لا حرية دينية تحت الاحتلال.. تضييق إسرائيلي متزامن على كنيسة القيامة والمسجد الأقصى

في مشهد يعكس تصاعد القيود المفروضة على حرية العبادة في القدس، شهدت المدينة المقدسة تطورات غير مسبوقة تزامنت مع موسم ديني بالغ الحساسية للمسيحيين والمسلمين واليهود، حيث منعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بطريرك اللاتين في القدس من الوصول إلى كنيسة القيامة لإقامة قداس أحد الشعانين، بالتوازي مع استمرار إغلاق المسجد الأقصى لليوم الثلاثين على التوالي.
هذه الإجراءات، التي بررتها إسرائيل بالاعتبارات الأمنية المرتبطة بالحرب الدائرة مع إيران، أثارت ردود فعل دينية وسياسية واسعة، وأعادت فتح النقاش حول مستقبل الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات في القدس.
تضييق على كنيسة القيامة خلال أحد الشعانين
وفقًا لوكالة “رويترز” فقد أعلنت البطريركية اللاتينية في القدس أن الشرطة الإسرائيلية أوقفت الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، والأب فرانشيسكو إيلبو أثناء توجههما إلى كنيسة القيامة داخل البلدة القديمة، ومنعتهما من إتمام مراسم قداس أحد الشعانين، رغم تحركهما بشكل فردي ومن دون أي مظاهر احتفالية.
وأكدت البطريركية في بيانها أن ما جرى يُعد سابقة تاريخية، موضحة أن رؤساء الكنيسة مُنعوا “لأول مرة منذ قرون” من إقامة هذا القداس في أحد أهم المناسبات المسيحية، معتبرة القرار إجراءً مفرطًا وغير متناسب مع طبيعة المناسبة الدينية، خاصة أن الترتيبات السابقة كانت تقضي بإقامة الصلاة دون حضور جماهيري واسع، مع الاكتفاء بالبث المباشر للمؤمنين حول العالم.
ردود فعل دولية غاضبة
القرار الإسرائيلي أثار موجة انتقادات أوروبية واضحة؛ إذ اعتبرت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أن ما حدث يمثل تجاوزًا غير مقبول، فيما أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني استدعاء سفير إسرائيل للاستفسار عن الحادث.
كما أدان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما وصفه بتزايد انتهاك حرمة الأماكن المقدسة في القدس، بينما قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي إن منع البطريرك من دخول الكنيسة “يصعب فهمه أو تبريره”، في مؤشر على اتساع دائرة الاعتراض الدولي حتى من داخل الحلفاء التقليديين لإسرائيل.
أطول إغلاق للمسجد الأقصى
بالتوازي مع القيود المفروضة على الكنائس، تواصل سلطات الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى منذ ثلاثين يومًا متواصلة، في أطول فترة منع للمصلين منذ احتلال القدس عام 1967، وفق ما أكدته الأوقاف الإسلامية.
ووفقًا لموقع “الجزيرة نت” فقد أبلغت السلطات الإسرائيلية الجهات الدينية أن الإغلاق سيستمر حتى 15 أبريل 2026، بذريعة استمرار حالة الطوارئ المرتبطة بالحرب الإقليمية.
وخلال هذه الفترة، مُنع مئات الآلاف من أداء صلاة التراويح وعيد الفطر داخل المسجد، كما أُغلقت أبوابه أمام المصلين بشكل شبه كامل.
قيود ميدانية في القدس القديمة
وأظهرت تسجيلات ميدانية انتشارًا كثيفًا للشرطة الإسرائيلية عند أبواب البلدة القديمة ومداخل المسجد الأقصى، ما دفع مئات المواطنين إلى أداء الصلاة في الشوارع المحيطة بعد منعهم من الدخول.
وفي الوقت نفسه، بدت ساحات المسجد شبه خالية خلال رمضان، في مشهد نادر لم تعرفه المدينة حتى في أكثر الظروف الأمنية تعقيدًا، بينما اقتصرت الحركة في محيط حائط البراق على أعداد محدودة قبيل عيد الفصح اليهودي.
إدخال قرابين حيوانية إلى محيط الأقصى
في تطور موازٍ، حاول مستوطنون إدخال سخلين إلى البلدة القديمة عبر باب الخليل تمهيدًا لتقديمهما قربانًا خلال عيد الفصح اليهودي، في إطار دعوات متكررة من جماعات الهيكل المتطرفة لإحياء طقس الذبح داخل المسجد الأقصى.
ورغم أن الشرطة منعتهم من التقدم، فإن الحادثة أثارت تحذيرات فلسطينية واسعة، خاصة مع تصاعد الخطاب الداعي إلى فرض طقوس دينية جديدة داخل الحرم القدسي.
إعادة تشكيل الواقع الديني في القدس
اللافت في هذه التطورات أن القيود لم تعد مرتبطة فقط بإجراءات أمنية مؤقتة، بل بدأت تُقرأ سياسيًا باعتبارها جزءًا من إدارة إسرائيلية جديدة للمقدسات في القدس، تقوم على إعادة تعريف من يملك حق الوصول ومتى وكيف.
فالمنع الذي طال أعلى مرجعية كاثوليكية في القدس، بالتزامن مع إغلاق الأقصى ومنع الشعائر الإسلامية، يوحي بأن المدينة تمر بمرحلة إعادة ضبط ميداني غير مسبوقة، تستفيد فيها السلطات الإسرائيلية من أجواء الحرب الإقليمية لفرض ترتيبات لم يكن تمريرها ممكنًا في الظروف العادية.
كما أن استمرار إغلاق الأقصى مع السماح ببعض الأنشطة الانتقائية في مواقع أخرى داخل البلدة القديمة يدفع إلى اتهامات بعدم اتساق تطبيق القانون، وهو ما يثير مخاوف من أن يتحول “الاستثناء الأمني” إلى قاعدة سياسية طويلة الأمد.
القدس أمام اختبار حساس
تأتي هذه الإجراءات في لحظة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المناسبات الدينية الكبرى للديانات الثلاث داخل مساحة جغرافية ضيقة، ما يجعل أي تغيير في قواعد الوصول إلى المقدسات قابلاً للتحول سريعًا إلى أزمة سياسية ودينية واسعة.
ويرى مراقبون أن استمرار القيود بهذا الشكل قد يفتح بابًا جديدًا للصدام الدبلوماسي، خصوصًا إذا اعتُبر أن الوضع التاريخي القائم في القدس بات يتعرض لتعديلات ميدانية متدرجة تحت غطاء أمني.



