الهجرة في قلب الانتخابات الأمريكية.. ماذا تغيّر، وما الذي ينتظر ملايين المهاجرين؟
أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر
تقع قضية الهجرة بين أروقة القانون ودهاليز السياسة؛ فما الذي تغير فعلياً، خاصة في شهر يوليو الماضي؟ وما هي الأمور التي تظل مجرد وعود انتخابية؟ وكيف يمكن للمهاجر أن يحمي حقوقه في ظل هذه التطورات؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، يسعدنا أن نرحب بضيفنا الدائم، المحامي الأستاذ محمد الشرنوبي، المختص في قضايا الهجرة والتجنس، في حوار خاص حول مستجدات قانون الهجرة في أمريكا وتأثير الانتخابات القادمة على ملايين المهاجرين.
استضافت الإعلامية الدكتورة ليلى الحسيني المحامي محمد الشرنوبي، المختص بقضايا الهجرة والتجنس، في حوار قانوني يسلط الضوء على أحدث تطورات ملف الهجرة في الولايات المتحدة، بعيدًا عن التجاذبات السياسية، وبقراءة مهنية تستند إلى القانون والقرارات الرسمية.
موسم الانتخابات
* لا يكاد يخلو موسم انتخابي أمريكي من الحديث عن الهجرة، ولكن خلف الشعارات السياسية توجد قرارات قضائية وإجراءات تنفيذية وتغييرات قانونية تمس حياة الملايين يومياً. في هذه الحلقة، لن نناقش السياسة بل سنناقش القانون: ما الذي تغير بالفعل خلال شهر يوليو؟ وكيف يؤثر صوت الناخب في الانتخابات على حياة المهاجرين؟ أهلاً بك أستاذ محمد.
** أهلاً بكِ أستاذة ليلى، وتحية طيبة لجميع المستمعين.
* في كل موسم انتخابي نسمع وعوداً كثيرة؛ كيف يستطيع المهاجر التمييز بين الخطاب الانتخابي وبين ما يمكن أن يتحول فعلياً إلى قانون أو قرار تنفيذي؟
** إنها معركة كبرى بين السياسيين، وتحديداً الحزب الجمهوري؛ فالجميع يستخدم قضية الهجرة كورقة ضغط لأن المهاجرين يمثلون روح هذا البلد، وهم يعلمون أن المهاجرين هم الموجة الجديدة التي ترفد البلاد بالعلم والمال والمعرفة. ومع ذلك، يظل المهاجر الذي لا يملك وثائق قانونية هو الضحية الأولى لهذه الصراعات.
الهجرة والانتخابات
* هل تُصنع قوانين الهجرة داخل الكونغرس أم أن الانتخابات هي التي تحدد اتجاهها؟ وإلى أي مدى يؤثر صوت الناخب على استقرار الأسر المهاجرة؟
** ما يحدث في الانتخابات هو دراسة دقيقة لتوجهات الجاليات ومدى فاعليتها. فعلى سبيل المثال، يهتم الديمقراطيون بجنوب أمريكا لأن أبناء تلك الجاليات يشاركون بفاعلية في التصويت. وللأسف، تكمن مشكلتنا الكبيرة في إهمال التصويت، وهذا ما يجعلنا أول المتضررين من إلغاء برامج مثل الحماية المؤقتة (TPS) أو برامج اللاجئين. لذا، فإن التصويت هو ما يضمن احترامنا ويجعل لنا كلمة مسموعة في المستقبل.
قرارات وخيارات
* بخصوص قرار المحكمة العليا بإنهاء برنامج الحماية المؤقتة (TPS) للسوريين اعتباراً من 27 يوليو الماضي، ما هي الخيارات القانونية المتاحة حالياً للمتضررين، وخاصة من السوريين والهايتيين؟
** الخيار القانوني المتاح لمن كان يعتمد على “الـ TPS” هو التقدم بطلب لجوء. فإذا طرأ تغيير جوهري وواضح في ظروف الدولة الأصلية، مثل تغيير نظام الحكم، يحق للشخص التقدم بطلب لجوء خلال مدة معقولة من تاريخ إلغاء الحماية المؤقتة أو تغيير الحالة، وتقدر هذه المدة قانوناً بما بين ثلاثة إلى ستة أشهر. أنصح كل من لديه خوف حقيقي من العودة بتقديم هذا الطلب.
