وارش يفتتح عهده بتثبيت الفائدة ومراجعة شاملة للسياسة النقدية.. وترامب يغير لهجته
في أول اختبار حقيقي لرئاسته مجلس الاحتياطي الفيدرالي، أطلق كيفن وارش إشارات واضحة إلى أن البنك المركزي يتجه نحو مرحلة جديدة تختلف في أسلوبها وأدواتها عن الحقبة التي قادها سلفه جيروم باول، بعدما قرر الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وأعلن في الوقت نفسه مراجعة واسعة النطاق لآليات عمل البنك المركزي وسياساته الاتصالية وإطار استهداف التضخم.
وجاء قرار لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بالإجماع بالإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي ضمن نطاق 3.50% إلى 3.75%، رغم استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف البالغ 2%، في خطوة تعكس حرص صناع السياسة النقدية على مراقبة مسار الاقتصاد والأسعار قبل الإقدام على أي تغيير جديد في تكلفة الاقتراض.
لكن أهمية الاجتماع لم تقتصر على قرار الفائدة ذاته، بل برزت في الرسائل التي حملها البيان المصاحب والمؤتمر الصحفي الأول لوارش، والتي اعتبرها محللون بداية تحول مؤسسي أعمق داخل البنك المركزي الأمريكي.
نهاية عصر التوجيهات المسبقة
وفقًا لوكالة “رويترز” فقد ظهرت أولى بصمات وارش في إعادة صياغة بيان السياسة النقدية بصورة مختصرة ومباشرة، مع التخلي عن التوجيهات المستقبلية التي اعتاد الاحتياطي الفيدرالي استخدامها خلال السنوات الماضية لإعطاء الأسواق تصوراً مسبقاً عن اتجاه أسعار الفائدة.
وأكد وارش خلال مؤتمره الصحفي أنه لا يرى أن تقديم إشارات مسبقة بشأن القرارات المقبلة يتناسب مع الوضع الاقتصادي الحالي، قائلاً إنه لا يستطيع تقديم أي توجيهات حول ما سيفعله البنك في الاجتماع القادم، مضيفاً أن أفضل ما يمكن قوله هو أن المسؤولين سيجتمعون مجدداً بعد ستة أسابيع لاتخاذ القرار المناسب وفق البيانات المتاحة آنذاك.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه يمثل عودة إلى أسلوب رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق آلان جرينسبان، الذي كان يفضل منح الأسواق قدراً أقل من الإرشادات المباشرة، وترك المستثمرين يستخلصون اتجاه السياسة النقدية من البيانات الاقتصادية نفسها بدلاً من الاعتماد على تصريحات البنك المركزي.
تغيير في التعامل مع التضخم
عكست لغة البيان أيضاً تحولاً في الطريقة التي ينظر بها الاحتياطي الفيدرالي إلى أسباب التضخم الحالي. فبينما أقر البنك بأن التضخم لا يزال مرتفعاً مقارنة بالمستهدف الرسمي البالغ 2%، أشار إلى أن جزءاً من الضغوط السعرية يعود إلى صدمات عرض وارتفاع تكاليف الطاقة في بعض القطاعات، وهي رؤية تتوافق مع المواقف التي طرحها وارش قبل وصوله إلى رئاسة البنك المركزي.
كما ركز البيان على قوة نمو الإنتاجية والاستثمار الرأسمالي في الاقتصاد الأمريكي، في إشارة إلى اعتقاد وارش بأن تحسين الإنتاجية وتراجع تكاليف الطاقة يمكن أن يساهما تدريجياً في خفض التضخم دون الحاجة إلى تشديد نقدي مفرط.
ويعكس ذلك تحولاً عن النهج الذي هيمن على السياسة النقدية منذ عام 2022، عندما ركز الاحتياطي الفيدرالي بشكل أساسي على رفع أسعار الفائدة لكبح موجة التضخم التي بلغت أعلى مستوياتها منذ أربعة عقود خلال فترة جائحة كورونا.
توقعات أكثر تشدداً
ورغم تثبيت أسعار الفائدة، حملت التوقعات الاقتصادية الجديدة رسالة أكثر تشدداً للأسواق. فقد أظهرت التقديرات أن تسعة من أصل 19 مسؤولاً في الاحتياطي الفيدرالي يتوقعون الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة قبل نهاية عام 2026، وهو ما يشير إلى أن معركة التضخم لم تُحسم بعد.
كما رفع البنك توقعاته لمعدل التضخم بنهاية العام الحالي إلى 3.6% مقارنة بـ2.7% في التقديرات السابقة، قبل أن يتراجع إلى 2.3% خلال العام المقبل.
وفي المقابل، خُفضت توقعات النمو الاقتصادي بشكل طفيف، بينما استقرت توقعات البطالة عند مستويات قريبة من التقديرات السابقة، ما يعكس رؤية مفادها أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال متماسكاً رغم استمرار الضغوط التضخمية.
صدمة للأسواق المالية
أثارت الرسائل الجديدة حالة من القلق بين المستثمرين الذين كانوا يأملون في رؤية مسار أكثر وضوحاً نحو خفض أسعار الفائدة.
فقد تراجعت أسواق الأسهم الأمريكية عقب المؤتمر الصحفي، بينما ارتفعت عوائد السندات قصيرة الأجل بصورة ملحوظة، في إشارة إلى أن الأسواق بدأت تستوعب احتمال بقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول مما كان متوقعاً.
ويرى محللون أن غياب التوجيهات المستقبلية يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق، لكنه في الوقت نفسه يمنح البنك المركزي مرونة أكبر في التعامل مع المتغيرات الاقتصادية دون التقيد بتعهدات مسبقة.
كما بدأت أسواق المال تسعير احتمال رفع أسعار الفائدة مجدداً في وقت مبكر من سبتمبر المقبل، وهو سيناريو كان يبدو مستبعداً قبل أسابيع قليلة فقط.
ترامب يخفف لهجته
ومن أبرز التطورات السياسية المصاحبة للاجتماع، التغيير الواضح في موقف الرئيس دونالد ترامب تجاه قيادة البنك المركزي. فبعد سنوات من الانتقادات الحادة التي وجهها إلى الرئيس السابق جيروم باول، والذي وصفه مراراً بأنه “أحمق” و”غبي” بسبب رفضه خفض أسعار الفائدة بالوتيرة التي كان يطالب بها البيت الأبيض، تبنى ترامب موقفاً أكثر هدوءاً تجاه وارش.
وعندما سئل عن قرار تثبيت أسعار الفائدة، اكتفى بالقول: “لا بأس، مهما يكن”، مضيفاً أنه يثق في كفاءة رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد وأنه سيترك له حرية اتخاذ القرار المناسب، وفقًا لوكالة “رويترز“.
ورغم أن ترامب أقر بإمكانية رفع أسعار الفائدة مستقبلاً، فإنه أشار إلى أن استمرار المستويات المرتفعة للفائدة يضغط على الاقتصاد وسوق الإسكان ويرفع تكلفة الاقتراض الحكومي، وهي الحجج نفسها التي استخدمها سابقاً لمهاجمة إدارة باول.
ويعكس هذا الموقف رغبة واضحة من البيت الأبيض في منح وارش مساحة للعمل خلال الفترة الأولى من ولايته، خاصة أنه يُنظر إليه باعتباره أكثر انسجاماً مع رؤية الإدارة الأمريكية في بعض الملفات الاقتصادية.
مراجعة شاملة
إلى جانب قرار الفائدة، أعلن وارش إطلاق مراجعة واسعة تشمل خمسة محاور رئيسية داخل البنك المركزي، تتعلق بالميزانية العمومية، وآليات التواصل مع الأسواق، ومصادر البيانات الاقتصادية، وقياس الإنتاجية والتوظيف، وإطار استهداف التضخم.
وتحمل هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تمثل إعادة تقييم شاملة للمنهج الذي اعتمده الاحتياطي الفيدرالي منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
ويرى خبراء أن الهدف الأساسي من هذه المراجعة هو جعل المؤسسة أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية السريعة، حتى لو أدى ذلك إلى تقليل مستوى الشفافية الذي اعتادت عليه الأسواق خلال العقد الماضي.
ماذا يعني القرار للاقتصاد الأمريكي؟
تشير الرسائل الصادرة عن اجتماع يونيو إلى أن الاحتياطي الفيدرالي بقيادة وارش يضع أولوية واضحة لاستعادة استقرار الأسعار حتى لو استدعى الأمر الإبقاء على تكاليف الاقتراض مرتفعة لفترة أطول.
وفي الوقت نفسه، يعكس التركيز على الإنتاجية والطاقة والمرونة المؤسسية محاولة للبحث عن أدوات جديدة لمعالجة التضخم بعيداً عن الاعتماد الحصري على رفع أسعار الفائدة.
وبينما لا يزال خفض الفائدة ممكناً على المدى المتوسط إذا تراجع التضخم كما يتوقع البنك المركزي، فإن الاجتماع الأول لوارش أرسل رسالة واضحة مفادها أن عصر الوعود المسبقة قد انتهى، وأن القرارات المقبلة ستعتمد بصورة أكبر على البيانات الاقتصادية الفعلية، لا على توقعات الأسواق أو الضغوط السياسية.
وفي هذا السياق، تبدو العلاقة بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي أكثر هدوءاً مما كانت عليه في عهد باول، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الإدارة الأمريكية ستحصل على التخفيضات السريعة للفائدة التي طالبت بها طويلاً، إذ أظهر الاجتماع الأول لوارش أن أولوية البنك المركزي ستظل متمثلة في السيطرة على التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار قبل أي اعتبارات أخرى.



