أخبارأخبار أميركا

وسطاء إقليميون يتحركون لإنقاذ الاتفاق الأمريكي الإيراني.. وجهود مكثفة لمنع الانزلاق إلى حرب شاملة

تكثف عدة دول إقليمية جهودها الدبلوماسية لاحتواء التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران، في محاولة لإنقاذ التفاهمات التي جرى التوصل إليها خلال الأشهر الماضية بشأن البرنامج النووي الإيراني، ومنع انهيار المسار التفاوضي الذي بات مهددًا بعد تبادل الضربات العسكرية الأخيرة بين الجانبين.

وبحسب ما نقله موقع “أكسيوس” عن مصدرين من دول وسيطة ومسؤول أمريكي، تقود قطر وباكستان، إلى جانب تركيا ومصر والسعودية، تحركات مكثفة لإعادة واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات، وسط قناعة لدى الوسطاء بأن الفرصة لا تزال قائمة للتوصل إلى اتفاق، رغم التصعيد العسكري والتوتر المتزايد في منطقة الخليج.

ترامب بين طريقين

وتأتي هذه التحركات في وقت أعلن فيه الرئيس دونالد ترامب، الأربعاء، أن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران ووقف إطلاق النار “انتهيا”، قبل أن يأمر بتنفيذ جولتين من الضربات الجوية ردًا على الهجمات الإيرانية في منطقة مضيق هرمز.

ورغم هذه الخطوات العسكرية، تؤكد مصادر أمريكية أن ترامب لا يزال يفضل تجنب الانزلاق إلى حرب واسعة مع إيران، وأن أولويته تتمثل في ضمان إعادة فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة الدولية، مع الإبقاء على الباب مفتوحًا أمام الحلول السياسية إذا التزمت طهران بتعهداتها.

وترى الإدارة الأمريكية أن استمرار المفاوضات يظل الخيار الأفضل لتجنب مواجهة إقليمية قد تكون لها تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة، خصوصًا على أسواق الطاقة العالمية.

الوسطاء: الاتفاق لم يمت بعد

وبحسب المصادر، يعتقد الوسطاء الإقليميون أن المفاوضات النووية السابقة حققت تقدمًا ملموسًا، وأن التصعيد العسكري الأخير لا يعني بالضرورة انهيار الاتفاق بالكامل، بل يمكن احتواؤه عبر استئناف الاتصالات السياسية والفنية بين الجانبين.

وقال مصدر إقليمي من إحدى الدول المشاركة في الوساطة إن هناك اعتقادًا لدى بعض الوسطاء بأن الهجمات الإيرانية الأخيرة في مضيق هرمز لم تكن انعكاسًا لقرار موحد داخل القيادة الإيرانية، وإنما جاءت نتيجة تحركات من تيار متشدد داخل النظام الإيراني يعارض التفاهمات مع الولايات المتحدة ويسعى إلى إفشالها.

ويضيف هذا التقييم بعدًا داخليًا للأزمة، إذ يشير إلى وجود تباينات داخل المؤسسات الإيرانية بشأن مستقبل العلاقة مع واشنطن، وهو ما قد يفسر التناقض بين استمرار الاتصالات الدبلوماسية والتصعيد العسكري في الوقت نفسه.

مهمة قطر في طهران

وفي أحدث التحركات، أوفدت قطر وفدًا تفاوضيًا إلى إيران، الجمعة، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، لإجراء محادثات مباشرة مع مسؤولين إيرانيين بهدف احتواء الأزمة وتهيئة الأجواء لاستئناف المفاوضات النووية.

وأوضح دبلوماسي مطلع أن الاجتماعات، التي تعقد في مدينة مشهد، لا تزال مستمرة، مشيرًا إلى أن المؤشرات الأولية تفيد بأن الجانبين لا يزالان راغبين في العودة إلى مذكرة التفاهم، رغم التوترات الأخيرة.

ويعكس هذا التحرك استمرار الدور القطري كوسيط رئيسي في الملفات الإقليمية المعقدة، مستفيدًا من علاقاته مع كل من واشنطن وطهران.

