الديزل يشعل أزمة الوقود في أمريكا ويهدد بموجة تضخمية جديدة
الأسعار تتجاوز أعلى مستوى تاريخي وسط تداعيات حرب إيران

دخلت أسعار الديزل في الولايات المتحدة مرحلة غير مسبوقة، بعدما سجل متوسط سعر الجالون مستوى قياسيًا جديدًا، في ظل استمرار تداعيات الحرب الأمريكية مع إيران واضطراب إمدادات الطاقة العالمية، الأمر الذي يهدد بزيادة تكاليف النقل والزراعة والتصنيع والبناء ويدفع بمزيد من الضغوط التضخمية إلى المستهلكين.
ووفق بيانات جمعية السيارات الأمريكية «AAA» التي نقلتها شبكة «CNN»، ارتفع متوسط سعر الديزل إلى نحو 5.85 دولار للجالون، متجاوزًا المستوى القياسي السابق البالغ 5.816 دولار، والمسجل في يونيو 2022 عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
ولا يمثل ارتفاع الديزل مشكلة لسائقي الشاحنات وحدهم، إذ يعتمد عليه جزء كبير من النشاط الاقتصادي الأمريكي والعالمي، فهو الوقود الرئيسي للشاحنات والجرارات والقطارات ومعدات البناء والعديد من السفن، ما يجعل أي ارتفاع كبير في أسعاره ينتقل تدريجيًا إلى تكلفة نقل السلع وإنتاجها.
وقال خبراء في سوق الطاقة إن الديزل يمثل «المحرك الصامت» للاقتصاد، مشيرين إلى أن تأثير ارتفاعه قد يكون أكثر اتساعًا من ارتفاع البنزين، لأن زيادة تكلفة تشغيل الشاحنات والمعدات الزراعية والآلات تنعكس في النهاية على أسعار المنتجات والخدمات.
قفزة تتجاوز 60% منذ بداية العام
وبحسب تحليل «CNN» لبيانات جمعية السيارات الأمريكية منذ عام 2000، ارتفعت أسعار الديزل بأكثر من 60% منذ بداية عام 2026، ما يضعها على مسار تسجيل أكبر زيادة سنوية منذ بدء السلسلة الزمنية المستخدمة في التحليل.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الشركات الأمريكية ارتفاعًا في تكاليف التشغيل، خصوصًا قطاعات النقل والزراعة والتجارة الإلكترونية والتصنيع والبناء، ما يزيد احتمالات تمرير جانب من الزيادة إلى المستهلكين عبر رفع أسعار السلع والخدمات.
وتشير تقديرات نقلتها «CNN» إلى أن ارتفاع تكلفة الديزل كلف الأسر والمستهلكين الأمريكيين نحو 44 مليار دولار منذ اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير، بما يعادل قرابة 340 دولارًا لكل أسرة.
مخاوف من نقص الديزل على الساحل الشرقي
ولا تتعلق الأزمة بالأسعار وحدها، إذ تتزايد المخاوف من نقص الإمدادات في أجزاء من الساحل الشرقي للولايات المتحدة، حيث تراجعت مخزونات الديزل في منطقة جنوب المحيط الأطلسي بنحو 40% على أساس سنوي، لتصل إلى أدنى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات الفيدرالية في نهاية عام 1990، وفق الأرقام التي أوردها تقرير «CNN».
وتضم المنطقة ولايات من بينها فرجينيا الغربية وفرجينيا وكارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية وجورجيا وفلوريدا، وهي المناطق التي يرى محللون أنها قد تكون الأكثر عرضة لتداعيات أي نقص حاد في الإمدادات.
وحذر محللون في سوق الطاقة من أن بعض محطات التوزيع في المنطقة شهدت بالفعل حالات متفرقة من نفاد المنتج، ما يزيد المخاوف من تحول ارتفاع الأسعار إلى أزمة إمدادات إذا استمرت اضطرابات السوق العالمية.
لماذا ارتفعت أسعار الديزل؟
ترتبط القفزة الحالية في أسعار الديزل بعدة عوامل متداخلة، أبرزها اضطراب تجارة النفط العالمية نتيجة الحرب مع إيران والمخاطر المحيطة بحركة الناقلات وإمدادات النفط عبر منطقة الشرق الأوسط.
وتوضح هيئة معلومات الطاقة الأمريكية أن النفط والمنتجات البترولية، بما فيها الديزل، تعتمد بدرجة كبيرة على حركة التجارة الدولية وممرات الشحن الرئيسية، ما يجعل أي اضطراب في هذه الممرات أو في عمليات التكرير مؤثرًا بصورة مباشرة على الأسواق العالمية.
وفي الوقت نفسه، تواجه أسواق التكرير العالمية ضغوطًا إضافية، إذ أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى تضرر بعض منشآت التكرير، بينما تأثرت المصافي الروسية بالحرب مع أوكرانيا والعقوبات، في حين تفرض الصين قيودًا على صادرات المنتجات النفطية.
وهذا يعني أن خروج شحنات النفط الخام من الشرق الأوسط لا يحل المشكلة وحده، لأن الخام يحتاج إلى المرور بمرحلة التكرير لإنتاج الديزل والبنزين ووقود الطائرات، وأي انخفاض في الطاقة التكريرية المتاحة يمكن أن يؤدي إلى نقص المنتجات حتى مع استمرار تدفق الخام.
المخزونات الأمريكية تحت الضغط
وتشير أحدث بيانات هيئة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن مخزونات النفط التجارية الأمريكية تواجه ضغوطًا، فيما تتوقع الهيئة بقاء مخزونات الخام التجارية دون متوسط أدنى خمس سنوات حتى نهاية عام 2026، نتيجة ارتفاع صادرات الخام وتراجع الواردات وارتفاع معدلات تشغيل المصافي.
كما تُظهر البيانات الرسمية أن هيئة معلومات الطاقة أصدرت آخر تحديث لأسعار البنزين والديزل في 1 سبتمبر 2026، على أن يصدر التحديث التالي في 9 سبتمبر.
ارتفاع يهدد بموجة تضخمية جديدة
ويحذر اقتصاديون من أن استمرار أسعار الديزل عند مستويات قياسية قد يضيف ضغوطًا جديدة إلى التضخم الأمريكي، خصوصًا أن تكلفة الوقود تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في معظم مراحل نقل وإنتاج السلع.
فارتفاع تكلفة الشاحنات يعني زيادة تكلفة نقل المواد الغذائية والمنتجات الصناعية، كما تتحمل الزراعة تكاليف إضافية نتيجة ارتفاع تكلفة تشغيل الجرارات والمعدات، بينما تواجه شركات البناء والتصنيع ضغوطًا مماثلة بسبب ارتفاع تكاليف المعدات والنقل.
وبذلك، تتحول أزمة الديزل من مشكلة في سوق الوقود إلى عامل ضغط على الاقتصاد الأمريكي بأكمله، في وقت تترقب فيه الأسواق تطورات الحرب مع إيران ومدى تأثيرها على إمدادات النفط العالمية وحركة الملاحة والتكرير.
وتبقى قدرة الولايات المتحدة على زيادة وارداتها من المنتجات المكررة ورفع إنتاج المصافي وتعويض انخفاض المخزونات عوامل رئيسية في تحديد ما إذا كان الارتفاع الحالي سيمثل ذروة مؤقتة أم بداية لأزمة أطول في سوق الديزل الأمريكي.




