أخبارأخبار العالم العربيتقارير

غوتيريش من دمشق: الأمم المتحدة تقف إلى جانب سوريا وتدعو العالم لدعم تعافيها واحترام سيادتها

موقف حازم من الجولان وانتهاكات إسرائيل.. وسوريا تنتقل إلى موقع الشريك الدولي الفاعل

في أول زيارة لأمين عام للأمم المتحدة إلى سوريا منذ عام 2009، وجّه أنطونيو غوتيريش رسائل سياسية وإنسانية لافتة من دمشق، مؤكداً وقوف المنظمة الدولية إلى جانب الشعب السوري في مرحلة وصفها بـ”المفصلية”.

ودعا غوتيريش المجتمع الدولي إلى مضاعفة الدعم لجهود التعافي وإعادة الإعمار، مع التشديد على احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها ووقف جميع الانتهاكات الإسرائيلية.

كما حملت الزيارة مؤشرات على انتقال العلاقة بين دمشق والأمم المتحدة إلى مرحلة جديدة تركز على التنمية والاستثمار بعد سنوات من التركيز على الإغاثة والاستجابة الإنسانية.

زيارة تاريخية

كان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد وصل إلى دمشق في زيارة هي الأولى له إلى سوريا منذ توليه منصبه عام 2017، والأولى لأمين عام للأمم المتحدة إلى البلاد منذ زيارة بان كي مون عام 2009.

وفي أول تعليق له عقب وصوله، كتب غوتيريش عبر حسابه على منصة “إكس”: “وصلت للتو إلى دمشق في زيارة تضامنية. الأمم المتحدة تقف مع سوريا في هذه اللحظة المفصلية”، موجهاً نداءً إلى المجتمع الدولي بـ”ألا يدخر أي جهد لدعم الشعب السوري”.

وشملت الزيارة لقاءً مع الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني وعدد من المسؤولين.

حيث ناقش الجانبان سبل تعزيز التعاون بين سوريا والأمم المتحدة في مجالات التعافي المبكر وإعادة الإعمار، إلى جانب التأكيد على احترام سيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها.

إشادة بصمود السوريين

خلال مؤتمره الصحفي مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني استعاد غوتيريش ذكرياته مع السوريين قبل توليه منصب الأمين العام، عندما كان مفوضاً سامياً لشؤون اللاجئين، مؤكداً أنه شهد عن قرب معاناة السوريين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم، كما شهد في وقت سابق استقبال سوريا للاجئين العراقيين.

وأوضح أنه اتخذ قراراً بعدم زيارة سوريا منذ اندلاع الأحداث عام 2011 وحتى سقوط النظام السابق، معتبراً أن وجوده اليوم يحمل دلالة شخصية وإنسانية عميقة.

وقال إن الشعب السوري تحمل سنوات طويلة من المعاناة، لكنه حافظ على ما يميزه من المرونة والصمود والابتكار والإبداع والإحساس العميق بالانتماء، مؤكداً أن هذه الصفات تمنح البلاد فرصة حقيقية لبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

وأضاف أن نجاح هذه المرحلة يتطلب قيادة ورؤية وثقة، وأن يشعر كل سوري بأنه شريك في مستقبل بلاده، مشدداً على أن بناء المؤسسات وصياغة مستقبل سوريا مسؤولية السوريين أنفسهم، فيما يتمثل دور الأمم المتحدة في مرافقة هذا المسار ودعمه.

مرحلة تعافٍ واستثمار

وصف الأمين العام للأمم المتحدة المرحلة الحالية في سوريا بأنها مرحلة تعافٍ واستثمار في آن واحد، مؤكداً أن سوريا تمثل اليوم “عموداً للاستقرار في المنطقة”، وأن دعمها يصب في مصلحة الأمن الإقليمي بأكمله.

وأشار إلى أنه لا توجد دولة خرجت من نزاع واسع النطاق تستطيع إعادة بناء نفسها بمفردها، داعياً المجتمع الدولي ومؤسسات التمويل الدولية إلى توفير الدعم اللازم لإعادة بناء البنية التحتية، وتوسيع فرص العمل والاستثمار، وتعزيز سبل العيش بما يسمح بعودة اللاجئين بصورة طوعية وآمنة وكريمة.

