السيكلوسبورا يثير القلق.. ما سر التفشي غير المسبوق في ميشيغان وأمريكا؟

حوار مهم مع الدكتور مازن النجار، أخصائي الطب الباطني والأمراض المعدية والأستاذ المساعد في جامعة ميشيغان

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

استضاف راديو “صوت العرب من أمريكا” الدكتور مازن النجار، أخصائي الطب الباطني والأمراض المعدية والأستاذ السريري المساعد في جامعة ميشيغان، في حوارٍ تناول التفشي غير مسبوق لمرض السيكلوسبورا المعوي في الولاية والولايات المتحدة الأمريكية خلال هذا الصيف.

وقد استعرض اللقاء طبيعة هذا الطفيل المجهري، وكيفية انتقاله للأغذية، وأبرز الأعراض والسبل الطبية لتشخيصه، بالإضافة إلى سبل الوقاية الفعالة لتجنب الإصابة به، ومستجدات التحقيقات الوبائية حول مصادر هذا التلوث.

تعريف السيكلوسبورا

* نرحب بالدكتور مازن النجار في إطلالته الأولى على مستمعينا ومتابعينا عبر منصة راديو “صوت العرب من أمريكا”. في البداية دكتور مازن، ما هو طفيل السيكلوسبورا، ومن أين تأتي كل هذه الإصابات؟ إذ لا يزال هذا الموضوع غامضاً لدى العديد من مستمعينا ومتابعينا.

** أهلاً بكم جميعاً. طفيل السيكلوسبورا هو كائن طفيلي مجهري يحتاج إلى كائن مضيف ليعيش، وله دورة حياة محددة؛ إذ يتعين عليه المرور عبر الإنسان لاستمرار نموه وحياته.

اكتُشف هذا الطفيل أول مرة عام 1979 في مدينة ليما عاصمة بيرو، وتحديداً في إحدى جامعاتها، ومن هناك جاءت تسميته. وبالتأكيد، فإن هذا الطفيل موجود في البيئة منذ مئات السنين وليس حديث النشأة.

يحتاج الطفيل إلى الإنسان والبيئة معاً لإتمام دورة حياته؛ حيث يخرج من أمعاء الإنسان المصاب على شكل أكياس طفيلية غير ناضجة عبر البراز، وتحتاج هذه الأكياس إلى البقاء في البيئة الخارجية لمدة تتراوح بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع حتى تنضج وتصبح معدية، ويتطلب ذلك رطوبة ودرجة حرارة دافئة تزيد على 22 درجة مئوية.

ومن حسن الحظ، لا توجد عدوى مباشرة تنتقل من إنسان إلى آخر، نظراً لضرورة مرور الطفيل بطور النضوج البيئي الخارجي أولاً.

طرق انتقال الطفيل

* كيف يصل هذا الطفيل إلى جسم الإنسان، وما هي الطرق الأكثر شيوعاً للإصابة به؟

** بمجرد نضوج تلك الأكياس الطفيلية في البيئة، فإنها تبقى حية في التربة والمياه وعلى النباتات لعدة أشهر؛ حيث تمتلك القدرة على البقاء في الطبيعة لفترات طويلة ملتصقة بأسطح المزروعات.

وتحدث الإصابة عند تناول الخضروات والفواكه التي يصعب طهيها وتؤكل نيئة مثل الخس، والسبانخ، والبقدونس، والكزبرة، والتوت، إذا لم تُغسل جيداً. فعندما يبتلع الإنسان الأكياس الناضجة، تنفجر داخل الأمعاء وتخرج منها الكائنات الدقيقة لتهاجم الغشاء المخاطي المعوي مسببة الأعراض.

مصادر تلوث الأغذية

* نفهم من ذلك أن هذه المنتجات الزراعية تتلوث ابتداءً من التربة وليس من مياه الري مثلاً؟

** قد تتلوث من الطرفين؛ فالأكياس الطفيلية غير الناضجة تخرج من جسم الإنسان، وتمر بفترة نضوج في البيئة، وعندما تنضج تظل حية على أسطح الأوراق لشهور، سواء في التربة أو مياه الري الملوثة التي تُسقى بها المزروعات. وعندما يقطف الإنسان هذه الثمار ويستهلكها دون غسيل كافٍ، تقع الإصابة.

