بعد خسائر مرشحيه في السباقات التمهيدية.. هل فقد ترامب نفوذه داخل الحزب الجمهوري؟
دخل الرئيس دونالد ترامب موسم الانتخابات العامة لانتخابات التجديد النصفي لعام 2026، في وقت بدأت فيه سلسلة من الخسائر التي تعرض لها مرشحون حظوا بتأييده تثير تساؤلات داخل الحزب الجمهوري حول مدى استمرار نفوذه في حسم الانتخابات التمهيدية، بعدما ظل لسنوات أحد أقوى الداعمين القادرين على ترجيح كفة المرشحين الجمهوريين.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة «بوليتيكو»، فإن ترامب لا يزال يمتلك سجلًا قويًا للغاية في دعم المرشحين الفائزين، إلا أن نتائج الأسابيع الأخيرة كشفت عن عدد من الاستثناءات المهمة، إذ فشل عدد من المرشحين الذين دعمهم الرئيس في الحصول على ترشيح الحزب الجمهوري في سباقات حاسمة، من بينها انتخابات حكام الولايات ومقاعد مجلس النواب.
خسائر متتالية لمرشحي ترامب
شهد صيف 2026 عدة انتكاسات لترامب، كان أبرزها خسارة أربعة مرشحين دعمهم في الانتخابات التمهيدية المفتوحة لمنصب حاكم الولاية، من أصل 17 مرشحًا أيدهم في هذه السباقات.
ووفق تحليل «بوليتيكو» لتأييدات ترامب المعلنة، فاز 10 من مرشحيه بترشيح الحزب الجمهوري، بينما خسر أربعة، في حين لم تُحسم بعد ثلاثة سباقات في فلوريدا وأوكلاهوما ووايومنغ.
كما تعرض مرشحون مدعومون من ترامب لخسائر في انتخابات مجلس النواب في ولايتي ميشيغان وتينيسي خلال أغسطس الجاري.
وفي ميشيغان، خسر أمير حسن، الذي حظي بدعم ترامب، أمام توم سميث، وهو مهندس متقاعد كان قد انسحب من السباق في منتصف يوليو وأعلن دعمه لمرشح آخر، في نتيجة عكست حدود قدرة تأييد ترامب على تغيير اتجاه الناخبين.
وفي تينيسي، خسر النائب آندي أوغلز الانتخابات التمهيدية أمام مفوض الزراعة السابق تشارلي هاتشر، رغم حصوله على دعم الرئيس.
تمسك بقوة ترامب الانتخابية
ورغم هذه النتائج، يرفض البيت الأبيض اعتبارها مؤشرًا على تراجع نفوذ ترامب، ويتمسك بأن الرئيس ما زال صاحب أقوى تأييد سياسي داخل الولايات المتحدة.
ونقل «بوليتيكو» عن مسؤول في البيت الأبيض، طلب عدم الكشف عن هويته للحديث عن رؤية الإدارة، قوله إن معدل نجاح تأييدات ترامب بلغ 98%، مشيرًا إلى أن الرئيس دعم 238 مرشحًا وفاز 233 منهم.
لكن الصحيفة أشارت إلى أن هذه النسبة تشمل عددًا من السباقات التي لم تكن تنافسية فعليًا، بما في ذلك بعض الانتخابات التي خاض فيها مرشحون حاليون السباق دون منافسين، وهو ما يجعل تقييم قوة تأييد ترامب أكثر تعقيدًا عند التركيز على الانتخابات التمهيدية التنافسية.
وقال مسؤول كبير آخر في البيت الأبيض إن كثرة التأييدات تجعل من الطبيعي أن تكون هناك بعض النتائج غير الموفقة.
عوامل تتغلب على تأييد ترامب
ويرى عدد من المتبرعين الجمهوريين أن الخسائر الأخيرة تكشف حدود قدرة ترامب على فرض إرادته على الناخبين عندما يكون المرشح الذي يدعمه ضعيفًا أو مثقلًا بالمشكلات.