وأكد أن المرحلة الراهنة يجب أن تشهد انتقال الدعم الدولي من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى الاستثمار في التنمية والتعافي الاقتصادي، بما يتيح لسوريا استعادة ارتباطها بالاقتصادين الإقليمي والدولي.

كما شدد على أن الأمم المتحدة لا تمتلك أجندة خاصة في سوريا، موضحاً أن أجندتها تنطلق من أولويات الحكومة السورية والشعب السوري، مع التركيز على دعم الاستقلال والسيادة ووحدة الأراضي.

الجولان والانتهاكات الإسرائيلية

حملت تصريحات غوتيريش موقفاً واضحاً تجاه التطورات في الجنوب السوري، إذ أكد أن أي انتهاك للأراضي السورية غير مقبول ويجب أن يتوقف.

وشدد على أن ما يجري في محيط الجولان السوري المحتل يمثل انتهاكاً خطيراً لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، مجدداً التأكيد على أن الجولان أرض سورية وفق قرارات الشرعية الدولية، ومطالباً بوقف جميع الانتهاكات الإسرائيلية واحترام القانون الدولي.

كما أكد أن الأمم المتحدة تعترف بحق السوريين الكامل في أراضيهم وحقوقهم، قائلاً إن ما هو للشعب السوري يجب أن يبقى له ولا يجوز انتزاعه منه.

مرحلة جديدة من الشراكة

من جانبه، وصف وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني الزيارة بأنها الأولى منذ 17 عاماً، معتبراً أنها تتجاوز الطابع البروتوكولي لتعلن انتقال سوريا إلى موقع “الشريك الفاعل” داخل الأمم المتحدة.

وأوضح أن اللقاءات مع غوتيريش تناولت إعداد خطة تعافٍ مشتركة بين سوريا والأمم المتحدة، من المتوقع توقيعها خلال الأشهر المقبلة، إلى جانب تنسيق جهود وكالات الأمم المتحدة لدعم مشاريع إعادة الإعمار، والاستثمار في البنية التحتية، وإنجاح المبادرات الوطنية الخاصة بمرحلة التعافي.

وأشار الشيباني إلى أن الأولوية خلال المرحلة المقبلة تتمثل في إعادة بناء الاقتصاد السوري، والانتقال من مرحلة الإغاثة المؤقتة إلى التنمية المستدامة، عبر توفير بيئة تشريعية جاذبة للاستثمار وإزالة العقبات أمام تدفق الاستثمارات.

مواقف أممية داعمة منذ 2024

تأتي زيارة غوتيريش لسوريا امتداداً لسلسلة من المواقف التي أعلنها منذ نهاية عام 2024، والتي أكد خلالها باستمرار أن الأمم المتحدة تقف إلى جانب الشعب السوري، وتدعم جهود بناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار.

وكان الأمين العام قد دعا في مناسبات عدة إلى تهيئة الظروف اللازمة لعودة اللاجئين والنازحين بصورة آمنة وكريمة، مؤكداً أن إعادة إعمار سوريا وتعافيها تتطلب دعماً دولياً واسعاً، وأن نجاح هذا المسار لن يكون مصلحة سورية فحسب، بل سيعزز استقرار المنطقة بأسرها.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 1.7 مليون لاجئ و1.9 مليون نازح داخلي عادوا إلى مناطقهم منذ ديسمبر 2024، في مؤشر على تحسن الظروف تدريجياً، وهو ما تعتبره المنظمة فرصة تستوجب تعزيز الاستثمار في إعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية.

محطة مفصلية

ينظر إلى زيارة غوتيريش باعتبارها محطة مفصلية في مسار العلاقة بين سوريا والأمم المتحدة، إذ تعكس تحولاً في أولويات التعاون من إدارة تداعيات الأزمة الإنسانية إلى دعم التعافي الاقتصادي والتنمية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

كما تعزز الزيارة حضور سوريا على الساحة الدولية، وتؤكد استمرار التزام الأمم المتحدة بمرافقة البلاد في مرحلة إعادة البناء، مع التشديد على احترام سيادتها ووحدة أراضيها، ودعم جهودها لتحقيق الاستقرار والازدهار على المدى الطويل.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى