قهوتنا لا تشبه عصير الإبادة الجماعية.. مقهى في نيويورك يرفض خدمة نائب مؤيد لإسرائيل
تحولت واقعة رفض مقهى صغير في مدينة نيويورك تقديم الخدمة لنائب ديمقراطي مؤيد لإسرائيل إلى قضية سياسية وإعلامية وقانونية واسعة.
ووفقًا لموقع “الجزيرة نت” فقد أثارت انقساما حادا بين منظمات داعمة لإسرائيل وناشطين من التيار التقدمي، في مشهد عكس عمق الاستقطاب داخل الولايات المتحدة بشأن الحرب في غزة، وحدود حرية التعبير، والعلاقة بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية.
رفض تقديم الخدمة يشعل الأزمة
بدأت الأزمة عندما رفض مقهى «بويتيكا كوفي» في حي بروكلين تقديم الخدمة للنائب الديمقراطي دان غولدمان، المعروف بمواقفه المؤيدة لإسرائيل، قبل أن ينشر رسالة ساخرة عبر صفحته على «فيسبوك» جاء فيها: «هل أدركت الآن أن قهوتنا لا تشبه عصير الإبادة الجماعية؟»، في إشارة إلى اتهام النائب بدعم الحرب الإسرائيلية على غزة.
وأكد المقهى أنه لا يقدم خدماته لمن وصفهم بـ«المساهمين في تمكين الإبادة الجماعية»، كما أعلن إعادة قيمة القهوة إلى غولدمان، معتبرا أن الأموال جاءت من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك»، في موقف أثار موجة واسعة من الجدل.
أبعاد سياسية
اكتسبت الحادثة زخما إضافيا لأنها جاءت قبل الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في الدائرة العاشرة بولاية نيويورك، والتي انتهت بخسارة غولدمان أمام براد لاندر، المرشح المدعوم من السياسي التقدمي زهران ممداني.
وأدى هذا التزامن إلى توسيع نطاق القضية، لتتحول من خلاف داخل مقهى إلى مادة للصراع السياسي بين الجناح التقليدي للحزب الديمقراطي والتيار التقدمي، وسط تصاعد الخلافات بشأن الموقف من الحرب في غزة ودور جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.
حملة اللوبي الإسرائيلي
اعتبرت منظمات وحسابات مؤيدة لإسرائيل أن ما جرى يمثل تمييزا ضد نائب يهودي بسبب دعمه لإسرائيل، ورأت أن الخطاب المناهض لإسرائيل تجاوز حدود النقد السياسي ليصل إلى استهداف شخصيات يهودية أو مؤيدة لتل أبيب.
وكانت من أبرز الجهات التي قادت الحملة منظمات «أوقفوا معاداة السامية» و«حركة مكافحة معاداة السامية» و«إنهاء كراهية اليهود»، التي وصفت تصرف المقهى بأنه انتهاك للقانون الأمريكي ومثال واضح على معاداة السامية.
وأكدت تلك المنظمات أن تحميل اليهود أو مؤيدي إسرائيل مسؤولية الحرب في غزة يمثل شكلا من أشكال التمييز، داعية إلى محاسبة إدارة المقهى.
استهداف زهران ممداني
لم تتوقف الحملة عند المقهى، بل امتدت إلى السياسي التقدمي زهران ممداني، إذ اتهمته منظمات داعمة لإسرائيل بالمساهمة في خلق مناخ معاد لمؤيدي إسرائيل داخل نيويورك.
وربطت هذه الجهات بين تصريحات سابقة لممداني انتقد فيها «أيباك» وبين حادثة المقهى، معتبرة أن الخطاب التقدمي يشجع على استهداف أنصار إسرائيل داخل الولايات المتحدة.
تحرك ميداني
انتقلت الحملة من الفضاء الرقمي إلى التحرك الميداني، بعدما دعت منظمة «إنهاء كراهية اليهود» إلى تنظيم احتجاج أمام المقهى تحت شعار رفض التمييز ضد اليهود.
