احتجاجات “لا ملوك” ضد ترامب تتسع داخل أمريكا وخارجها.. لماذا تبدو هذه الجولة مختلفة؟
في واحدة من أوسع موجات الاحتجاج السياسي داخل الولايات المتحدة منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، خرجت حشود ضخمة في أكثر من 3200 موقع داخل الولايات الأمريكية الخمسين، بالتزامن مع تحركات موازية في أوروبا.
جاء ذلك ضمن الجولة الثالثة من مسيرات «لا ملوك»، التي تحولت من احتجاجات رمزية إلى مؤشر سياسي مباشر على اتساع المعارضة الشعبية لسياسات الإدارة الأمريكية، خصوصًا في ملفات الهجرة والتدخل العسكري في إيران وارتفاع تكاليف المعيشة والحريات المدنية.
واستنادًا إلى ما نشرته رويترز وأسوشيتد برس وCNN، فإن هذا التحرك يمثل حتى الآن أكبر اختبار ميداني لحجم المعارضة الشعبية ضد ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن المشاركة في الاحتجاجات هذه المرة قد تكون الأكبر منذ انطلاق الحركة العام الماضي، مع مشاركة واسعة في الولايات المحافظة ذات الميول الجمهورية والضواحي المتأرجحة انتخابيًا، ما يمنح الحدث أبعادًا تتجاوز غضب الشارع إلى الحسابات الانتخابية المقبلة.
مينيسوتا في صدارة المشهد
تحولت ولاية مينيسوتا إلى قلب الاحتجاجات، بعدما احتشد عشرات الآلاف أمام مبنى الكابيتول في سانت بول في فعالية صنفها المنظمون باعتبارها الحدث الوطني الرئيسي لهذا العام.
واكتسبت مينيسوتا رمزية خاصة خلال الأشهر الماضية بعد تصاعد التوتر بين سلطات الولاية والإدارة الفيدرالية على خلفية حملات الهجرة المشددة، خصوصًا بعد مقتل رينيه غود وأليكس بريتي خلال عمليات مرتبطة بسلطات الهجرة الفيدرالية في مينيابوليس، وهو الملف الذي لا يزال حاضرًا بقوة في الخطاب الاحتجاجي داخل الولاية.
ورفع المحتجون لافتة ضخمة على درجات مبنى الكابيتول كتب عليها: «كان لدينا صفارات.. وكان لديهم بنادق.. الثورة تبدأ في مينيابوليس»، في إشارة إلى ما يعتبره المحتجون استخدامًا مفرطًا للقوة من قبل الأجهزة الفيدرالية.
حضور فني وسياسي واسع
قاد الفعالية المغني الأمريكي بروس سبرينغستين الذي قدم أغنيته «شوارع مينيابوليس»، وهي عمل جديد كتبه خصيصًا بعد مقتل الضحيتين، وتحولت الأغنية سريعًا إلى رمز احتجاجي داخل الحركة.
وفي كلمته أمام الحشد، قال سبرينغستين إن ما يقدمه سكان مينيسوتا من مقاومة يثبت أن الولايات المتحدة ما زالت قادرة على الدفاع عن قيمها الديمقراطية، مؤكدًا أن البلاد لن تسمح باستمرار ما وصفه بالغزوات السياسية ضد المدن الأمريكية.
كما شهدت الفعالية كلمة للسيناتور بيرني ساندرز، الذي أكد أن الأمريكيين لن يسمحوا بانزلاق البلاد نحو الاستبداد، بينما ظهر روبرت دي نيرو في رسالة مصورة قال فيها إن ترامب يشكل تهديدًا وجوديًا للحريات الأمريكية، كما شاركت جين فوندا وجوان بايز في الحدث.
الاحتجاج يتجاوز المدن الديمقراطية
في نيويورك، امتد الحشد لعشرات الآلاف في وسط مانهاتن على امتداد أكثر من عشرة مبانٍ، بينما شهدت واشنطن مسيرات قرب نصب لنكولن التذكاري وصولًا إلى الساحة الوطنية.
لكن التطور الأهم كان اتساع الاحتجاج داخل ولايات محافظة مثل أيداهو ووايومنغ ومونتانا ويوتا، حيث سجلت المجتمعات الصغيرة لأول مرة مشاركة كثيفة في فعاليات الحركة.
ووفق المنظمين، فإن ثلثي التجمعات جرت خارج المراكز الحضرية الكبرى، مع زيادة تقترب من 40% في عدد المجتمعات الصغيرة مقارنة بالجولة الأولى للحركة.
احتكاكات محدودة
في لوس أنجلوس، استخدمت السلطات الغاز المسيل للدموع قرب مركز احتجاز فيدرالي بعد رفض متظاهرين مغادرة الموقع، بينما أعلنت وزارة الأمن الداخلي إصابة عنصرين من قوات إنفاذ القانون.
وفي دالاس، سجلت مناوشات محدودة بين المحتجين ومجموعات مضادة، بينها أنصار جماعات يمينية متشددة، فيما اعتقلت الشرطة عددًا من الأشخاص.