انتقال العدوى المباشر

* هل يمكن أن تنتقل الإصابة بشكل مباشر من شخص إلى آخر؟

** لا، هذا المرض غير معدٍ من شخص لآخر مباشرة. فالطفيل يتطلب نضوجاً خارجياً في البيئة يستغرق ما بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع ليصبح معدياً. الدورة تبدأ بخروج الأكياس غير الناضجة مع براز المصاب، وتنتقل عبر مياه الصرف الصحي لتصل في النهاية إلى التربة والمزروعات حيث تنضج.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض الدول، مثل المكسيك، قد تسقي مزروعاتها بمياه الصرف الصحي، مما يسهل انتقال الطفيل من البيئة إلى الإنسان مجدداً وتكامل دورة حياته.

أسباب التفشي الواسع

* لماذا حدث هذا التفشي الكبير في ولاية ميشيغان تحديداً هذا الصيف بعد أن كانت تسجل أعداداً محدودة جداً سنوياً لا تتجاوز خمسين حالة؟ ما التفسير الطبي والوبائي لهذه القفزة الضخمة؟

** السبب واضح وهو ضعف النظافة والإهمال من قبل العاملين والمسؤولين عن عمليات قطف المنتجات الغذائية، ونقلها، وتخزينها، وتجهيزها.

لا يوجد تفسير آخر سوى تراجع مستويات النظافة والاهتمام؛ فمعظم الأمراض المعوية التي تنتقل عبر المسار الفموي-الشرجي يمكن الوقاية منها ببساطة عن طريق الالتزام التام بقواعد النظافة الشخصية والمهنية.

علاقة الخس بالتفشي

* هل ظُلم الخس عندما روجت التقارير الإخبارية أنه بؤرة التفشي، بينما ذكرت حضرتك العديد من المنتجات الأخرى؟

** وفقاً لآخر تحديثات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، فقد تم ربط جزء من الإصابات بالخس المورد من مزرعة “تايلور فارمز” (Taylor Farms)، والذي تم شراؤه عبر سلسلة مطاعم الوجبات السريعة “تاكو بيل” (Taco Bell).

يحدد العلماء ذلك من خلال تقنية التسلسل الجيني لفحص الحمض النووي للطفيل وتتبع مصدره الأصلي. ورغم أن بعض التقارير اللاحقة أشارت إلى أن هذا الارتباط لم يُثبت بشكل قطعي مطلق، إلا أنه يظل الظن الأكثر ترجيحاً وشيوعاً طبيّاً حتى الآن.

استهداف ولاية ميشيغان

* لماذا كانت ميشيغان تحديداً من أكثر الولايات تسجيلاً للإصابات المرتفعة؟ هل يرتبط الأمر بسلسلة التوزيع الغذائي التي وصلت بكثافة للولاية؟

** نعم، هذا هو التفسير الوحيد والمنطقي؛ فمن سوء حظ ولاية ميشيغان أن شحنات الخس الملوثة القادمة من مزرعة “تايلور فارمز” وُزعت واستهلكت بكثافة هنا. ويشبه ذلك ما حدث قبل سنوات عندما تفشى نوع نادر من التهاب السحايا الفطري بسبب تلوث مادة طبية تُحقن في السائل الدماغي الشوكي.

وكان المعمل المنتج للشركة يقع في بوسطن بولاية ماساتشوستس، وبما أنه كان يورد جزءاً كبيراً من أدويته لميشيغان، تسبب ذلك في تفشٍ واسع للمرض في ولايتنا تحديداً دون غيرها بسبب مسارات التوزيع.

احتمالية حدوث وباء

* هل هناك مبالغة وتهويل إعلامي في تصوير هذا التفشي كونه قد يتحول إلى وباء جديد؟

** لا داعي للقلق إطلاقاً؛ فقوة التفشي بلغت ذروتها في منتصف شهر يوليو الماضي ثم انخفضت أعداد الحالات بشكل ملحوظ. وبما أنه لا يوجد انتقال للعدوى مباشرة بين البشر، فلا يمكن أن يتحول هذا المرض إلى جائحة أو وباء عام.

إضافة إلى ذلك، فإن الإجراءات الصحية التي اتخذت بمنع استيراد أو جلب المنتجات من المزرعة الملوثة قد ساهمت في قطع دورة حياة الطفيل والسيطرة على الوضع بشكل كامل.

