من معلم متميز إلى مرتكب أخطر اختراق أمني.. من هو كول توماس ألين؟
فجأة وبدون مقدمات تحوّل اسم كول توماس ألين “المعلم المتميز” إلى محور تحقيقات موسعة، بعد اتهامه بارتكاب أخطر اختراق أمني والوقوف وراء حادث إطلاق النار خلال حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض داخل فندق واشنطن هيلتون، في واقعة وضعت أجهزة الأمن أمام نموذج غير تقليدي لمشتبه به، يجمع بين التفوق الأكاديمي والسلوك العنيف المفاجئ.
من هو كول توماس ألين؟
ووفق ما نشرته وكالة “أسوشيتد برس” وإذاعة “إن بي آر” ووسائل إعلام أمريكية أخرى، فإن ألين، البالغ من العمر 31 عاماً، ينحدر من مدينة تورانس بولاية كاليفورنيا ضمن منطقة لوس أنجلوس الكبرى، وهو الابن الأكبر بين أربعة أشقاء، لديه شقيقتان أصغر سناً وشقيق.
وتشير سجلات تسجيل الناخبين إلى أن عنوانه هو منزل والديه الواقع في شارع مشجّر داخل أحد أقدم الأحياء التاريخية في المدينة.
ويعمل والده، توماس ألين، كأحد شيوخ كنيسة «غريس المتحدة الإصلاحية»، التي يصفها موقعها الإلكتروني بأنها كنيسة «تؤمن بالكتاب المقدس وتتبع كلمة الله المعصومة».
وخلال زيارة صحفية للمنزل، شوهدت سيارتان متوقفتان في الممر، كما وُجدت دراجة سكوتر زرقاء في الحديقة الأمامية قال أحد الجيران إن ألين كان يستخدمها، في حين لم يستجب أحد لطرق الباب.
السجل الجنائي
ورغم خطورة الاتهامات، لم تُظهر عمليات البحث في قواعد بيانات المحاكم الفيدرالية ومحاكم الولايات أي سجل جنائي سابق باسم ألين، وهو ما اعتبره المحققون مؤشراً لافتاً في هذه القضية.
وفي المقابل، كشفت السجلات العامة والانتخابية عن بعض توجهاته السياسية، إذ تبرع بمبلغ 25 دولاراً عبر منصة تمويل الحملات الانتخابية لدعم حملة كامالا هاريس في انتخابات 2024.
كما عُلّقت لافتة في حديقة منزل العائلة تدعم مرشحاً محلياً لمنصب قاضٍ حظي بتأييد الحزب الديمقراطي في مقاطعة لوس أنجلوس.
تفوق أكاديمي
أما على المستوى الأكاديمي، فيحمل ألين مساراً تعليمياً لافتاً، إذ حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية عام 2017 من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، وهو من أرقى المؤسسات العلمية في الولايات المتحدة، ثم نال درجة الماجستير في علوم الحاسوب عام 2025 من جامعة ولاية كاليفورنيا – دومينغيز هيلز.
وتُظهر صور متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي ظهوره بزي التخرج، في دلالة على حداثة إنجازه الأكاديمي.
كما أشار ملفه المهني إلى مشاركته خلال دراسته الجامعية في مجموعة طلابية كانت تتنافس باستخدام مسدسات «نيرف»، إلى جانب انخراطه في زمالة طلابية ذات طابع مسيحي.
طالب ومعلم ممتاز
ووصفه أستاذ علوم الحاسوب بين تانغ، الذي درّسه في مرحلة الماجستير، بأنه «طالب ممتاز، كان يجلس دائماً في الصف الأول، منتبهاً، وكثير الأسئلة عبر البريد الإلكتروني، وهادئاً ومهذباً للغاية»، معبّراً عن صدمته من ارتباط اسمه بالحادث.
كما نقلت إذاعة إن بي آر عن أحد طلابه، وهو قاصر يبلغ 17 عاماً، أن ألين كان «معلماً جيداً وشخصاً ذكياً»، مضيفاً أنه «لم يكن من المتوقع أن يخطط لعمل عنيف»، رغم وصفه له بأنه «غريب الأطوار لأنه شديد الذكاء».
العمل المهني
وعلى الصعيد المهني، عمل ألين خلال نحو ست سنوات مدرساً في شركة «سي 2 إديوكيشن» المتخصصة في تقديم خدمات الاستشارات التعليمية والتحضير لاختبارات القبول الجامعي، حيث حصل في ديسمبر 2024 على لقب «معلم الشهر»، وهو ما يعكس تميزاً في أدائه الوظيفي قبل أشهر قليلة من الحادث.
كما عرّف نفسه عبر حساباته المهنية بأنه مهندس ميكانيكي وعالم حاسوب ومطور ألعاب مستقل. وفي هذا الإطار، طوّر لعبة فيديو بعنوان «بوردوم» أطلقها على منصة «ستيم» عام 2018، وهي لعبة قتال مستوحاة من نماذج كيميائية، كما أشار إلى عمله على تطوير لعبة أخرى ذات طابع قتالي تدور أحداثها في الفضاء الخارجي.