كما طالبت حسابات مؤيدة لإسرائيل بمقاطعة المقهى، وحثت المستخدمين على منحه تقييمات سلبية عبر منصات الإنترنت، في محاولة للضغط عليه اقتصاديا.
وفي المقابل، شهد المكان وقفات مضادة شارك فيها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين وأعضاء من جماعة «ناتوري كارتا» اليهودية المناهضة للصهيونية، دعما لحق المقهى في التعبير عن موقفه السياسي.
وزارة العدل تدخل على الخط
اكتسبت القضية بعدا قانونيا بعدما أعلنت المسؤولة في وزارة العدل هارميت ديلون أن قسم الحقوق المدنية يتابع الواقعة، مؤكدة أن القانون الاتحادي يحظر على أماكن الخدمة العامة التمييز ضد الزبائن على أساس العرق أو الدين أو الأصل القومي.
كما زار عضو مجلس ولاية نيويورك مايكل نوفاخوف المقهى، معلنا أنه دخل بصفته «يهوديا صهيونيا» لاختبار ما إذا كان سيحصل على الخدمة، معتبرا أن ما حدث يمثل «معاداة للسامية تتخفى في صورة نشاط سياسي».
وانضمت كذلك منظمة «كناري ميشن» إلى الحملة، معتبرة أن أي منشأة تجارية لا يحق لها الامتناع عن تقديم الخدمة بسبب المواقف السياسية أو الهوية، مؤكدة انتظار نتائج أي تحقيق رسمي في القضية.
حملة رقمية واسعة
وكشف تحليل أجرته وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة أن القضية تحولت إلى حملة رقمية منظمة، شملت نحو 4431 تفاعلا عبر شبكة ضمت 1363 حسابا و1613 علاقة تفاعل.
وأظهرت البيانات أن نحو 74% من التفاعلات تركزت داخل كتلة واحدة أعادت نشر الرسائل نفسها، وفي مقدمتها اتهام المقهى بالتمييز ضد نائب يهودي، والمطالبة بتحقيقات رسمية.
وبرزت حسابات مثل «إنهاء كراهية اليهود» و«أوقفوا معاداة السامية» و«كناري ميشن» إلى جانب حساب المسؤولة بوزارة العدل هارميت ديلون ضمن أكثر الحسابات تأثيرا في توجيه النقاش وتوسيع نطاق الحملة.
دفاع مضاد
في المقابل، رفض صحفيون وناشطون يساريون ويهود مناهضون للصهيونية اتهامات معاداة السامية، مؤكدين أن الواقعة تعكس احتجاجا سياسيا على مواقف غولدمان المؤيدة لإسرائيل ودعمه لـ«أيباك»، وليس استهدافا له بسبب ديانته اليهودية.
واعتبر هؤلاء أن للمقهى الحق في مقاطعة شخصيات سياسية يراها داعمة للحرب في غزة، مؤكدين أن الاحتجاجات المؤيدة للمقهى ضمت أيضا يهودا يعارضون السياسات الإسرائيلية.
وربط عدد من النشطاء القضية بالسياق الانتخابي داخل الحزب الديمقراطي، معتبرين أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبعض الجهات الرسمية استغلت الواقعة سياسيا في محاولة لدعم حملة غولدمان قبل خسارته في الانتخابات التمهيدية.
صراع يتجاوز القهوة
أظهرت القضية كيف يمكن لحادثة بسيطة داخل مقهى محلي أن تتحول إلى معركة سياسية وقانونية وإعلامية واسعة، تعكس حجم الانقسام داخل المجتمع الأمريكي بشأن الحرب في غزة، وحدود المقاطعة السياسية، والعلاقة الشائكة بين حرية التعبير واتهامات معاداة السامية.
كما سلطت الضوء على اتساع استخدام الحملات الرقمية والضغوط الإعلامية والاقتصادية في إدارة الصراعات السياسية، في وقت تتزايد فيه حدة الانقسام داخل الحزب الديمقراطي حول الموقف من إسرائيل والحرب المستمرة في قطاع غزة.


