الأمريكيون من أصول لبنانية يهبّون لدعم وطنهم الأم مع تصاعد الحرب في لبنان
في ظل استمرار الحرب بين إسرائيل وحزب الله وما خلفته من خسائر بشرية ونزوح واسع النطاق، كثّف الأمريكيون من أصول لبنانية جهودهم الإنسانية والمالية لدعم أقاربهم ومجتمعاتهم في لبنان، في مشهد يعكس عمق الروابط التي لا تزال تجمع الجالية اللبنانية بوطنها الأم رغم عقود من الهجرة والاستقرار في الولايات المتحدة.
ووفقًا لوكالة أسوشيتد برس فقد تسببت الحرب الأخيرة في نزوح أكثر من مليون شخص داخل لبنان، أي ما يقارب سدس سكان البلاد، إضافة إلى مقتل أكثر من 3500 شخص، في أكبر تصعيد تشهده الساحة اللبنانية منذ أكثر من ربع قرن.
قلوب متعلقة بالوطن
ومن بين هؤلاء الأمريكيين اللبنانيين، تبرز قصة ميرفيت مكي، وهي سيدة أعمال تقيم في ضاحية ديربورن هايتس بولاية ميشيغان، حيث قررت تخصيص أرباح مشروعها الخاص لإعداد المأكولات اللبنانية أسبوعياً من أجل مساعدة العائلات المتضررة من الحرب.
وتقول مكي، التي هاجرت إلى الولايات المتحدة عام 1990، إن قلبها ما زال متعلقاً بمسقط رأسها في بلدة بنت جبيل بجنوب لبنان، وهي من أكثر المناطق التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال المواجهات الأخيرة.
وأوضحت أن كثيراً من أبناء الجالية يشعرون بالعجز وهم يشاهدون معاناة ذويهم من بعيد، مضيفة أنها تحاول إرسال ما تستطيع من أموال إلى أفراد عائلتها رغم الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة داخل الولايات المتحدة.
جالية مترابطة
وتشير بيانات التعداد السكاني الأمريكي إلى وجود نحو 625 ألف أمريكي من أصول لبنانية، بينما تقدر مصادر أخرى العدد بنحو 1.4 مليون شخص، ما يجعل الجالية اللبنانية واحدة من أكثر الجاليات العربية حضوراً وتأثيراً داخل الولايات المتحدة.
وقال إدوارد كورتيس إن لبنان لا يمكن فصله عن جالياته المنتشرة حول العالم، مؤكداً أن التحويلات المالية التي يرسلها اللبنانيون في الخارج تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني منذ سنوات.
وأضاف أن أبناء الجالية ينظرون إلى الحفاظ على الهوية والثقافة اللبنانية باعتباره جزءاً من مسؤوليتهم تجاه وطنهم الأصلي، خصوصاً في أوقات الأزمات.
تبرعات ومبادرات إنسانية
وفي منطقة ديترويت الكبرى، التي تضم واحدة من أكبر التجمعات العربية في الولايات المتحدة، تحولت المقاهي والمراكز الاجتماعية إلى منصات لتنظيم حملات دعم وجمع تبرعات لصالح المتضررين في لبنان.
وتقود الناشطة اللبنانية الأمريكية مايا عطوي مبادرة لتنظيم فعالية جماهيرية تهدف إلى جمع التبرعات وزيادة الوعي بما يجري في لبنان.
وقالت عطوي إن أفراد الجالية يعيشون حالة من الحزن والقلق الدائم، مشيرة إلى أن كثيرين يقضون ساعات طويلة في متابعة الأخبار والتواصل مع عائلاتهم بدلاً من ممارسة حياتهم الطبيعية.
وأضافت أن عدداً كبيراً من أقاربها لا يزال يعيش في بيروت ويرفض مغادرة البلاد رغم المخاطر الأمنية المتزايدة.
شريان حياة للبنان
وتؤكد التقارير أن لبنان بات يعتمد بصورة متزايدة على التحويلات القادمة من الخارج، في ظل الانهيار الاقتصادي الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.
وتروي مكي أنها زارت لبنان في فبراير الماضي ولاحظت الارتفاع الكبير في الأسعار مقارنة بالسنوات السابقة، لافتة إلى أن مبالغ كانت تكفي سابقاً لتغطية نفقات إقامة كاملة أصبحت بالكاد تكفي لوجبة في أحد المطاعم.
وبينما تلجأ بعض العائلات إلى منصات جمع التبرعات عبر الإنترنت، يفضل كثير من اللبنانيين الأمريكيين إرسال الأموال مباشرة إلى أقاربهم لضمان وصول الدعم بسرعة إلى المحتاجين.
ومن بين هؤلاء نادية براينت، المقيمة في ولاية ميشيغان، التي ترسل مساعدات مالية بشكل منتظم إلى شقيقاتها غير الشقيقات في جنوب لبنان بعد نزوحهن من بلدة عيتا الشعب.
وقالت براينت إن شقيقاتها يستخدمن جزءاً كبيراً من هذه الأموال لمساعدة الأطفال الأيتام والعائلات الأكثر تضرراً بدلاً من إنفاقها على احتياجاتهن الشخصية.
روابط عائلية تتجاوز الحدود
ورغم البعد الجغرافي، لا تزال العلاقات العائلية تشكل محوراً أساسياً في حياة أبناء الجالية اللبنانية بالولايات المتحدة.
وتقول براينت إن الحديث مع أقاربها أصبح يتركز حول تفاصيل الحياة اليومية ومكان وجودهم في كل يوم، بدلاً من السؤال التقليدي عن أحوالهم، لأن ظروف الحرب جعلت الإجابة عن هذا السؤال أكثر تعقيداً وألماً.
أما عطوي فتؤكد أنها حاولت مراراً إقناع أفراد أسرتها بالهجرة إلى الولايات المتحدة، إلا أنهم فضلوا البقاء في لبنان، مشيرة إلى أن تعقيدات إجراءات الهجرة الحالية تجعل انتقال العائلات بأكملها أمراً بالغ الصعوبة.
دلالات أوسع
ويرى مراقبون أن التفاعل الواسع للجالية اللبنانية الأمريكية مع الأزمة الحالية يعكس استمرار تأثير لبنان في وجدان أبنائه المهاجرين، كما يبرز الدور المتنامي للجاليات العربية في تقديم الدعم الإنساني والمالي لبلدانها الأصلية خلال الأزمات.
كما تكشف هذه التحركات عن أهمية التحويلات المالية والشبكات الاجتماعية التي بنتها الجاليات اللبنانية حول العالم، والتي باتت تشكل عاملاً حيوياً في مساعدة آلاف الأسر اللبنانية على مواجهة تداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية المستمرة.