وظهر أيضاً في مقابلة تلفزيونية محلية خلال دراسته الجامعية، عرض فيها نموذجاً أولياً لنظام مكابح طوارئ للكراسي المتحركة يهدف إلى مساعدة كبار السن.
نشاط سياسي واجتماعي
وفيما يتعلق بنشاطه السياسي والاجتماعي، أفادت مصادر نقلتها إذاعة إن بي آر بأن ألين شارك في احتجاجات، من بينها فعالية عُرفت باسم «لا للملوك» في كاليفورنيا.
كما انضم إلى مجموعة تُدعى «المستيقظون»، وهي شبكة ناشطين تُعنى بقضايا العدالة الاجتماعية وتحمل اسماً مستوحى من حركة شبابية مناهضة للعبودية في القرن التاسع عشر.
ووفق إفادات شقيقته، كان يميل إلى استخدام خطاب يتسم أحياناً بالتطرف، مع تكرار حديثه عن ضرورة القيام «بشيء ما» لإصلاح العالم المعاصر.
تفاصيل خطيرة
وتبرز واحدة من أخطر التفاصيل في القضية في الرسائل التي أرسلها ألين إلى أفراد عائلته قبل دقائق من تنفيذ الهجوم، حيث وصف نفسه فيها بأنه «قاتل فيدرالي ودود»، ووجّه انتقادات للإجراءات الحكومية في عهد دونالد ترامب، دون أن يذكره بالاسم صراحة.
ووفق مسؤولين، تضمنت هذه الرسائل ما يشبه «بياناً» يشير إلى نية استهداف مسؤولين في الإدارة، وقد قام شقيقه بإبلاغ الشرطة بهذه الوثيقة، التي لم تُنشر تفاصيلها كاملة حتى الآن ولم تتمكن وسائل الإعلام من التحقق منها بشكل مستقل.
التسليح
وفيما يتعلق بالتسليح، أفاد مسؤولو إنفاذ القانون بأن ألين اشترى بشكل قانوني مسدساً نصف آلي عام 2023، وبندقية صيد في العام التالي، وكان يحتفظ بهذه الأسلحة في منزل عائلته من دون علم والديه. وخلال الحادث، كان بحوزته بندقية صيد ومسدس وعدة سكاكين، ما يعكس درجة من الاستعداد المسبق.
تحركات قبل الهجوم
أما عن تحركاته قبل تنفيذ الهجوم، فتشير التحقيقات إلى أنه سافر بالقطار من كاليفورنيا إلى شيكاغو ثم إلى العاصمة واشنطن، حيث أقام في فندق واشنطن هيلتون، وهو الموقع الذي استضاف الحفل.
وتفيد المعلومات بأنه نزل في الفندق قبل يوم من الحادث، ثم حاول اقتحام قاعة الاحتفالات التي كانت تضم عدداً كبيراً من كبار المسؤولين، قبل أن تتم السيطرة عليه في محيط أمني شهد حالة من الفوضى.
مفارقة لافتة
وتُظهر هذه المعطيات مفارقة لافتة، إذ تجمع شخصية ألين بين التفوق الأكاديمي والاستقرار المهني من جهة، ومؤشرات على تبني أفكار حادة ورسائل غامضة من جهة أخرى، في ظل غياب بصمة رقمية واضحة له مقارنة بحالات مشابهة. وقد دفع ذلك المحققين إلى توسيع دائرة البحث لفهم الدوافع الحقيقية وراء الهجوم.
وفي موازاة ذلك، تحوّل منزل عائلته في تورانس إلى نقطة تركيز أمني وإعلامي، حيث فرضت الشرطة ومكتب التحقيقات الفيدرالي طوقاً أمنياً مشدداً، وأُغلقت الشوارع المحيطة، ومنع الصحفيون من الاقتراب من الموقع، فيما أكد عمدة المدينة جورج كيه تشين استمرار التحقيقات في إطار تنسيق بين السلطات المحلية والفيدرالية.
محاكمة سريعة
ومن المنتظر أن يمثل ألين أمام المحكمة الفيدرالية، حيث يواجه اتهامات بالاعتداء على موظف اتحادي واستخدام سلاح ناري أثناء ارتكاب جريمة عنف، مع توقع توجيه اتهامات إضافية، وفق ما أعلنته المدعية العامة جانين بيرو.
وبينما تتواصل التحقيقات، تطرح القضية تساؤلات عميقة داخل الولايات المتحدة حول طبيعة التهديدات الداخلية، وكيف يمكن لشخص بمواصفات أكاديمية ومهنية مستقرة أن يتحول إلى مشتبه به في حادث كاد يهز استقرار المشهد السياسي من قلب العاصمة الأمريكية.