كما أعلنت شرطة دنفر تجمعًا غير قانوني بعد إغلاق طريق عام واستخدام قنابل دخانية لتفريق الحشود.
أوروبا تدخل على الخط
الاحتجاجات امتدت أيضًا إلى روما ولندن وباريس، حيث رفعت شعارات تهاجم اليمين المتشدد والحرب والتدخلات العسكرية، وربط المحتجون بين سياسات ترامب والتصعيد الدولي المرتبط بإيران.
لماذا تختلف هذه الجولة عن سابقاتها؟
الاحتجاج لم يعد ظاهرة حضرية
أهم ما يميز هذه الجولة أن ثلثي الفعاليات خرجت من إطار المدن الكبرى إلى الدوائر الريفية والضواحي، وهو تطور بالغ الأهمية لأن الانتخابات الأمريكية لا تُحسم في نيويورك أو كاليفورنيا فقط، بل في مناطق متأرجحة ومجتمعات صغيرة.
كما اتسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل ولايات مثل أيداهو ووايومنغ ومونتانا ويوتا، وهو تطور مهم أيضًا لأن الحركات الاحتجاجية الأمريكية كانت تقليديًا تتركز في الحواضن الديمقراطية الكبرى، بينما تشير هذه الجولة إلى انتقال المزاج المعارض إلى مناطق كانت تُعد انتخابيًا أكثر قربًا من الجمهوريين.
وحين تظهر احتجاجات بهذا الحجم في ولايات محافظة، فهذا يعني أن الخطاب المعارض بدأ يلامس قواعد اجتماعية جديدة لم تكن منخرطة سابقًا.
الحرب على إيران غيّرت المشهد
في الجولات السابقة، كان ملف الهجرة هو المحرك الأساسي للاحتجاجات، أما الآن فقد دخلت الحرب على إيران في صدارة الشعارات.
وهذا التحول مهم لأنه يعكس انتقال المعارضة من ملف داخلي إلى اعتراض على توجه استراتيجي كامل للإدارة الأمريكية، خصوصًا في ظل تنامي المخاوف من انزلاق واشنطن إلى مواجهة إقليمية مفتوحة ذات تكلفة اقتصادية وسياسية مرتفعة.
الضغط الانتخابي بدأ مبكرًا
يتحدث المنظمون بوضوح عن تسجيل مشاركين جدد في الاحتجاجات بولايات متأرجحة مثل بنسلفانيا وجورجيا وأريزونا، وهذه الولايات تحديدًا تمثل مفتاح السيطرة على الكونغرس في انتخابات نوفمبر.
وهذا يكشف أن الحركة لم تعد مجرد احتجاج رمزي، بل بدأت تتحول إلى بنية تعبئة انتخابية يمكن أن تؤثر فعليًا في الانتخابات المقبلة.
تراجع شعبية ترامب قوة إضافية
تشير نتائج استطلاع أجرته رويترز بالتعاون مع إبسوس إلى تراجع شعبية ترامب إلى 36%، وهو أدنى مستوى منذ عودته إلى البيت الأبيض، وهذا الرقم يمنح المعسكر المعارض مادة سياسية قوية للبناء عليها خلال الأشهر المقبلة، ما يمنح الحركة الاحتجاجية أرضية سياسية أكثر صلابة.
البيت الأبيض يحاول الاحتواء
من جانبها، وصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض أبيجيل جاكسون الاحتجاجات بأنها تحركات مدفوعة من شبكات يسارية التمويل، بينما اعتبرت اللجنة الوطنية الجمهورية أن هذه التجمعات تعبر عن «أكثر تيارات اليسار تطرفًا».
المشهد يقلق الجمهوريون
ردود الفعل الجمهورية السريعة تكشف أن القلق الحقيقي لا يتعلق بالحشود نفسها، بل بإمكانية تحول هذه الحركة إلى شبكة تعبئة انتخابية مستمرة قادرة على التأثير في الدوائر المتنافسة.
ويخشى الجمهوريين من أن تمدد الاحتجاج في المجتمعات الصغيرة يعني أنه لم يعد ظاهرة إعلامية مرتبطة بالنخب الساحلية، بل أصبح قابلًا للتمدد داخل الدوائر التي تحسم الانتخابات فعليًا. ولهذا جاء رد الحزب الجمهوري هجوميًا وسريعًا، في محاولة مبكرة لمنع الاحتجاج من التحول إلى رواية انتخابية مضادة.
هل تتحول «لا ملوك» إلى تيار دائم؟
السؤال المركزي الآن ليس حجم الاحتجاج، بل قدرته على الاستمرار. فإذا نجحت الحركة في الحفاظ على زخمها داخل الضواحي والولايات المحافظة، فقد تتحول من مجرد تحرك احتجاجي إلى مظلة سياسية أوسع، خاصة مع انضمام اتحادات مهنية ومنظمات مدنية وشخصيات ثقافية ذات تأثير جماهيري واسع.



