أخبارأخبار العالم العربيتقارير

بعد اعتقال مسؤولين وضبط جبال من الدولارات.. هل تنجح حملة إسقاط منظومات الفساد في العراق؟

فريق من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) وصل إلى بغداد للمشاركة في التحقيقات

تحولت حملة مكافحة الفساد التي شهدها العراق خلال الأيام الأخيرة إلى الحدث السياسي والقضائي الأبرز في البلاد، بعدما امتدت لتشمل مسؤولين حاليين وسابقين، ونوابًا، ومديرين عامين، وشخصيات مرتبطة بملفات النفط والاستثمار والمال العام، في تحركات وصفتها الحكومة بأنها «الأوسع والأكثر جرأة منذ عام 2003».

بينما يرى مراقبون أن نجاح الحملة الحقيقي سيقاس بمدى وصولها إلى الرؤوس الكبرى لشبكات الفساد وليس الاكتفاء بالحلقة الثانية من المسؤولين.

وجاءت الحملة التي حملة اسم “صولة الفجر” في وقت تواجه فيه الحكومة العراقية ضغوطًا متزايدة لتحسين الأداء الإداري، واستعادة الأموال المنهوبة، وطمأنة الرأي العام قبل الاستحقاقات السياسية المقبلة، وسط مطالب شعبية بعدم الاكتفاء بالإعلانات الإعلامية وتحويل جميع المتورطين إلى القضاء.

كيف بدأت الحملة؟

لم تنطلق الحملة من قضية واحدة، وإنما جاءت نتيجة تحقيقات متراكمة أجرتها هيئة النزاهة، وجهاز المخابرات، والجهات الرقابية، بإشراف مجلس القضاء الأعلى، لتطال ملفات تتعلق بتهريب النفط، والتلاعب بالعقود الحكومية، وغسل الأموال، واستغلال النفوذ، والإثراء غير المشروع.

وبحسب مصدر لوكالة الأنباء العراقية “واع”، فإن الاعتقالات جاءت استنادًا إلى اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، مشيرًا إلى أن الحملة شملت نوابًا رُفعت عنهم الحصانة ومسؤولين وردت أسماؤهم في التحقيقات.

من هو عدنان الجميلي؟

برز اسم عدنان الجميلي خلال السنوات الماضية كأحد أبرز المسؤولين التنفيذيين في قطاع النفط العراقي، بعدما شغل منصب المدير العام لشركة مصافي الشمال، قبل تعيينه وكيلًا لوزير النفط لشؤون التصفية.

لكن اسمه تحوّل مؤخرًا إلى محور التحقيقات، بعد إعفائه من منصبه واعتقاله ضمن ملف يتعلق بشبهات فساد وهدر في مشاريع نفطية.

وبحسب السلطات القضائية العراقية، أسفرت التحقيقات الأولية عن ضبط أموال وممتلكات تُقدّر بملايين الدولارات، إلى جانب عقارات وسيارات حديثة وذهب وأسلحة، بعضها كان مخبأً بوسائل وصفت بأنها “معقدة”.

وأكد مجلس القضاء الأعلى أن اعترافات الجميلي ساهمت في إصدار أوامر قبض إضافية بحق مسؤولين وشخصيات أخرى يُشتبه بتورطها في القضية.

دور أمريكي في التحقيقات

وفي تطور لافت، كشف مصدر حكومي عراقي أن فريقًا من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) وصل إلى بغداد للمشاركة في تحقيقات تتعلق بملفات فساد وغسل أموال وتضخم ثروات.

وبحسب المصدر، فإن التحقيقات تشمل مسؤولين يُشتبه بارتباطهم بتمويل فصائل مسلحة، إضافة إلى شبهات تتعلق بتهريب أموال وعقارات وحسابات مصرفية خارج العراق.

وأشار المصدر إلى أن هذا الفريق هو الثاني الذي يصل إلى بغداد خلال أسبوع واحد، في إطار تعاون بين بغداد وواشنطن في ملفات الفساد واسترداد الأموال العامة.

اعتقالات داخل المنطقة الخضراء

وأثارت الأنباء الخاصة بتنفيذ أوامر اعتقال بحق عدد من المسؤولين والنواب داخل المنطقة الخضراء اهتمامًا واسعًا في العراق، باعتبارها منطقة تضم أهم المؤسسات الحكومية والسيادية.

وتحدثت وسائل إعلام عراقية عن توقيف مجموعة من الشخصيات السياسية والإدارية، فيما أكدت هيئة النزاهة أن أوامر القبض جاءت بعد استكمال ملفات تحقيقية مرتبطة بقضايا فساد مالي وإداري، دون الإعلان في البداية عن جميع الأسماء حفاظًا على سير التحقيقات.

