اختارت سويسرا الفيلم الوثائقي «من لا يزال حيًا» للمخرج نيكولا واديموف لتمثيلها في المنافسة على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي لعام 2027، في خطوة تضع تجارب فلسطينيين من غزة على طريق أحد أبرز المحافل السينمائية العالمية.
وأعلن المكتب الفدرالي السويسري للثقافة اختيار الفيلم رسميًا في 13 أغسطس الجاري، ليصبح العمل السويسري المقدم إلى الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم السينما ضمن الأفلام المتنافسة على الوصول إلى القائمة القصيرة للدورة الـ99 من جوائز الأوسكار.
ولا يعني اختيار الفيلم من جانب سويسرا حصوله على ترشيح نهائي، إذ يخوض «من لا يزال حيًا» مرحلة المنافسة الأولية إلى جانب الأفلام التي تقدمها الدول الأخرى، قبل إعلان القائمة القصيرة المكونة من 15 فيلمًا في ديسمبر المقبل.
شهادات 9 فلسطينيين من غزة
يتابع الفيلم قصص تسعة فلسطينيين غادروا قطاع غزة، ويستعيد من خلال شهاداتهم تجارب النجاة والفقد والنزوح، بعيدًا عن الصور الإخبارية التقليدية التي رافقت تغطية الحرب.
ويعتمد المخرج في بناء الفيلم، الذي تبلغ مدته 114 دقيقة، على مساحة شبه خالية داخل أستوديو، تغطي أرضيته السوداء خطوط بيضاء ترسم بصورة تقريبية خريطة قطاع غزة ومدنه ومخيماته وأحيائه.
ويتحرك المشاركون داخل هذه الخريطة، حيث يحدد كل منهم موقع منزله والطرق التي سلكها والأماكن التي فقد فيها أشخاصًا من عائلته أو محيطه، لتتحول المساحة المرسومة إلى صورة رمزية لوطن لم يعد بإمكانهم الوصول إليه.
ويستعيد المشاركون تفاصيل حياتهم قبل الحرب، وأعمالهم وعائلاتهم وأصدقاءهم، قبل أن يرووا عمليات النزوح المتكررة وفقدان المنازل والأقارب، وصولًا إلى مغادرة القطاع.
تصوير الفيلم في جنوب أفريقيا
تم تصوير الفيلم في جنوب أفريقيا، بعد انتقال فريق الإنتاج إلى هناك، حيث تمكن القادمون من غزة من دخول البلاد دون تأشيرة، وفق المكتب الفدرالي السويسري للثقافة.
ويمنح موقع التصوير الفيلم دلالة إضافية على معنى الاقتلاع والنزوح، إذ يستعيد الفلسطينيون تفاصيل أحيائهم ومنازلهم داخل أستوديو بعيد جغرافيًا عن غزة، مستخدمين خطوطًا بسيطة لرسم المكان الذي فقدوه.
ومن بين المشاركين غادة العبادلة، التي تتحدث عن حبها لركوب الدراجة في غزة، والموسيقي فراس الشرافي، الذي يعزف على آلة القانون المقطوعة التي كان يؤديها عندما وقع انفجار بالقرب منه، قبل أن يتوقف عند النغمة نفسها التي انقطع عندها عزفه.
ويشارك أيضًا الفنان التشكيلي عادل الطويل، إلى جانب جودت الخضري ومحمود جودة وحنين حرارة وملاك خضرة وهنا عليوة وإيمان شنان.
ثالث أفلام نيكولا واديموف عن فلسطين
يمثل «من لا يزال حيًا» الفيلم الثالث للمخرج والمنتج السويسري نيكولا واديموف الذي يتناول القضية الفلسطينية، بعد فيلم «عايشين.. ما زلنا أحياء في غزة» عام 2010، وفيلم «أبولو غزة» عام 2018.
وفي فيلمه الأول عن غزة، وثق واديموف الحياة داخل القطاع عقب الحرب الإسرائيلية التي انتهت مطلع عام 2009، بينما تناول في «أبولو غزة» قصة تمثال برونزي للإله اليوناني أبولو قيل إنه عُثر عليه قبالة شاطئ غزة عام 2013 قبل أن يختفي.
أما الفيلم الجديد، فيركز بصورة أكبر على الشهادات الشخصية والذاكرة، ويبتعد عن الصور الميدانية الواسعة للحرب، ليجعل من أصوات الناجين وتجاربهم محور العمل.
مسيرة مهرجانية حافلة
بدأت رحلة «من لا يزال حيًا» في سبتمبر 2025، عندما عُرض للمرة الأولى ضمن برنامج «أيام المؤلفين» في مهرجان فينيسيا السينمائي، وحصل هناك على جائزة «السينما والفنون».
كما فاز الفيلم بجائزة سولوتورن في مهرجان سولوتورن السينمائي مطلع عام 2026، ورُشح لجائزة أفضل فيلم وثائقي ضمن جوائز السينما السويسرية.
وشارك العمل لاحقًا في عدد من المهرجانات الدولية، بينها إسطنبول وتسالونيكي وأغادير وغابِس ولا روشيل وديربان، إضافة إلى مهرجان «هوت دوكس» للأفلام الوثائقية في تورنتو.
كما عُرض ضمن العروض الخاصة للدورة الـ46 من مهرجان القاهرة السينمائي في نوفمبر 2025، وشارك خلال أغسطس الجاري في قسم «بانوراما سويسرا» بمهرجان لوكارنو.
حضور فلسطيني متزايد في الأوسكار
يأتي اختيار الفيلم السويسري بعد حضور لافت للأفلام التي تتناول فلسطين في موسم الأوسكار السابق، إذ وصلت أفلام «فلسطين 36» و«كل ما تبقى منك» و«صوت هند رجب» إلى القائمة القصيرة للدورة الـ98، قبل أن يحصل «صوت هند رجب» على ترشيح نهائي لجائزة أفضل فيلم دولي.
وتسمح قواعد الأوسكار للأفلام الوثائقية بالمنافسة في فئة أفضل فيلم دولي، كما يمكن للفيلم الوثائقي المقدم في هذه الفئة المنافسة على جائزة أفضل فيلم وثائقي طويل إذا استوفى شروط الفئة بصورة مستقلة.
ويظل الوصول إلى الترشيحات النهائية تحديًا كبيرًا للأفلام الوثائقية في فئة الفيلم الدولي، في ظل المنافسة مع الأفلام الروائية التي تقدمها عشرات الدول.
موعد إعلان القائمة القصيرة
من المقرر أن تعلن الأكاديمية القائمة القصيرة التي تضم 15 فيلمًا في فئة أفضل فيلم دولي يوم 15 ديسمبر 2026، على أن تكشف أسماء الأفلام الخمسة المرشحة للجائزة في 21 يناير 2027.
ويقام حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ99 في مدينة لوس أنجلوس يوم 14 مارس 2027.
وبذلك يبدأ «من لا يزال حيًا» رحلة جديدة من المهرجانات الدولية إلى سباق الأوسكار، مستندًا إلى سرد مختلف لتجربة غزة، لا يقوم على صور الدمار وحدها، وإنما على حكايات أشخاص يحاولون استعادة أسماءهم وبيوتهم وذكرياتهم وما تبقى من حياتهم بعد فقدان المكان.




