ترامب يدافع عن اتفاقه مع إيران في مواجهة الانتقادات.. هل يختلف عن اتفاق أوباما؟
تمثل مذكرة التفاهم التي وقّعتها الولايات المتحدة وإيران نقطة انطلاق لمرحلة تفاوضية جديدة تمتد 60 يوماً بهدف التوصل إلى اتفاق دائم بشأن البرنامج النووي الإيراني وإنهاء تداعيات الحرب التي استمرت أشهراً بين الجانبين.
وتأتي هذه الخطوة بعد ثماني سنوات من انسحاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، والذي وصفه مراراً بأنه «كارثي» و«أحادي الجانب»، في الوقت الذي يرى فيه كثيرون أن اتفاقه الجديد مع إيران لا يختلف عن اتفاق أوباما.
وبينما تؤكد إدارة ترامب أن المذكرة الجديدة تتفوق على اتفاق عام 2015، وتوفر ضمانات أقوى لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، يرى محللون وخبراء أن المقارنة لا تزال مبكرة، نظراً لأن المذكرة الحالية ليست اتفاقاً نهائياً، بل إطاراً عاماً من 14 بنداً يؤسس لمفاوضات أكثر تفصيلاً خلال الأسابيع المقبلة.
ترامب يدافع عن الاتفاق
من جانبه دافع الرئيس ترامب بقوة عن الاتفاق الجديد، مؤكداً أنه جاء لتجنب تداعيات اقتصادية خطيرة هددت الاقتصاد الأمريكي والعالمي، في وقت يرى فيه مؤيدوه أنه أكثر صرامة من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما عام 2015، بينما يعتبر منتقدوه أنه قد ينتهي إلى تقديم تنازلات لإيران مشابهة لتلك التي جاءت في اتفاق أوباما وربما أكبر.
وأكد ترامب في دفاعه عن مذكرة التفاهم أن استمرار الصراع مع إيران كان سيقود إلى تداعيات اقتصادية واسعة النطاق.
وقال للصحفيين على هامش اجتماعات مجموعة السبع في فرنسا إنه لم يكن يرغب في أن يُقارن بالرئيس الأسبق هربرت هوفر الذي ارتبط اسمه بانهيار سوق الأسهم عام 1929 وبداية الكساد الكبير، مضيفاً أنه لم يكن يريد أن يشهد “كارثة اقتصادية” جديدة.
ورأت تقارير إعلامية أن تصريحات ترامب تعكس إدراكاً متزايداً داخل البيت الأبيض لحجم الضغوط الاقتصادية التي تسبب بها الصراع، خاصة بعد الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة وتزايد المخاوف من تأثير ذلك على الاقتصاد الأمريكي قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل.
وفيما يلي نستعرض أوجه الاتفاق والاختلاف بين اتفاق تراب واتفاق أوباما وفقًا لتحليلات نشرتها شبكة CBS News وشبكة “الجزيرة“.
إطار تفاهم مؤقت مقابل اتفاق نووي شامل
على خلاف الاتفاق النووي الذي أُبرمه أوباما في عام 2015 وجاء في مئات الصفحات متضمناً تفاصيل فنية وقانونية دقيقة، فإن مذكرة التفاهم الحالية التي أبرمها ترامب عبارة عن وثيقة سياسية مختصرة تحدد المبادئ العامة للتسوية بين واشنطن وطهران.
وتنص المذكرة على تمديد وقف إطلاق النار وإنهاء العمليات العسكرية بين الطرفين، مع فتح مسار تفاوضي للوصول إلى اتفاق نهائي خلال فترة لا تتجاوز 60 يوماً.
كما تؤجل معالجة الملفات النووية الأساسية، بما في ذلك مستقبل مخزون اليورانيوم المخصب وآليات الرقابة والتفتيش، إلى المفاوضات اللاحقة.
ويقول مسؤولون في إدارة ترامب إن الاتفاق النهائي المرتقب سيكون أكثر صرامة من اتفاق أوباما، بينما يرى مراقبون أن الوثيقة الحالية لا تزال تفتقر إلى التفاصيل التي تسمح بالحكم على مدى اختلافها الحقيقي عن الاتفاق السابق.
الهدف المشترك: منع إيران من امتلاك سلاح نووي
رغم الخلاف السياسي الحاد بين ترامب واتفاق أوباما، فإن الهدف الأساسي في الاتفاقين متشابه إلى حد كبير، ويتمثل في منع إيران من امتلاك أو تطوير أسلحة نووية.
وأكد ترامب أن أحد دوافعه الرئيسية هو ضمان عدم تمكن إيران «أبداً» من الحصول على سلاح نووي، بينما نص الاتفاق النووي لعام 2015 أيضاً على تعهد إيراني بعدم السعي إلى تطوير أو امتلاك أسلحة نووية تحت أي ظرف.