أعراض المرض وتشخيصه

* ما هي أبرز أعراض مرض السيكلوسبورا، وكيف يستطيع الشخص التمييز بينه وبين التلبك المعوي العادي أو التسمم الغذائي البسيط؟

** من المستحيل التمييز بين هذه الحالات سريرياً بالاعتماد على الأعراض فقط؛ فالعديد من الأمراض المعوية تتشابه كثيراً في مظاهرها. وتشمل الأعراض الأساسية آلام البطن، والإسهال الشديد، والشعور بالامتلاء والغازات، والغثيان، وفقدان الشهية، والوهن العام مع ارتفاع طفيف في درجة الحرارة.

غير أن نسبة حدوث القيء في هذه الإصابة منخفضة نسبياً ولا تتجاوز 17% إلى 18% من الحالات. والمشكلة الأساسية في هذا المرض هي استمرارية الأعراض وطول مدتها التي قد تمتد لعدة أسابيع (ما بين ثلاثة إلى أربعة أسابيع)، بل قد تتواصل لعدة أشهر لدى المرضى المصابين بتثبيط مناعي مثل مرضى فيروس نقص المناعة البشرية (HIV).

لذا، فإن الطريقة السريرية الوحيدة المؤكدة للتشخيص هي فحص عينة البراز المخبرية باستخدام تقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR).

فترة الحضانة والانتكاس

* بعد تناول الطعام الملوث، كم من الوقت يستغرق ظهور الأعراض؟ وهل صحيح أن الإسهال قد يستمر طويلاً ويختفي ثم يعود مجدداً؟

** نعم، هذا صحيح تماماً؛ فالإسهال يمتد لفترات طويلة، ومن علاماته المميزة والفريدة أنه قد يتحسن لبضعة أيام ثم يعاود الظهور مجدداً. أما فترة حضانة المرض فتتراوح بين يومين إلى عشرة أيام كأقصى تقدير، بمتوسط سبعة أيام. فعلى سبيل المثال، إذا تناول شخص طعاماً ملوثاً يوم الجمعة، فلن تبدأ الأعراض بالظهور عليه غالباً إلا في يوم الخميس أو الجمعة من الأسبوع التالي.

ويرجع التفاوت في سرعة ظهور الأعراض وشدتها إلى كمية الأكياس الطفيلية التي ابتلعها المريض (الجرعة المعدية). وما يميز هذا الطفيل بسلبية كبرى هو أن الجرعة المعدية المطلوبة لإحداث المرض منخفضة للغاية؛ إذ يكفي ابتلاع ما بين 10 إلى 100 كيس طفيلي فقط لتظهر الأعراض على الشخص، وهو عدد ضئيل جداً مقارنة بممرضات أخرى تتطلب ابتلاع الآلاف أو الملايين من الكائنات الحية الدقيقة لتتغلب على دفاعات الجسم وتحدث المرض.

دواعي الرعاية الطبية

* متى يستدعي الأمر تدخلاً طبياً عاجلاً، ومن هم الأشخاص الذين تنصحهم بعدم الانتظار والاتصال بطبيبهم فوراً؟

** غالبية حالات الإسهال بشكل عام تكون محدودة ذاتياً وتشفى تلقائياً دون علاج. ونصيحتي هي عدم الانتظار لأكثر من 24 إلى 48 ساعة إذا لم يطرأ تحسن على الأعراض، خاصة لبعض الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات الطبية والذين يجب عليهم الاتصال بالطبيب فوراً.

وهم: الأطفال، كبار السن فوق 65 عاماً، والمرضى المثبطون مناعياً كمرضى السرطان، وزارعي الأعضاء، وحاملي فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، ومن يتناولون أدوية الكورتيزون لفترات طويلة؛ حيث تكون الأعراض لديهم أشد خطورة وتستمر لفترات أطول.

الوقاية الفعالة أولاً

* هل هناك علاج تنصح به كإجراء مبدئي للمساعدة، وما هي طرق الوقاية؟

** الوقاية دائماً خير من العلاج. وتبدأ بالالتزام التام بغسيل الأيدي، وغسل الفواكه والخضروات التي تؤكل نيئة دون طهي كالسلطات بعناية بالغة.

ويجب أن يتم الغسل تحت الماء الجاري المنساب من الصنبور مباشرة وليس بنقع الخضروات في وعاء مغلق من الماء؛ لأن الأكياس الطفيلية ملتصقة بشدة بالأسطح وتتطلب الفرك اليدوي الخفيف تحت الماء الجاري لتزول وتنجرف بعيداً.

