ورقة الإسلاموفوبيا في الانتخابات الأمريكية.. لماذا يعيد الجمهوريون استخدامها ضد عبد الرحمن السيد؟
لم تغب الإسلاموفوبيا عن المشهد الانتخابي الأمريكي خلال العقود الماضية، ويبدو أنها تعود مجددًا إلى واجهة الحملات السياسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل، في ظل تصاعد الهجمات على مرشحين مسلمين، وفي مقدمتهم عبد الرحمن السيد، المرشح الديمقراطي المحتمل لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان.
وترى نازيتا لاجيفاردي، أستاذة العلوم السياسية في جامعة ميشيغان، أن استدعاء الخطاب المعادي للإسلام ليس ظاهرة جديدة داخل الحملات الانتخابية الأمريكية، مشيرة إلى أن السياسيين الجمهوريين وجدوا فيه على مدار سنوات «استراتيجية مجربة ومضمونة»، عندما يكون استخدامها مناسبًا سياسيًا.
وقالت لاجيفاردي في تصريحات لقناة “الجزيرة” إن الإسلاموفوبيا كانت «قوة فاعلة» في تحفيز الناخبين على المشاركة خلال انتخابات عام 2016، وإن الرسالة نفسها يجري استدعاؤها اليوم من جديد في محاولة للتأثير في سلوك بعض الناخبين خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
إرث 2016
وتربط لاجيفاردي تصاعد استخدام الإسلاموفوبيا في انتخابات 2016 بسياق سياسي وأمني اتسم بأزمة اللاجئين السوريين، إلى جانب سلسلة من الهجمات داخل الولايات المتحدة نفذها، وفق تعبيرها، أشخاص «تستروا تحت ستار كونهم مسلمين».
وتقر بأن تلك اللحظة وفرت أرضية قوية لاستخدام الإسلاموفوبيا كرسالة سياسية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن هذه المقاربة أسهمت في «تشويه صورة المسلمين الأمريكيين».
وكان دونالد ترامب قد جعل الدعوة إلى حظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة جزءًا بارزًا من برنامجه الانتخابي خلال حملته الرئاسية عام 2016، قبل أن تتحول القضية إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في ذلك السباق.
وترى لاجيفاردي أن الرسائل المعادية للمسلمين لا تصل فقط إلى القاعدة الانتخابية التي تستهدف تعبئتها، بل يسمعها أيضًا الأشخاص الذين تستهدفهم هذه الرسائل مباشرة، بما يفتح الباب أمام ما تسميه «التعبئة المضادة».
تعبئة مضادة
وتشير أستاذة العلوم السياسية إلى مفهوم «النداءات العنصرية»، في إشارة إلى التصريحات العنصرية الصريحة التي يستخدمها بعض السياسيين، موضحة أن هذه الرسائل يمكن أن تؤدي إلى نتيجة عكسية عندما تدفع المسلمين الأمريكيين، أو أصحاب الهويات القريبة منهم، إلى التحرك سياسيًا لمواجهة ما يرونه تمييزًا سياسيًا.
وتطرح في هذا السياق تساؤلًا بشأن مدى قدرة الخطاب المعادي للإسلام على حشد الناخبين المسلمين وغيرهم في الاتجاه المعاكس، بحيث يتحول استهداف المرشحين المسلمين إلى عامل يدفع قطاعات من الناخبين إلى المشاركة والتصويت ضد أصحاب هذه الحملات.
معركة ميشيغان
وتبرز ميشيغان باعتبارها اختبارًا مهمًا لهذه النظرية، في ظل سباق عبد الرحمن السيد على مقعد الولاية في مجلس الشيوخ.
وتصف لاجيفاردي السباق بأنه «مهم حقًا»، مشيرة إلى أن الطبيب الأمريكي من أصل مصري تمكن من هزيمة منافسته في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، ليصبح المرشح الديمقراطي المحتمل في مواجهة الجمهوري مايك روجرز.
لكن فوز عبد الرحمن السيد أعقبه تصعيد واضح في الهجمات السياسية والإعلامية ضده، بحسب الأكاديمية، التي وصفت تلك الهجمات بأنها أصبحت «صريحة للغاية، ومعادية للإسلام للغاية، وعنصرية للغاية».
وقبل أيام من تصريحاتها، تم بث إعلان أعاد عرض مشاهد من هجمات 11 سبتمبر 2001، التي أودت بحياة نحو 3 آلاف شخص، لكنه ربط في الوقت نفسه بين عبد الرحمن السيد ومنفذي الهجمات، في محاولة لإثارة مخاوف الناخبين من احتمال وصول شخص إلى مجلس الشيوخ «ربما لا يضع مصلحة البلاد في قلبه».