وتتضمن المذكرة الجديدة تعهداً إيرانياً مشابهاً بعدم الحصول على أسلحة نووية أو تطويرها، لكنها لا تحدد بصورة دقيقة الآليات الفنية والرقابية التي ستضمن تنفيذ هذا الالتزام، تاركة تلك التفاصيل للمفاوضات المقبلة.
اليورانيوم المخصب.. أكبر منطقة غموض
يُعد ملف تخصيب اليورانيوم أبرز نقطة اختلاف بين الاتفاقين. فالاتفاق النووي لعام 2015 وضع قيوداً تفصيلية على البرنامج الإيراني، إذ حدد سقف تخصيب اليورانيوم عند 3.67% لمدة 15 عاماً، وقيد عدد أجهزة الطرد المركزي العاملة، كما حصر عمليات التخصيب في منشأة نطنز، وألزم طهران بتقليص مخزونها من المواد النووية المخصبة بشكل كبير.
أما مذكرة التفاهم الجديدة فلا تتضمن أرقاماً أو حدوداً واضحة، بل تكتفي بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة وإيران اتفقتا على معالجة ملف المواد المخصبة خلال المفاوضات الفنية المقبلة.
وتشير الوثيقة إلى أن الحد الأدنى المطلوب هو خفض تركيز اليورانيوم المخصب الموجود داخل إيران تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، دون تحديد ما إذا كان ذلك سيشمل تدمير المخزون الحالي أو نقله إلى خارج البلاد أو الاكتفاء بتخفيف نسبة التخصيب.
ويزداد تعقيد الملف بسبب امتلاك إيران حالياً مخزوناً من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60%، وهي نسبة تقترب كثيراً من مستوى التخصيب اللازم لصناعة السلاح النووي، وهو وضع مختلف جذرياً عن الظروف التي أُبرم فيها اتفاق عام 2015.
هل تسمح واشنطن لإيران ببرنامج نووي مدني؟
في الأشهر الماضية، طالب ترامب إيران بالتخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم، وهو مطلب كان أكثر تشدداً من بنود اتفاق أوباما.
لكن تصريحاته الأخيرة أظهرت قدراً من المرونة، إذ ألمح إلى إمكانية السماح لطهران بالاحتفاظ ببرنامج نووي للأغراض المدنية وتوليد الكهرباء، طالما ظل بعيداً عن الاستخدامات العسكرية.
ويُنظر إلى هذا الموقف باعتباره مؤشراً على أن الاتفاق النهائي قد لا يختلف جذرياً عن اتفاق 2015 فيما يتعلق بحق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي خاضع للرقابة الدولية.
غياب بنود انتهاء الصلاحية
أحد أبرز الانتقادات التي وجهها ترامب لاتفاق أوباما تمثلت فيما عُرف بـ«بنود الغروب»، وهي البنود التي كانت تنهي بعض القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني بعد 10 أو 15 عاماً.
ولا تتضمن مذكرة التفاهم الحالية أي مواعيد زمنية لانتهاء القيود، إلا أن الاتفاق النهائي لم يُصغ بعد، وبالتالي لا يزال من غير المعروف ما إذا كانت تلك البنود ستظهر في النسخة النهائية أم لا.
وكان ترامب قد أشار إلى أنه يفضل تجميد أنشطة التخصيب الإيرانية لفترة تتراوح بين 15 و20 عاماً، مع فرض قيود دائمة تضمن عدم استخدام التخصيب لأغراض عسكرية مستقبلاً.
العقوبات.. تشابه في المبدأ واختلاف في الإطار
مثلما حدث في اتفاق 2015، تقوم المذكرة الجديدة على مبدأ «القيود النووية مقابل تخفيف العقوبات». فالوثيقة تنص على رفع العقوبات الأمريكية وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه خلال المفاوضات النهائية، كما تمنح إعفاءات فورية لتصدير النفط والمنتجات البترولية الإيرانية والخدمات المرتبطة بها.
لكن هناك اختلافاً مهماً يتمثل في أن اتفاق أوباما كان اتفاقاً متعدد الأطراف شاركت فيه قوى دولية كبرى بينها الصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، في حين أن مذكرة التفاهم الحالية هي اتفاق ثنائي بين واشنطن وطهران، ما يثير تساؤلات بشأن موقف الدول الأخرى والعقوبات التي تفرضها بصورة مستقلة.
وفي حين تؤكد إيران أن الاتفاق سيؤدي إلى الإفراج عن أموال وأصول مجمدة بمليارات الدولارات، تقول إدارة ترامب إن أي تخفيف فعلي للعقوبات سيظل مشروطاً بتنفيذ طهران لالتزاماتها.
300 مليار دولار لإعادة الإعمار
من أكثر البنود إثارة للجدل في المذكرة الجديدة الحديث عن إعداد خطة اقتصادية لا تقل قيمتها عن 300 مليار دولار لإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني وتنميته بالتعاون مع شركاء إقليميين.
ويُعد هذا البند تطوراً غير مسبوق مقارنة باتفاق 2015 الذي لم يتضمن أي برامج تنموية أو صناديق استثمارية لإيران.
غير أن ترامب شدد على أن الولايات المتحدة لن تضخ أموالاً حكومية مباشرة في إيران، مؤكداً أن أي استثمارات مستقبلية ستكون طوعية ومن خلال أطراف أخرى أو شركات خاصة.
ويرى بعض الخبراء أن هذا البند قد يمثل مكسباً اقتصادياً كبيراً لطهران إذا جرى تنفيذه، فيما يعتبر آخرون أن تفاصيله لا تزال غامضة إلى حد كبير.
الأصول الإيرانية المجمدة
تتضمن المذكرة تعهداً بإتاحة الوصول إلى الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة. ويُلاحظ أن هذا البند يمثل تحولاً في خطاب ترامب الذي انتقد بشدة خلال ولايته الأولى الإفراج عن أموال إيرانية بموجب الاتفاق النووي السابق.
لكن محللين يشيرون إلى أن معظم الأصول الإيرانية المحتجزة موجودة في دول أخرى مثل الصين والعراق، وليس لدى الولايات المتحدة بشكل مباشر، ما يجعل تنفيذ هذا التعهد أكثر تعقيداً من الناحية العملية.
مضيق هرمز في قلب الاتفاق
على عكس اتفاق 2015 الذي ركز حصراً تقريباً على الملف النووي، تتناول المذكرة الجديدة قضايا جيوسياسية واقتصادية أوسع، وفي مقدمتها أمن الملاحة في مضيق هرمز.
وتنص الوثيقة على إنهاء الحصار البحري المفروض على إيران خلال 30 يوماً، مقابل التزام طهران بضمان المرور الآمن للسفن التجارية والعمل على إزالة العوائق البحرية والألغام.
كما تتحدث عن حوار بين إيران وسلطنة عُمان بشأن مستقبل إدارة الممر الملاحي الحيوي وآليات الخدمات البحرية فيه، في خطوة تعكس الأهمية الاستراتيجية التي اكتسبها المضيق خلال الأزمة الأخيرة بعد أن أدى تعطيل الملاحة فيه إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية.
الصواريخ الباليستية خارج المعادلة
مثلما كان الحال في اتفاق أوباما، لا تتضمن المذكرة الجديدة قيوداً مباشرة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني.
بل إن ترامب أبدى موقفاً أقل تشدداً حيال هذه القضية، معتبراً أن امتلاك إيران صواريخ باليستية بصورة تتناسب مع قدرات دول الجوار لا يمثل مشكلة بحد ذاته، طالما بقيت منفصلة عن البرامج النووية.
ويُعد هذا الملف من أبرز النقاط التي تعرض بسببها الاتفاق النووي السابق لانتقادات داخل الولايات المتحدة وإسرائيل.
الجماعات المسلحة والنفوذ الإقليمي
كذلك لا تتناول المذكرة بشكل مباشر ملف الجماعات المسلحة المدعومة من إيران في المنطقة، مثل حزب الله وحركة حماس وجماعة الحوثي.
إلا أن الوثيقة تنص على إنهاء العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، ما يربط بصورة غير مباشرة بين الاتفاق النووي المحتمل ومسار التهدئة الإقليمية الأوسع.
وفي المقابل، أكد ترامب أن إدارته ستواصل العمل مع دول الخليج لمعالجة ملفات أخرى تشمل الصواريخ التقليدية والنفوذ الإقليمي الإيراني وتمويل الجماعات المسلحة عبر مسارات تفاوضية منفصلة عن الملف النووي.
هل الاتفاق الجديد أفضل من اتفاق أوباما؟
حتى الآن، لا يوجد إجماع بين الخبراء بشأن ما إذا كانت مذكرة التفاهم الحالية تمثل بالفعل تطويراً للاتفاق النووي السابق أم مجرد نسخة معدلة منه.
فالمؤيدون يرون أنها تمنح الولايات المتحدة مرونة أكبر وتحافظ على خيار الضغط العسكري، كما تدمج القضايا الاقتصادية والإقليمية ضمن إطار أوسع.
أما المنتقدون فيشيرون إلى أن الوثيقة الحالية لا تزال تفتقر إلى الضمانات الفنية وآليات الرقابة الصارمة التي تضمنها اتفاق 2015، وأن معظم القضايا الجوهرية، من التخصيب إلى العقوبات وآليات التنفيذ، أُجلت إلى مفاوضات الستين يوماً المقبلة.
وبذلك، فإن الحكم الحقيقي على الاتفاق لن يتحدد من خلال مذكرة التفاهم الحالية، بل من خلال ما إذا كانت واشنطن وطهران ستنجحان في تحويلها إلى اتفاق نهائي شامل يضع حداً دائماً للخلافات النووية والأمنية التي استمرت لعقود.