ولاحقًا تداولت وسائل إعلام عراقية وعربية قوائم بأسماء مسؤولين ونواب خضعوا للتحقيق أو صدرت بحقهم أوامر قبض، إلا أن السلطات شددت على ضرورة التفريق بين من صدرت بحقهم أوامر توقيف، ومن لا يزالون قيد التحقيق أو الاستدعاء.

ووفقًا لموقع “العربية” فقد أعلنت السلطات العراقية اعتقال 47 متهما من النواب والمسؤولين بتهم فساد، فيما أوضح مراسل العربية أن تهم الفساد تم توجيهها لـ 120 شخصاً حتى الآن. وأكد أن من بين هؤلاء نوابا ومسؤولين عراقيين، وتجارا ورجال أعمال وسماسرة.

من هم أبرز المعتقلين؟

وفق تقارير أمنية وتسريبات إعلامية، شملت أوامر القبض عددًا من الشخصيات السياسية البارزة، بينهم رئيس تحالف العزم مثنى السامرائي، وعدد من النواب الحاليين والسابقين، إضافة إلى رجال أعمال ومسؤولين حكوميين.

كما أفادت تقارير بأن سبعة أشخاص اعتُقلوا، من بينهم خمسة أعضاء في البرلمان، بعضهم ينتمي إلى التكتل السياسي المرتبط برئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.

وفي موازاة ذلك، أشار مصدر من “الإطار التنسيقي” إلى أن المداهمات طالت مقرات داخل وخارج المنطقة الخضراء، وأسفرت عن اعتقال أكثر من 12 شخصية بموجب أوامر قضائية مرتبطة باعترافات عدنان الجميلي.

ملايين ومليارات وكيل وزارة النفط

يعد ملف تهريب النفط أحد أخطر ملفات الفساد في العراق، نظراً لما يمثله النفط من المصدر الرئيسي للإيرادات العامة. وخلال الأيام الماضية أعلنت السلطات توقيف مسؤولين يشتبه في تورطهم في تسهيل عمليات تهريب المشتقات النفطية، فيما أشارت تقارير إعلامية إلى أن التحقيقات امتدت لتشمل مسؤولين سابقين وحاليين.

ومن بين الذين تم اعتقالهم وكيل وزارة النفط، علي معارج البهادلي، وذلك بعد أسابيع من إدراجه على قائمة العقوبات الأمريكية، في إطار تحقيقات تتعلق بالفساد واستغلال المنصب العام.

وأسفرت التحقيقات مع علي معارج، أسفرت عن ضبط مبالغ مالية تقدر بـ11 مليون دولار و4 مليارات دينار عراقي، إلى جانب عدد من العقارات.

وبحسب البيانات الرسمية، فإن الأموال المضبوطة أصبحت جزءًا من ملف التحقيق الذي يجري بإشراف القضاء، فيما تواصل الجهات المختصة تتبع مصادر تلك الأموال وعلاقتها بالاتهامات الموجهة للمسؤول.

وأثارت القضية صدمة واسعة داخل العراق، خصوصًا مع تداول مقاطع مصورة أظهرت كميات كبيرة من الأموال المضبوطة، بينما أكدت السلطات أن التحقيقات لا تزال مستمرة لتحديد المسؤوليات الجنائية واستكمال الإجراءات القانونية.

جبال دولارات في منزل نائبة

من أكثر المشاهد تداولًا خلال الحملة فيديو أظهر كميات ضخمة من الأموال داخل منزل النائبة عالية نصيف، في مشهد وصفه العراقيون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ«جبال الدولارات».

فقد انتشرت على مواقع التواصل صور من منزلها حيث تكدست فيه أكوام من الأموال. كما شارك عدد من العراقيين مشاهد لمداهمة مزرعة خيول يملكها ابنها ساجد، مشيرين إلى أن قيمة تلك الخيول فاقت 7 ملايين دولار.

ورغم الانتشار الواسع للفيديو، شددت الجهات الرسمية على ضرورة عدم الخلط بين المقاطع المتداولة وبين الوقائع القضائية الثابتة، مؤكدة أن التحقيقات وحدها هي التي تحدد طبيعة الأموال المضبوطة، ومصدرها، وما إذا كانت تشكل أدلة على جرائم فساد.

وأصبح الفيديو رمزًا لحجم الغضب الشعبي من قضايا الإثراء غير المشروع، حتى قبل صدور نتائج التحقيقات النهائية.

أماكن غريبة لإخفاء الأموال

أظهرت التحقيقات في عدد من القضايا أن الأموال المضبوطة كانت مخبأة بطرق مختلفة، شملت خزائن حديدية، وغرفًا مغلقة، وحقائب كبيرة، وأماكن سرية داخل بعض المنازل والعقارات.

كما تداولت وسائل إعلام عراقية معلومات عن العثور على مبالغ داخل جدران أو أسقف مستعارة في بعض المواقع، إلا أن السلطات لم تؤكد جميع هذه الروايات رسميًا، وهو ما يجعل بعضها في نطاق المعلومات الإعلامية التي لم يصدر بشأنها إعلان قضائي نهائي.