وترى لاجيفاردي أن هذا النوع من الحملات يعتمد على روابط ضمنية راسخة لدى بعض المتلقين بين كلمات مثل «الإسلام» و«الإرهابي» و«المسلم» و«المتطرف»، ثم يجري إسقاط تلك الروابط على مرشح مسلم بعينه.
هجمات متصاعدة
ولا يأتي الإعلان الأخير بمعزل عن سلسلة من الهجمات السياسية على عبد الرحمن السيد منذ فوزه بالترشيح الديمقراطي.
فقد حذر نائب الرئيس جيه دي فانس من احتمال وصول السيد إلى الرئاسة في المستقبل، مستخدمًا عبارة «لا سمح الله»، كما اتهمه بالتعاطف مع من وصفهم بـ«القتلة».
كذلك وصفه الرئيس ترامب بأنه «منفصل عن الواقع وخطر حقيقي على بلدنا».
وتعتبر لاجيفاردي أن الطريقة التي تُشن بها هذه الحملات «عنصرية للغاية» و«معادية للإسلام بشكل لا يصدق»، لأنها تستفيد من الارتباطات التي تحاول بعض الحملات ترسيخها بين هوية المرشح الدينية وبين الإرهاب والتطرف.
سلاح انتخابي
وتذهب لاجيفاردي إلى أبعد من ذلك، إذ تصف الإسلاموفوبيا بأنها «مخدر قوي وفعال»، وتقول إنها كانت «حاسمة للغاية» في تشكيل الدعم لترامب خلال انتخابات 2016.
وبحسب قراءتها للبيانات الانتخابية، كانت المواقف المعادية للإسلام، بعيدًا عن الانتماء الحزبي، من أقوى المؤشرات على استعداد الناخب للتصويت للمرشحين الجمهوريين في ذلك الوقت.
لكن لاجيفاردي تتحفظ على إسقاط تجربة 2016 بصورة مباشرة على انتخابات 2026، متسائلة: «هل سيكون لها التأثير نفسه اليوم؟».
وتجيب بأن ذلك لا يزال غير محسوم، لأن الولايات المتحدة لم تعد تعيش السياق السياسي نفسه الذي كان قائمًا في عامي 2015 و2016، كما تغيرت طبيعة الدوائر الانتخابية التي يخوض فيها المرشحون المسلمون سباقاتهم.
نفوذ متزايد
وتشير الأكاديمية إلى أن المرشحين المسلمين يخوضون اليوم انتخابات في ولايات ودوائر تضم أعدادًا كبيرة من الأقليات والأمريكيين التقدميين الذين قد يتشاركون معهم القيم السياسية نفسها، وهو ما يجعل تأثير الإسلاموفوبيا أكثر تعقيدًا من السابق.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه المسلمون الأمريكيون توسعًا ملحوظًا في حضورهم السياسي؛ إذ أصبحت نيويورك أمام إمكانية انتخاب أول رئيس بلدية مسلم لها، كما وصلت غزالة هاشمي إلى منصب نائبة حاكم فرجينيا، بينما قد يصبح عبد الرحمن السيد أول عضو مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي إذا فاز في نوفمبر المقبل.
وبحسب بيانات مركز بيو للأبحاث، يبلغ عدد المسلمين في الولايات المتحدة نحو 5.5 ملايين نسمة، بما يمثل 1.6% من إجمالي السكان، مقابل نحو 2.4 مليون عام 2007.
اختبار نوفمبر
ورغم التحولات السياسية والديموغرافية، تؤكد لاجيفاردي أن الإسلاموفوبيا لا تزال تمتلك وزنًا انتخابيًا ملموسًا.
وتستند في ذلك إلى استطلاعات أُجريت خلال الانتخابات التمهيدية في أغسطس الماضي، وتقول إنها أظهرت أن المواقف المعادية للإسلام كانت «مهمة للغاية» في تحديد مدى استعداد الناخب للتصويت لمسؤول مسلم.
وتخلص أستاذة العلوم السياسية في جامعة ميشيغان إلى أن الإسلاموفوبيا ستكون «دافعًا قويًا» في المعركة الانتخابية المقبلة، لكنها لا تستطيع الجزم بأنها ستكون كافية وحدها لحسم النتائج.
وترى أن الجمهوريين «يحاولون قدر استطاعتهم» بث إعلانات «صريحة ومباشرة للغاية»، لكن السؤال الذي سيحسمه اقتراع نوفمبر هو مدى قدرة هذه الاستراتيجية على التأثير في الناخبين، وما إذا كانت ستنجح في تعبئة القاعدة الجمهورية أم ستدفع في المقابل المسلمين والأقليات وقطاعات أخرى إلى تعبئة مضادة.




