فيديو مضلل يستهدف عبد الرحمن السيد ويزعم تظاهر مسلمين في ميشيغان للمطالبة بتطبيق الشريعة؟
انتشر على نطاق واسع مقطع فيديو زُعم أنه يوثق مظاهرة في مدينة ديربورن بولاية ميشيغان، شارك فيها مسلمون للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وتحول المقطع خلال ساعات إلى مادة سياسية استُخدمت للتحذير مما وصفه ناشروه بـ«أسلمة ميشيغان»، وربطه مباشرة بالمرشح الديمقراطي من أصول عربية عبد الرحمن السيد، في خضم السباق على مقعد مجلس الشيوخ عن الولاية.
وحصد الفيديو ملايين المشاهدات، قبل أن تكشف عملية التحقق من مصدره وسياقه أنه لا علاقة له بمظاهرة سياسية للمطالبة بتطبيق الشريعة، وإنما يوثق فعالية دينية شيعية سنوية في ديربورن لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين.
من أين بدأ الادعاء؟
وفقًا لموقع “الجزيرة نت” فقد بدأ انتشار الرواية على نطاق واسع في 5 أغسطس، عندما نشر حساب باسم «د. معلوف» الفيديو، متسائلًا عن كيفية تصويت أي شخص لعبد الرحمن السيد بعد مشاهدة ما يحدث في ديربورن، ومروّجًا لفكرة أن المدينة تمثل نموذجًا لما يمكن أن تصبح عليه ميشيغان بأكملها.
وحصد المنشور ملايين المشاهدات، قبل أن تنتقل الرواية إلى حسابات أخرى بلغات مختلفة، ثم أعاد نشرها ناشطون وشخصيات معروفة بمواقفها المناهضة للمهاجرين والمسلمين.
وتداول حساب يحمل اسم «vicmies» المقطع باللغة الإسبانية، مرفقًا إياه بادعاء مضلل مفاده أن «مسلمي ميشيغان في الولايات المتحدة يحتفلون بمظاهرة للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية بالكامل»، زاعمًا أنهم أصبحوا يشكلون أغلبية في الولاية، وأن ذلك يمنحهم الحق في المطالبة بذلك.
وذهب الحساب إلى الترويج لرواية تصف الأمر باعتباره جزءًا من نمط متكرر، يبدأ -بحسب زعمه- بالمطالبة بالتسامح، ثم السعي إلى التمثيل، وصولًا إلى محاولة فرض الدين، واصفًا ذلك بأنه نموذج لما سماه «الغزوات الصامتة».
اليمين المتطرف ينشر الادعاء
وأعاد الصحفي الإسباني المعروف بمواقفه اليمينية، خافيير نيغري، نشر المقطع ذاته بعد ترجمته إلى الإنجليزية، ما ساهم في توسيع نطاق انتشاره، إذ حصد المنشور على حسابه نحو مليون مشاهدة.
كما شارك الناشط البريطاني تومي روبنسون، المعروف بمواقفه المناهضة للمهاجرين والمسلمين، المقطع، وعلق على المشاهد بعبارات تحريضية، واصفًا إياها بأنها أشبه بـ«مشاهد من فيلم رعب» زاعمًا أنها جرت في ديربورن.
وقال روبنسون إن ما يظهر في المقطع «ليس طبيعيًا» وإنه «ليس ما تمثله أمريكا»، قبل أن يدعو صراحة إلى ما وصفه بـ«نزع الأسلمة» عن المدينة، في خطاب يعكس تصاعد تداول الادعاءات والمواقف المعادية للمسلمين والمهاجرين عبر حسابات اليمين المتطرف.
شخصيات سياسية تنشر الادعاء
وسرعان ما وصل الادعاء إلى شخصيات سياسية أمريكية، من بينها أعضاء في الكونغرس، استخدموا الفيديو في انتقادات حادة للمسلمين والهجرة، وهو ما منح الرواية المضللة انتشارًا أكبر.
ونشر عضو الكونغرس الجمهوري راندي فاين تعليقات هاجم فيها ما وصفه بالهجرة والتسامح مع الأجانب، بينما نشرت النائبة الجمهورية نانسي ميس تعليقًا استخدمت فيه الفيديو للقول إن المشاهد التي تظهر في ديربورن تحدث داخل الولايات المتحدة، وليس في دول أخرى.
وفي الإطار نفسه، نشرت النائبة الجمهورية عن ولاية ساوث كارولينا نانسي ميس تعليقا استخدمت فيه لغة حادة، مؤكدة أن ما يظهر في المقطع هو “ديربورن، ميشيغان.. وليست أفغانستان، ولا الصومال، ولا إيران، ولا فلسطين، ولا العراق”، بل هي “أمريكا”، متسائلة بلهجة غاضبة عما يجري هناك.
وساعد هذا الانتقال من حسابات التواصل الاجتماعي إلى شخصيات سياسية بارزة على منح الادعاء المضلل مظهرًا من المصداقية لدى قطاعات من الجمهور، رغم أن مضمون الفيديو لا يدعم الرواية التي أُرفقت به.
حقيقة الفيديو
يظهر في المقطع حشد كبير من النساء والأطفال يرتدون ملابس فضفاضة، إلى جانب أعلام ولافتات دينية. وعندما تتبعت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة أصل المقطع، وتبين أنه نُشر على حساب “tears_of_rukaya” على إنستغرام، إلى جانب مقاطع مشابهة من حسابات أخرى وصفت الحدث بوضوح بأنه “تجمع لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين بمدينة ديربورن بولاية ميشيغان”.
ولم تظهر المراجعة البصرية للمقطع أي شعارات أو لافتات تطالب بتطبيق “الشريعة” أو ما شابهها من مطالب سياسية، وهو ما يتناقض مع الرواية التي روجت لها الحسابات المتداولة للمقطع.
كما أن الأعلام الظاهرة في المقطع تحمل عبارات دينية مرتبطة بالإمام الحسين وأهل البيت، وليست شعارات سياسية أو دعوات إلى فرض نظام ديني على المدينة.
فعالية سنوية وليست مظاهرة سياسية
وأظهر البحث في الأرشيف أن الفعالية التي ظهر منها الفيديو ليست تجمعًا مستحدثًا، وإنما مناسبة دينية سنوية تقام في ديربورن منذ عام 2004، وسبق توثيق فعاليات مماثلة لها في أعوام سابقة تطابق سياق وطبيعة المقطع المتداول، من دون أي اختلافات جوهرية.
كما نشرت وسائل إعلام أمريكية تغطيات لهذه المسيرات، التي يشارك فيها آلاف الأشخاص لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين والتعبير عن قيم العدالة والتضامن والكرامة الإنسانية.
وشهدت فعاليات مرتبطة بالمناسبة مشاركة مسؤولين محليين، من بينهم عمدة ديربورن عبد الله حمود، إلى جانب تأمين الشرطة لحركة المرور وتنظيم الحشود.
وبحسب حمود، يشارك آلاف الأشخاص في المسيرة لإحياء ذكرى الإمام الحسين والتعبير عن التضامن مع المظلومين والدفاع عن كرامة الإنسان، وليس للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية أو فرضها على المدينة، كما زعمت المنشورات المتداولة.
فعالية بترخيص رسمي
وتؤكد وثائق مجلس مدينة ديربورن أن المناسبة كانت مرخصة رسميًا. ففي جلسة للمجلس عقدت في 14 يوليو 2026، وافق الأعضاء بالإجماع على منح مركز كربلاء الإسلامي التعليمي تصريحًا لتنظيم فعالياته السنوية، مع تكليف شرطة المدينة بتأمين حركة المرور وتنظيم الحشود، وإلزام الجهة المنظمة بالاشتراطات الخاصة بالخدمات البلدية.
ويؤكد ذلك أن الفعالية كانت معروفة للسلطات المحلية ومنظمة وفق الإجراءات القانونية، وليست تجمعًا سريًا أو تحركًا يهدف إلى فرض نظام ديني على المدينة.
استخدام الفيديو ضد عبد الرحمن السيد
اللافت أن انتشار الفيديو تزامن مع تصاعد المنافسة الانتخابية في ميشيغان، حيث يخوض عبد الرحمن السيد السباق الديمقراطي على مقعد مجلس الشيوخ.
وربطت حسابات سياسية الفيديو بالمرشح بصورة مباشرة، مستخدمة عبارات تحذر من أن تصبح ميشيغان مثل ديربورن إذا وصل السيد إلى مجلس الشيوخ، في محاولة لتحويل مناسبة دينية محلية إلى قضية انتخابية تتعلق بالهوية والدين والهجرة.
كما أعيد نشر الفيديو على نطاق واسع من جانب حسابات وشخصيات تتبنى خطابًا معاديًا للمسلمين والمهاجرين، ما ساعد على تحويل ادعاء غير صحيح إلى جزء من سجال سياسي أوسع.
عبد الرحمن السيد والفعالية
وزاد الربط السياسي للمقطع بسبب وجود فيديو آخر يظهر عبد الرحمن السيد داخل مركز كربلاء الإسلامي، الجهة المنظمة للفعالية، حيث تحدث أمام أفراد من الجالية عن حملته وبرنامجه الانتخابي.
لكن وجود مرشح سياسي في فعالية دينية أو لقاء مع أفراد من جالية معينة لا يحول المناسبة إلى مظاهرة للمطالبة بتطبيق الشريعة، كما أن المقطع المتداول نفسه لا يتضمن أي دليل على وجود مثل هذه المطالب.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الربط بين الفيديو وعبد الرحمن السيد جاء في سياق سياسي وانتخابي، وليس بناءً على مضمون حقيقي للمقطع.
لماذا أصبحت ديربورن محورًا لهذا الخطاب؟
تجاهلت المنشورات المتداولة في تصويرها للمشهد حقيقة التركيبة السكانية لولاية ميشيغان التي تحتضن أكبر جالية إسلامية وعربية في الولايات المتحدة، يتركز أغلبها في مدينة ديربورن.
وبحسب بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي، كانت ميشيغان في تعداد 2020 واحدة من ثلاث ولايات أمريكية تضم أكثر من 300 ألف شخص من أصول شرق أوسطية وشمال أفريقية، بينما بلغ عدد من عرّفوا أنفسهم بهذه الأصول في مقاطعة واين نحو 140 ألف شخص.
وكان اللبنانيون والعراقيون من أبرز المجموعات ذات الأصول الشرق أوسطية وشمال أفريقية في الولاية؛ إذ شكل اللبنانيون 22% من السكان الذين عرفوا أنفسهم من هذه الأصول، بينما شكل العراقيون نحو 15%.
وتجعل هذه التركيبة السكانية ديربورن هدفًا متكررًا في الخطاب السياسي المرتبط بالهجرة والإسلام، خصوصًا خلال الانتخابات التي يشارك فيها مرشحون من أصول عربية أو مسلمة.
توظيف انتخابي
الخلاصة أن عملية التحقق تُظهر أن الفيديو المتداول لا يوثق مظاهرة في ديربورن للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، وإنما يصور فعالية دينية شيعية سنوية لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين، وهي فعالية معروفة ومرخصة رسميًا من السلطات المحلية.
كما لا تظهر في المقاطع الأصلية شعارات أو مطالب سياسية تدعو إلى تغيير القوانين الأمريكية أو فرض الشريعة على المدينة.
ويبدو أن أهمية الفيديو في الجدل الحالي لا ترتبط بمحتواه الحقيقي، وإنما بالطريقة التي جرى بها توظيفه في الخطاب الانتخابي ضد عبد الرحمن السيد، وتحويل مشهد ديني محلي إلى مادة للتحريض على المسلمين والهجرة، بالتزامن مع واحدة من أكثر المنافسات السياسية حساسية في ميشيغان.