أما بخصوص استخدام الخل أو بيكربونات الصوديوم في الغسيل، فلا توجد معلومات طبية مؤكدة تثبت فعاليتها في قتل هذا الطفيل. كما أن مادة الكلور المستخدمة في تعقيم مياه الشرب البلدية غير فعالة أيضاً في القضاء على هذه الأكياس الطفيلية.

موقفنا من الخضروات

* نسمع الآن أن الكثير من الناس يمتنعون تماماً عن تناول الخس أو الفواكه مثل التوت والفرولة خوفاً من الإصابة، فما هي توصيتك لهم؟

** لا توجد إجابة واحدة مطلقة، ولكن مثل هذه الفاشيات الوبائية تحدث في العالم منذ مئات السنين وليست بالشيء الجديد ولن تتوقف؛ فقد نواجه بكتيريا الشيغيلا أو السالمونيلا أو الإشريكية القولونية (E. coli) في فترات مختلفة، فهذا جزء مستمر من علم الأمراض البشرية.

وتوصيتي للناس ألا يخافوا، شريطة تنظيف الأطعمة وغسل الأيدي جيداً؛ فالجسم بحاجة ماسة للمغذيات والفيتامينات ومضادات الأكسدة المتوفرة في الخضروات والفواكه، وهي مفيدة جداً وسهلة الهضم ومريحة للمعدة، لذا لا يجب الامتناع عن استهلاكها بل الاستمرار في تناولها مع الحرص الشديد على نظافتها.

الإسعافات والعلاج السليم

* ما هي نصيحتك الطبية لمن تثبت إصابته كإجراء إسعافي أولي؟

** الإجراء الإسعافي الأول والأهم هو تعويض السوائل والترطيب المستمر عبر شرب كميات وفيرة من المياه لتجنب الإصابة بالجفاف. والثاني هو مراجعة الطبيب لإجراء فحص البراز في حال استمر الإسهال لأكثر من 24 إلى 48 ساعة، وذلك للحصول على العلاج النوعي الفعال جداً؛ حيث يتوفر دواء مركب من عائلة السلفا يعرف تجارياً باسم “باكتريم” (Bactrim)، وهو ذو فعالية مثبتة وممتازة ضد هذا الطفيل، ويؤخذ بجرعة حبة واحدة مرتين يومياً لمدة تتراوح بين سبعة إلى عشرة أيام وفق التوجيه الطبي الدقيق.

نصائح الوقاية الثلاث

* لو لخصنا ثلاث نصائح أساسية لحماية الأسرة من الأمراض المنقولة بالغذاء بالترتيب، فماذا ستكون؟

** بالترتيب: أولاً، غسل اليدين جيداً بالماء والصابون. ثانياً، الشراء من مصادر ومحلات تتميز بالنظافة الواضحة وتجنب الأماكن المهملة التي تضع صناديق الخضروات والفواكه على الأرض مباشرة وتفتقر للترتيب والنظافة العامة. ثالثاً، غسل الخضروات والفواكه التي تؤكل نيئة دون طهي بطريقة الفرك تحت الماء الجاري المنساب بشكل جيد.

* كانت هذه إضاءة مهمة وتوضيحاً شاملاً للغط المثار حول هذا الموضوع في وسائل الإعلام وبين المواطنين. نكتفي بهذا القدر دكتور مازن لانتهاء وقت البرنامج للأسف، وكنت أتمنى التطرق لموضوع ذي أهمية بالغة يتعلق بمدى تأثر برامج البحث العلمي وإضعاف قدرتنا على اكتشاف الأوبئة والتعامل المبكر معها جراء إعادة الهيكلة والتمويل وفقدان الكفاءات والخبرات المتخصصة، لاسيما وأنكم من الخبراء في هذا المجال بعيداً عن أي تسييس للموضوع ومن منظور علمي بحت.

نأمل أن نلتقي بك مجدداً خلال الأسبوع المقبل لمناقشة هذا الملف الهام. شكراً جزيلاً للدكتور مازن النجار، أخصائي الطب الباطني والأمراض المعدية، على هذه الإضاءات القيمة.

** على الرحب والسعة، وأهلاً بكم دائماً.

تعليق
Exit mobile version