ولهذا، شدد القضاء العراقي على أن ما يثبت رسميًا هو فقط ما يرد في بياناته وبيانات هيئة النزاهة، بينما تبقى التفاصيل الأخرى رهن التحقيق.

اعترافات قد تقود إلى شبكات أكبر

أكدت الحكومة العراقية أن اعترافات بعض المتهمين قد تقود إلى كشف شبكات فساد أوسع، وأن التحقيقات لن تتوقف عند الأشخاص الذين جرى توقيفهم.

وقال مسؤولون حكوميون إن المعلومات التي يجري الحصول عليها من المتهمين تساعد في رسم خريطة العلاقات المالية والإدارية التي سمحت باستمرار الفساد لسنوات.

ويرى مراقبون أن هذه المرحلة ستكون حاسمة، لأن قيمة الحملة ستقاس بقدرتها على الوصول إلى منظمي الشبكات، وليس فقط إلى المنفذين.

لا حصانة لأي فاسد

وأكد رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي أن مكافحة الفساد تمثل أولوية حكومية، مشددًا على أن الدولة لن تتهاون مع أي مسؤول مهما كان منصبه، وأن القانون سيطبق على الجميع دون استثناء.

وشدد الزيدي على أنه لا حصانة لأي فاسد في البلاد، مشيرًا في كلمة ألقاها ضمن اجتماع وزاري، أنه سيطارد كل فاسد أو سارق للمال العام ليلاً نهاراً. وأوضح أن “أموال العراقيين أمانة في أعناق الحكومة”، مؤكداً أن البلاد ستبدأ صفحة جديدة

وفي المقابل، دعا مجلس القضاء الأعلى إلى عدم استباق نتائج التحقيقات، مؤكدًا أن جميع الموقوفين يتمتعون بحقوقهم القانونية، وأن الأحكام لا تصدر إلا بعد اكتمال الأدلة.

بين الترحيب والتشكيك

قوبلت الحملة بترحيب واسع من قطاعات كبيرة من العراقيين الذين اعتبروها بداية جدية لمحاسبة الفاسدين. وفي المقابل، شككت قوى سياسية ومحللون في دوافعها، معتبرين أن بعض الشخصيات الموقوفة تمثل «الصف الثاني»، بينما لم تمس التحقيقات حتى الآن شخصيات أكثر نفوذًا يعتقد أنها تقف خلف شبكات الفساد الكبرى.

كما أثيرت تساؤلات حول توقيت الحملة، خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية مهمة، وهو ما دفع البعض إلى التساؤل عما إذا كانت الحملة ذات طابع إصلاحي خالص أم تحمل أيضًا أبعادًا سياسية.

تحديات أمام القضاء

رغم الزخم الذي رافق الاعتقالات، يواجه القضاء العراقي تحديات كبيرة، أبرزها استكمال التحقيقات بعيدًا عن الضغوط السياسية، وضمان محاكمات عادلة، واستعادة الأموال المنهوبة، وملاحقة المتورطين الموجودين خارج البلاد إذا ثبت تورطهم.

كما أن استرداد الأموال يحتاج إلى تعاون دولي في حال كانت قد حُولت إلى الخارج، وهو ما يتطلب إجراءات قانونية معقدة قد تستغرق وقتًا طويلًا.

هل تمثل الحملة نقطة تحول؟

يصعب الجزم الآن بما إذا كانت الحملة ستصبح نقطة تحول حقيقية في تاريخ مكافحة الفساد بالعراق، لكن حجم الشخصيات التي طالتها التحقيقات، وطبيعة الملفات التي فتحت، يشيران إلى أن الدولة تحاول إرسال رسالة واضحة مفادها أن مرحلة جديدة قد بدأت.

غير أن نجاح هذه الرسالة سيظل مرتبطًا بنتائج التحقيقات والأحكام القضائية النهائية، ومدى استمرار الحملة دون انتقائية، ووصولها إلى جميع المتورطين بصرف النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم.

ويرى مراقبون أن العراق يقف أمام اختبار مهم؛ فإما أن تتحول هذه الإجراءات إلى بداية لتفكيك منظومات الفساد التي تراكمت على مدى أكثر من عقدين، وإما أن تبقى حملة محدودة تنتهي عند حدود بعض الأسماء، دون المساس بالبنية التي أنتجت الفساد وأعادت إنتاجه.

وفي جميع الأحوال، تبقى الكلمة الأخيرة للقضاء العراقي، الذي يواصل التحقيق في عشرات الملفات، بينما يترقب الشارع ما إذا كانت الأيام المقبلة ستكشف عن «رؤوس أكبر»، أم أن ما جرى حتى الآن يمثل السقف النهائي للحملة.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى