين دون مسحه من قواعد البيانات القانونية للحساب؛ فإذا طالبت شركة التأمين لاحقاً بمحتويات الحساب عبر القضاء، ستجده محفوظاً في الأرشيف، وبذلك يتجنب المصاب تهمة تدمير الأدلة أو الاحتيال القانوني.
مخاطر الإشارات والوسوم
* لنتخيل مثالاً واقعياً: مصاب يدعي معاناته من آلام مبرحة في الظهر تمنعه من الحركة، ثم ينشر أحد أقاربه صورة له وهو يبتسم واقفاً في حفل زفاف. هل تكفي صورة واحدة أو مقطع فيديو قصير لدحض ادعاءاته وإفشال قضيته؟
** يعتمد ذلك على تفاصيل ومحتوى ما تظهره الصورة أو مقطع الفيديو من نشاط بدني قد يتعارض مع طبيعة الإصابة. ولتفادي الدخول في مثل هذه النزاعات المعقدة، ننصح بشدة بإلغاء تفعيل ميزات الإشارة (Tagging)، وتحديد الموقع الجغرافي (Location/Check-ins)، ليكون المصاب متحكماً بشكل كامل في كل ما يُنشر عنه بعد الإصابة، وهو إجراء قانوني وسليم تماماً ولا تترتب عليه أي عقوبات قضائية كالحذف.
تحقيقات شركات التأمين
* إلى أي مدى تعتمد شركات التأمين اليوم على تحريات وسائل التواصل الاجتماعي، وما الذي تبحث عنه تحديداً؟
** أصبح هذا الإجراء ركيزة أساسية وشائعة جداً؛ فبمجرد رفع القضية، تتضمن طلبات تبادل الأدلة والمستندات ملفات حسابات التواصل الاجتماعي للمصاب. ويبحث محققو شركات التأمين بدقة فائقة عن صور، أو مقاطع فيديو، أو تعليقات، أو إشارات تشكك في صحة الإصابة وتكشف عن أي تناقض في الادعاءات الطبية.
إثبات الاحتيال الرقمي
* هل توجد قضايا واقعية استُخدمت فيها حسابات التواصل الاجتماعي كدليل قاطع على الاحتيال؟
** نعم، هناك قضية شهيرة تعود لعام 2018 وهي قضية “يوسف ضد شركة ستيت فارم” (Yousef v. State Farm). ادعى الشاب يوسف معاناته من آلام متواصلة وحاجته الماسة لخدمات الرعاية المنزلية، لكن شركة التأمين عثرت على منشورات وصور في حسابه على فيسبوك تثبت سفره وممارسته أنشطة خارج الولاية خلال الفترة التي ادعى فيها العجز.
وقضت محكمة الاستئناف بأن المدعي ارتكب احتيالاً صريحاً وألغت دعواه بالكامل، مستندة إلى التناقض الصارخ بين إفادته الرسمية وما نشره بيده على فيسبوك.
تقصي الملاءة المالية
* هل تقتصر هذه التحقيقات الرقمية على قضايا التعويضات وحوادث السير فقط؟
** بالطبع لا؛ فقد استعنت بمحققين مختصين بالأثر الرقمي في قضايا النزاعات المالية والعقارية. ففي إحدى القضايا، ادعى أحد الأطراف إفلاسه التام وعدم قدرته على رد المبالغ المستحقة بموجب العقود المبرمة، ومن خلال تتبع أثره الرقمي وسجلاته العامة والائتمانية ومدوناته على الإنترنت، تمكن المحققون من رسم صورة متكاملة كشفت عن امتلاكه أصولاً وملاءة مالية حقيقية كان يحاول إخفاءها.
القواعد القانونية الذهبية
* في ختام حوارنا اليوم، ما هي الرسالة الختامية والقواعد الذهبية التي تودين توجيهها للجمهور؟
** النصيحة الأولى والأساسية هي إغلاق حسابات التواصل الاجتماعي فوراً بعد الحادث. وفي حال الإبقاء عليها، يجب الامتناع التام عن نشر أي صور أو مقاطع فيديو تظهر نشاطك البدني، وإيقاف ميزات الموقع الجغرافي والإشارات والوسوم، وتعديل خصوصية الحساب إلى الوضع الخاص، والأهم من ذلك كله: عدم حذف أي منشور سابق نهائياً والاعتماد على الأرشفة فقط.
* بالفعل، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي بمعزل عن الواقع القانوني؛ فالمنشور الذي يستغرق ثوانٍ لنشره أو التعليق العفوي قد يتحول إلى دليل يغير مجرى قضية تعويضات بالكامل بعد أشهر أو سنوات. كل الشكر لكِ الأستاذة القديرة جمانة كيروز على هذه النصائح الثمينة والتوعية القانونية الهامة.
** الشكر لكِ يا ليلى، ولكل المستمعين والمتابعين.