وقال أحد المتبرعين الجمهوريين، بحسب «بوليتيكو»، إن ترامب لا يستطيع فرض إرادته على مرشحين يعانون من نقاط ضعف أو أعباء سياسية، مشيرًا إلى أن الناخبين قد يستمعون إلى الرئيس ويهتمون بما يقوله، لكنهم لن يغيروا اختياراتهم إذا تعارض تأييده مع توجهاتهم أو تصوراتهم المحلية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في انتخابات حكام الولايات، حيث تتركز اهتمامات الناخبين عادة على قضايا محلية مثل الاقتصاد والضرائب والتعليم والجريمة والخدمات، بينما يميل ترامب إلى التركيز على القضايا الوطنية والسياسة الخارجية.
وأشار أحد الجمهوريين إلى أن قضايا مثل الحرب مع إيران والسياسات المتعلقة بالنواب الديمقراطيين على المستوى الوطني قد تكون أكثر تأثيرًا في انتخابات مجلس الشيوخ، لكنها ليست بالضرورة القضايا التي تحسم انتخابات حاكم الولاية.
تأييد ترامب المتأخر يثير تساؤلات
ومن العوامل الأخرى التي قد تكون حدّت من تأثير ترامب، وفق التقرير، لجوؤه في بعض الحالات إلى إصدار تأييداته في وقت متأخر للغاية من السباق، بدلًا من التدخل المبكر لحشد الناخبين خلف مرشح بعينه.
كما تراجعت وتيرة التجمعات الانتخابية التي كان ترامب ينظمها شخصيًا لمصلحة مرشحيه، وحل محلها في كثير من الحالات ظهور قصير عبر الهاتف عشية الانتخابات.
وترى مصادر جمهورية أن الفرق مهم؛ إذ كان ظهور ترامب شخصيًا في الحملات الانتخابية قادرًا على حشد مؤيديه وتحفيزهم على التصويت، بينما قد لا يكون الاتصال الهاتفي أو التأييد المتأخر كافيًا للتغلب على حملة منافسة تمتلك تنظيمًا قويًا وتمويلًا كبيرًا.
تجربة تكشف حدود النفوذ
وتبرز انتخابات كارولاينا الجنوبية باعتبارها واحدة من أهم الاختبارات المقبلة لنفوذ ترامب. ففي انتخابات حاكم الولاية، دخل ترامب السباق متأخرًا مؤيدًا نائبة الحاكم باميلا إيفيت قبل أكثر بقليل من أسبوع على الجولة الأولى من التصويت في يونيو، وهو ما ساعدها على تصدر النتائج الأولية.
لكنها تراجعت لاحقًا في استطلاعات الرأي مع توحيد المدعي العام آلان ويلسون دعم عدد من القوى السياسية المؤثرة في الولاية، ما دفع ترامب إلى تقديم تأييد مزدوج في محاولة لتجنب خسارة مرشحه.
وتكرر اختبار نفوذه في انتخابات مجلس الشيوخ الخاصة بالولاية، حيث تخوض دارلين غراهام، شقيقة السيناتور الراحل ليندسي غراهام، جولة إعادة أمام النائب رالف نورمان، أحد أبرز أعضاء كتلة الحرية المحافظة.
ويرى جمهوريون أن هذه الانتخابات ستكون مقياسًا أكثر دقة لقوة ترامب، لأن الصراع لا يدور فقط حول التأييد الرئاسي، وإنما أيضًا حول شخصيات سياسية تمتلك قواعد انتخابية وعلاقات راسخة داخل الحزب في الولاية.
الثروة الشخصية تتحدى مرشح ترامب
وفي جورجيا، لعب التمويل الشخصي دورًا بارزًا في هزيمة مرشح مدعوم من ترامب. فقد أنفق ريك جاكسون أكثر من 100 مليون دولار من ثروته الشخصية على حملته، في مواجهة بيرت جونز، أحد حلفاء ترامب منذ فترة طويلة، والذي حصل على دعم الرئيس منذ بداية السباق.