اتصالات مكثفة خلف الكواليس

ولم تقتصر جهود الوساطة على قطر، إذ كشفت المصادر أن مسؤولين من قطر وباكستان وتركيا ومصر والسعودية أجروا سلسلة من الاتصالات الهاتفية خلال اليومين الماضيين مع مسؤولين أمريكيين وإيرانيين، في محاولة لاحتواء الموقف ومنع التصعيد من الخروج عن السيطرة.

وفي هذا السياق، أبلغ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير أن الضربات الأمريكية الأخيرة، إلى جانب التصريحات الصادرة عن واشنطن، تمثل انتهاكًا لمذكرة التفاهم بين البلدين، وفق بيان نشره عراقجي عبر قناته الرسمية على تطبيق “تيليجرام”.

في المقابل، أكد مصدر إقليمي مشارك في جهود الوساطة أن الهدف الحالي يتمثل أولًا في التوصل إلى تفاهم متبادل بشأن خفض التصعيد العسكري، تمهيدًا لتحديد موعد جديد لاجتماعات الفرق الفنية المكلفة بمناقشة تفاصيل الاتفاق النووي.

هدوء نسبي بعد يومين من التصعيد

ورغم التوتر الذي شهدته المنطقة خلال اليومين الماضيين، بدا المشهد أكثر هدوءًا، الخميس، مقارنة بالأيام السابقة.

فعلى الرغم من تداول وسائل إعلام إيرانية أنباء عن وقوع انفجارات في جنوب البلاد، أكد مسؤولون أمريكيون أن الجيش الأمريكي لم ينفذ أي ضربات جديدة، معتبرين أن هذا التراجع يعكس نجاحًا أوليًا لجهود الوساطة وخفض التصعيد.

ويرى مراقبون أن امتناع واشنطن عن تنفيذ عمليات عسكرية إضافية قد يمنح الدبلوماسية فرصة لاستعادة زمام المبادرة، خصوصًا إذا أبدت إيران بدورها استعدادًا لوقف الهجمات في مضيق هرمز.

واشنطن: الاتفاق مرهون بسلوك إيران

وعقب اجتماع عقده الرئيس ترامب مع كبار مسؤولي الأمن القومي، الخميس، أكد مسؤول أمريكي أن الإدارة لا تزال ملتزمة بالبحث عن حل دبلوماسي، وأن الاتصالات الفنية المتعلقة بالاتفاق النووي لم تتوقف رغم التصعيد الأخير.

لكنه شدد في الوقت نفسه على أن استمرار مذكرة التفاهم يعتمد على التزام إيران ببنودها، معتبرًا أن استهداف السفن في مضيق هرمز يمثل “أعمالًا إرهابية” وإخلالًا جسيمًا بالتفاهمات القائمة.

وأضاف المسؤول أن الرئيس ترامب كان واضحًا في موقفه، مؤكدًا أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يقترن بتغيير فعلي في سلوكها، وأن واشنطن لن تتهاون مع أي تهديد لحرية الملاحة أو أمن القوات الأمريكية وحلفائها.

هل تنجح الوساطة؟

وتعكس التحركات الدبلوماسية الحالية إدراكًا إقليميًا ودوليًا بأن استمرار التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران قد يقود إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها، خاصة في ظل أهمية مضيق هرمز للاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط المنقولة بحرًا.

كما تكشف عن وجود قناعة لدى الوسطاء بأن قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران لم تُغلق بالكامل، وأن ما تحقق خلال جولات التفاوض السابقة يمكن البناء عليه إذا نجحت جهود خفض التصعيد في احتواء الأزمة.

ويبقى مستقبل الاتفاق النووي مرهونًا بقدرة الوسطاء على إعادة الثقة بين الطرفين، وإقناع كل من الولايات المتحدة وإيران بأن كلفة العودة إلى المواجهة العسكرية ستكون أعلى بكثير من كلفة العودة إلى طاولة المفاوضات، في وقت يترقب فيه العالم ما إذا كانت الدبلوماسية ستنجح في احتواء واحدة من أخطر أزمات الشرق الأوسط، أم أن المنطقة تتجه إلى مرحلة جديدة من التصعيد.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى