اتفاق ترامب يمنح إيران مئات المليارات من الدولارات ومكاسب اقتصادية ضخمة

أثار الاتفاق الإطاري الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وإيران، والمقرر توقيعه رسمياً يوم الجمعة، نقاشاً واسعاً في واشنطن بشأن حجم المكاسب الاقتصادية التي قد تحصل عليها طهران، وسط تساؤلات متزايدة حول الأموال المجمدة، ومستقبل العقوبات، وصندوق استثماري ضخم قد تصل قيمته إلى 300 مليار دولار.
وبحسب تقارير أمريكية، فإن الاتفاق لا يقتصر على ترتيبات تتعلق بالملف النووي أو إنهاء التوترات الأخيرة، بل يتضمن أيضاً مسارات اقتصادية قد تمنح إيران فرصاً مالية كبيرة إذا نجحت المفاوضات التي ستستمر لمدة 60 يوماً في الوصول إلى اتفاق نهائي شامل.
ووفقًا لموقع “أكسيوس” تشير المعلومات المتاحة إلى أن الاتفاق سيسمح لإيران خلال فترة التفاوض ببيع نفطها بصورة أكثر حرية، مع إمكانية الانتقال لاحقاً إلى تخفيف أوسع للعقوبات الأمريكية، بالإضافة إلى فتح المجال أمام الإفراج عن بعض الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج وإنشاء صندوق استثماري ضخم مخصص لدعم التنمية وإعادة الإعمار.
ويؤكد منتقدو الاتفاق أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعود عملياً إلى النهج نفسه الذي انتقدته عندما انسحب ترامب من الاتفاق النووي لعام 2015، والقائم على منح إيران مزايا اقتصادية مقابل تنازلات في الملف النووي.
ويرى هؤلاء أن المقترح الجديد قد يذهب أبعد من ذلك عبر إدراج صندوق استثماري هائل يمكن أن يضخ مئات المليارات في الاقتصاد الإيراني.
في المقابل، يؤكد البيت الأبيض أن الانتقادات تستند إلى معلومات غير دقيقة، مشدداً على أن أي فوائد اقتصادية ستحصل عليها إيران ستكون مرتبطة بمبدأ “الدفع مقابل الأداء”، أي أنها ستتوقف على مدى التزام طهران الكامل ببنود الاتفاق.
ووفقاً لمسؤول أمريكي، فإن مذكرة التفاهم المزمع توقيعها يوم الجمعة تهدف إلى إطلاق مفاوضات تستمر 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نووي أكثر تفصيلاً، مع اعتراف الإدارة الأمريكية بأن نجاح هذه المفاوضات ليس مضموناً، وأن حجم المكاسب الاقتصادية الإيرانية سيتوقف على نتائجها النهائية.
ما ستحصل عليه إيران فوراً؟
بحسب مسؤولين أمريكيين، يتضمن الاتفاق إعفاءات مؤقتة من بعض العقوبات تتيح لإيران استئناف بيع النفط طوال فترة المفاوضات، وهو ما يمثل مصدراً مالياً مهماً بعد سنوات من القيود المفروضة على صادراتها النفطية.
وفي حين زعمت وسائل إعلام إيرانية أن طهران ستحصل فور توقيع الاتفاق على إمكانية الوصول إلى الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، نفى مسؤولون أمريكيون هذه الرواية بشكل قاطع.
لكن مسؤولاً أمريكياً رفيع المستوى أشار إلى أن واشنطن قد تقدم بعض “الإشارات الإيجابية”، مثل تخفيف محدود للعقوبات أو السماح بالوصول إلى جزء من الأموال المجمدة، مقابل خطوات مماثلة من الجانب الإيراني لإثبات حسن النية والالتزام.
كما وصف مسؤول أمريكي التقارير التي تحدثت عن قيام دول خليجية مثل الإمارات وقطر بالإفراج عن أموال إيرانية مجمدة لديها بأنها “غير صحيحة”.
ورغم ذلك، فإن نص مذكرة التفاهم، وفقاً لمصدر مطلع، يتضمن تعهداً أمريكياً بالعمل على إتاحة الأموال المجمدة للاستخدام الكامل عند تنفيذ الالتزامات الواردة في المذكرة.
رفع العقوبات
تشير المعلومات المتداولة إلى أن الولايات المتحدة التزمت ضمن المذكرة بالسير نحو رفع العقوبات المفروضة على إيران وفق جدول زمني متفق عليه إذا نجحت المفاوضات وتم التوصل إلى اتفاق نووي نهائي.
ويؤكد البيت الأبيض أن أي اتفاق دائم يجب أن يتضمن التخلص من مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، ووقف عمليات التخصيب مستقبلاً، وإخضاع المنشآت النووية الإيرانية لنظام رقابة وتفتيش صارم.
ويرى مسؤولون أمريكيون أن الأسابيع القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت إيران مستعدة فعلاً لتقديم التنازلات المطلوبة، مشيرين إلى أن حجم الفوائد الاقتصادية سيظل محدوداً إذا تعثرت المفاوضات.
صندوق الـ300 مليار دولار
يُعد إنشاء صندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار أحد أكثر عناصر الاتفاق إثارة للجدل السياسي داخل الولايات المتحدة.
ووفقاً لمصدر مطلع على نص الاتفاق، فإن مذكرة التفاهم تنص على إعداد خطة نهائية متفق عليها لإنشاء صندوق يهدف إلى دعم إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية في إيران في حال التوصل إلى اتفاق نهائي.
وكشفت مصادر مطلعة أن فكرة إنشاء ما يعرف بـ”صندوق الازدهار” جاءت بمبادرة قطرية، وجرى بحثها مع المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين على مدار أسابيع، بهدف جذب استثمارات من القطاع الخاص في دول الخليج وشرق آسيا ومناطق أخرى من العالم.
وأكد نائب الرئيس جيه دي فانس أن الصندوق لن يعتمد على أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، ولن يبدأ العمل إلا إذا وافقت إيران على تفكيك برنامجها النووي، والتخلص من مخزون المواد المخصبة، وقبول نظام تفتيش دولي صارم.
نصف التمويل جرى التعهد به بالفعل
وفي تقرير منفصل، نقلت وكالة رويترز عن مصدر مطلع أن أكثر من نصف التمويل المستهدف للصندوق قد جرى التعهد به بالفعل من قبل مستثمرين وشركات دولية.
وأوضح المصدر أن الالتزامات الاستثمارية الحالية تتجاوز 150 مليار دولار موزعة على خمسة قطاعات رئيسية تشمل الطاقة والخدمات اللوجستية والنقل والتصنيع والبنية التحتية.
وأكد أن الصندوق ليس برنامج تعويضات أو إعادة إعمار حكومياً، بل منصة استثمارية تعتمد بالكامل على رؤوس أموال خاصة من شركات ومؤسسات في الولايات المتحدة ودول الخليج وآسيا وأمريكا الجنوبية وأفريقيا.
ووفقاً للمصدر نفسه، فإن شركات من كوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة وماليزيا والولايات المتحدة أبدت استعدادها للمشاركة في تمويل المشروعات المزمع تنفيذها داخل إيران.
من التعويضات إلى الاستثمار
وأفاد مصدر إيراني رفيع بأن طهران طالبت في البداية بالحصول على 400 مليار دولار كتعويضات عن أضرار الحرب، إلا أن الولايات المتحدة رفضت هذا الطرح.
وعقب ذلك، ظهرت فكرة إنشاء صندوق إعادة الإعمار والتنمية كحل بديل يتيح جذب استثمارات طويلة الأجل دون تحميل الحكومات أعباء مالية مباشرة.
وأوضح المصدر الإيراني أن الآلية المقترحة تتضمن مساهمات متنوعة من دول المنطقة عبر قروض وخطوط ائتمان وتمويل مباشر لمشروعات إعادة تأهيل المنشآت المتضررة، بما في ذلك مصانع الصلب والمصافي والمطارات والبنية التحتية التي تضررت خلال الحرب.
اقتصاد ينتظر الانفتاح
تمتلك إيران ثاني أكبر احتياطي مؤكد من الغاز الطبيعي في العالم ورابع أكبر احتياطي نفطي عالمي، كما تضم أكثر من 92 مليون نسمة وتتمتع بقاعدة صناعية واسعة وموارد كبيرة في قطاعات التعدين والبتروكيماويات والسياحة والزراعة.
إلا أن العقوبات الأمريكية والدولية المتعاقبة أبعدت الاقتصاد الإيراني لعقود عن أسواق المال العالمية، ما جعل تدفق الاستثمارات الأجنبية محدوداً للغاية.
وبحسب المصادر، فإن صندوق الاستثمار المقترح منفصل تماماً عن ملف العقوبات والأصول الإيرانية المجمدة، حيث يمثل مساراً مالياً مستقلاً بأهداف وآليات مختلفة.
كما أكدت المصادر أن الصندوق لن يتم تأسيسه أو تفعيله إلا بعد التوصل إلى اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران، بينما ستُخصص فترة الستين يوماً المقبلة لوضع تفاصيل المشروعات الاستثمارية وتحديد أولوياتها وآليات تنفيذها.
وفي الوقت نفسه، ستواصل الولايات المتحدة وإيران التفاوض عبر عدة مسارات متوازية تشمل الملف النووي والعقوبات والأمن الإقليمي، في محاولة لتحويل الاتفاق الإطاري الحالي إلى تسوية شاملة قد تعيد رسم العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين بعد سنوات طويلة من المواجهة.