وتشير النتيجة إلى أن تأييد ترامب، رغم أهميته، لا يعمل بمعزل عن بقية عناصر الحملات الانتخابية، خصوصًا عندما يمتلك أحد المنافسين موارد مالية ضخمة وشبكة دعم محلية قوية.
خسارة مايك ليندل
وفي مينيسوتا، لم يتمكن مايك ليندل، المعروف بترويجه لمزاعم تزوير انتخابات 2020، من الحصول على ترشيح الحزب الجمهوري لمنصب حاكم الولاية، رغم علاقته الوثيقة بترامب ودعمه له.
وخسر ليندل أمام ليزا ديموث، رئيسة مجلس نواب الولاية، التي تمتلك خبرة طويلة في العمل السياسي المحلي منذ عام 2018.
كما أشار التقرير إلى أن ليندل لم ينفق أموالًا على الإعلانات التلفزيونية أو الرقمية، وهو عامل قد يكون ساهم في إضعاف قدرته على الوصول إلى الناخبين خارج قاعدته السياسية.
ترامب يقر بالخسارة
بعد خسارة آندي أوغلز في تينيسي، وصف ترامب النائب الجمهوري بأنه شخص ظل وفيًا له رغم أنه كان، بحسب تعبير الرئيس، لا يملك فرصة كبيرة للفوز.
ويأتي ذلك في ظل تعرض أوغلز لعدد من الجدل السياسي منذ انتخابه للمرة الأولى عام 2022، بما في ذلك منشور على وسائل التواصل الاجتماعي حُذف لاحقًا، إضافة إلى خضوع هاتفه لتفتيش من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي خلال تحقيق عام 2024 يتعلق بسجلات تمويل حملة انتخابية.
وتعكس هذه الحالات مشكلة تواجه ترامب في بعض الانتخابات، وهي أن الولاء السياسي للرئيس لا يكفي دائمًا للتغلب على سجل المرشح أو نقاط ضعفه الشخصية والسياسية.
اختبار جديد في فلوريدا
ومن المنتظر أن يواجه نفوذ ترامب اختبارًا جديدًا في فلوريدا، عندما يخوض النائب برايان دونالدز الانتخابات التمهيدية لمنصب حاكم الولاية مدعومًا من الرئيس.
وتكتسب الانتخابات أهمية خاصة لأنها ستكشف ما إذا كان ترامب قادرًا على تحويل تأييده إلى أصوات فعلية في ولاية تربطه بها علاقة سياسية قوية، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
هل تغيرت علاقة الناخب الجمهوري بترامب؟
لا تعني خسارة عدد من مرشحي ترامب أن الرئيس فقد السيطرة على الحزب الجمهوري، فترامب لا يزال يتمتع بنفوذ استثنائي داخل القاعدة الجمهورية، وما زال تأييده عاملًا مهمًا للغاية في الانتخابات التمهيدية.
لكن نتائج 2026 تشير إلى أن هذا النفوذ قد لا يكون كافيًا بمفرده في كل سباق. وتوضح الخسائر الأخيرة أن الناخب الجمهوري قد يمنح أهمية أكبر للمرشح نفسه، وسجله السياسي، وقدرته على جمع التبرعات، وشعبيته المحلية، إضافة إلى القضايا التي تهم الناخبين في الولاية، بدلًا من اتباع تأييد الرئيس بشكل تلقائي.
كما أن بعض المرشحين الذين يدعمهم ترامب يواجهون منافسين يمتلكون قاعدة انتخابية راسخة أو موارد مالية ضخمة، وهو ما يجعل قدرة الرئيس على إعادة تشكيل نتيجة الانتخابات محدودة في بعض الحالات.
ومع انتقال الحزب الجمهوري تدريجيًا من مرحلة الانتخابات التمهيدية إلى الاستعداد للانتخابات العامة، ستكون نتائج السباقات المقبلة في فلوريدا وكارولاينا الجنوبية وغيرها أكثر أهمية في تحديد ما إذا كانت خسائر الصيف مجرد استثناءات في سجل ترامب الانتخابي القوي، أم أنها بداية تغير أوسع في طبيعة نفوذه داخل الحزب الجمهوري.




