من أول دفع ببطاقة «فيزا» إلى دمج «قسد».. الشرع يدفع بسوريا نحو مرحلة جديدة

في تحركين يحملان أبعادًا سياسية واقتصادية متوازية، شهدت سوريا خلال الساعات الماضية خطوتين لافتتين بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تمثلت الأولى في قيام الرئيس السوري بإجراء أول عملية دفع إلكتروني باستخدام بطاقة «فيزا» في دمشق، في مؤشر على انفتاح النظام المالي السوري على شبكات الدفع العالمية.
بينما تمثلت الثانية في تعيين قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية، بالتزامن مع الإعلان عن انتهاء مهمة القوات كقوة عسكرية مستقلة وبدء دمج عناصرها ضمن مؤسسات الدولة والجيش السوري.
ثمن فنجان قهوة.. خطوة رمزية نحو النظام المالي العالمي
ووفقًا لوكالة الأنباء السورية (سانا) فقد أجرى الرئيس أحمد الشرع، خلال جولة في دمشق القديمة، أول عملية دفع إلكتروني مباشرة باستخدام بطاقة «فيزا» العالمية، حيث دفع ثمن فنجان قهوة عبر منظومة دفع مرتبطة بشبكة «فيزا»، في خطوة لاقت تفاعلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي السورية.
ورغم بساطة العملية، فإن دلالتها تتجاوز قيمة المبلغ المدفوع، إذ جاءت بعد يوم واحد من إعلان رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفي ظل خطوات متسارعة لإعادة دمج الاقتصاد السوري في النظام المالي العالمي بعد سنوات طويلة من العزلة والعقوبات.
وكان حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان حاضرًا خلال الجولة، وأكد أن العمل يجري بوتيرة متسارعة لبناء نظام مالي حديث وموثوق، بما يواكب تطلعات السوريين ويفتح المجال أمام فرص استثمارية جديدة.
وتأتي هذه الخطوة في إطار مسار أوسع بدأه مصرف سوريا المركزي، بعدما أصدر في مايو الماضي قرارًا يسمح للمؤسسات المالية والمصارف وشركات الدفع الإلكتروني المرخصة داخل البلاد بالتعامل المباشر مع شبكات الدفع العالمية، وفي مقدمتها «فيزا» و«ماستركارد».
كما ارتبطت هذه التطورات بخطوات أخرى تهدف إلى إعادة بناء القطاع المالي السوري، من بينها العمل على ربط النظام المصرفي السوري بمنظومة «سويفت»، واعتماد آليات أكثر تنظيمًا لسعر صرف العملة الوطنية، إلى جانب السعي لتحسين البيئة الاستثمارية وتقليل المخاطر أمام المؤسسات المالية العربية والأجنبية.
دمج قسد.. ومظلوم عبدي مستشارًا لدى الرئاسة
وبالتزامن مع التحول في القطاع المالي، أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسومًا يقضي بتعيين مصطفى خليل عبدي، المعروف باسم مظلوم عبدي، مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية، في خطوة تعكس انتقال العلاقة بين دمشق وقيادة قوات سوريا الديمقراطية إلى مسار جديد يقوم على الاندماج ضمن مؤسسات الدولة.
ووفقًا لوكالة الأنباء السورية (سانا) فقد جاء القرار عقب لقاء جمع الشرع بعبدي في قصر الشعب بدمشق، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني ومحافظ دير الزور زياد العايش، حيث جرى بحث عدد من الملفات المتعلقة بالاندماج ضمن مؤسسات الدولة والخطوات المرتبطة بالمرحلة المقبلة، بما يعزز حضور مؤسسات الدولة ويدعم الأمن والاستقرار.
وكان مظلوم عبدي قد أعلن انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية وحلها كقوة عسكرية مستقلة، بعد استكمال عمليات دمج قواتها ضمن ألوية الجيش السوري، مؤكدًا أن الخطوة تمثل انتقالًا إلى مرحلة جديدة عنوانها السلام والاستقرار وبناء سوريا الجديدة.
ويأتي تعيين عبدي مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية في هذا السياق، باعتباره جزءًا من ترتيبات سياسية ومؤسسية أوسع تهدف إلى معالجة الملفات العالقة المتعلقة بمناطق شمال وشرق سوريا، وتوحيد المؤسسات والقوات ضمن هيكل الدولة السورية.
مساران لمرحلة واحدة
وتعكس الخطوتان، رغم اختلاف طبيعتهما، توجهًا واحدًا نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز اندماج سوريا داخليًا وخارجيًا.
ففي الوقت الذي تسعى فيه دمشق إلى إعادة ربط اقتصادها وشبكتها المصرفية بالمنظومة المالية الدولية، تعمل في الوقت نفسه على استكمال ترتيبات توحيد المؤسسات والقوى العسكرية والسياسية تحت مظلة الدولة.
وتكتسب عملية الدفع ببطاقة «فيزا» أهمية رمزية خاصة، باعتبارها صورة عملية لانفتاح سوريا على أدوات الدفع العالمية بعد سنوات من صعوبة إجراء المعاملات المالية الدولية، بينما يحمل تعيين مظلوم عبدي وإعلان دمج قوات سوريا الديمقراطية دلالة سياسية وأمنية تتعلق بتعزيز سلطة مؤسسات الدولة وإنهاء حالة تعدد مراكز القوة العسكرية.
وبذلك، تبدو التطورات الأخيرة في دمشق جزءًا من مسار متكامل لإعادة تشكيل الدولة السورية، يجمع بين الانفتاح المالي والاقتصادي، وتوحيد المؤسسات، وتعزيز الاستقرار الداخلي، واستعادة العلاقات مع النظامين الإقليمي والدولي، في محاولة لفتح صفحة جديدة بعد سنوات طويلة من العزلة والصراع.