* وماذا عن تصاريح العمل؟ هل ستُلغى بانتهاء برنامج الحماية المؤقتة؟
** نعم، تصاريح العمل تنتهي بانتهاء البرنامج، ولن يتمكن الشخص من استصدار تصريح عمل جديد إلا بعد مرور ستة أشهر من تقديم طلب اللجوء. لذا، الخيارات الآن هي إما مغادرة البلاد بسلام لمن يرى أن بلده أصبح آمناً، أو التقدم بطلب لجوء لمن يخشى العودة.
* هل هناك خيارات أخرى لأصحاب الكفاءات أو المبدعين الذين كانوا يستفيدون من “الـ TPS”؟
** بانتهاء البرنامج، يصبح هؤلاء “خارج الوضع القانوني” (Out of status)، إلا إذا تقدموا بطلب لجوء قبل انتهاء البرنامج؛ وفي هذه الحالة قد يمكنهم الحصول على “الجرين كارد” من خارج الولايات المتحدة، إذ لا يمكنهم الحصول عليه من داخلها في هذه الحالة.
تعديلات قانونية
* ما هي أهم التعديلات القانونية الأخرى التي شهدها شهر يوليو؟
** القرار الأبرز هو منح إدارة الهجرة صلاحية تحويل القضايا إلى المحكمة مباشرة دون إجراء مقابلة أولية. قد يبدو هذا القرار صعباً لأنه يحرم الشخص من شرح قضيته أمام مكتب الهجرة، لكنه إيجابي من ناحية أخرى؛ إذ سيضع القضية أمام قاضٍ متخصص ومدرك لقوانين الهجرة، مما قد يسرع من عملية اتخاذ القرار بدلاً من انتظار القضية في مكاتب الهجرة لسنوات.
ملفات الزواج
* يتردد حديث عن تشديد التدقيق في ملفات الزواج للحصول على الإقامة، فهل تغير القانون؟
** لم يتغير القانون ولكن تغيرت آلية التطبيق بصرامة شديدة. الإدارة الحالية تضرب بقوة على حالات الإساءة لاستخدام عقود الزواج للحصول على أوراق قانونية. التدقيق الآن لا يقتصر على المعاملة الأولى، بل يمتد إلى معاملة “الجرين كارد” الثاني وحتى طلبات الجنسية، حيث يتم فتح ملف الزواج القديم وفحصه بدقة بالاعتماد على أدلة وإثباتات قوية.
* ما هي الوثائق التي أصبحت أكثر أهمية لإثبات جدية العلاقة الزوجية؟
** إدارة الهجرة أصبحت تدرك أن الأوراق والمستندات يمكن التلاعب بها، لذا فهناك دليلان قويان أعتمد عليهما: الأول هو “شهادة الجيران”، فهي من أقوى الشهادات لأن الشخص لا يختار جيرانه ويصعب طلب شهادة زور منهم. والثاني هو “التأمين على الحياة” لصالح الطرف الآخر؛ إذ لا يعقل أن يقوم شخص بعمل تأمين على حياته لصالح زوجته إلا إذا كانت العلاقة حقيقية وصادقة.
تأشيرات السفر
* هل هناك تحديثات بخصوص قيود السفر أو “قانون العبء العام” (Public Charge)؟
** بدأت الإدارة الحالية بتطبيق قانون “العبء العام” بصرامة، وهو رفض طلبات القادمين إذا رأت الحكومة أن الشخص سيمثل عبئاً مالياً عليها ويطلب مساعدات حكومية. لقد شهدنا حالات رفض مؤخراً لهذا السبب، لذا يجب الحذر الشديد وضمان عدم اعتماد القادمين على المساعدات العامة.
* بخصوص “نشرة التأشيرات” (Visa Bulletin)، هل أصبحت أوقات الانتظار أسرع أم أبطأ؟
** تشهد النشرة حالياً تحسناً كبيراً وغير مسبوق، ولكنني أسميه “تحسناً ظاهرياً”؛ فبسبب توقف منح التأشيرات لـ 75 دولة حالياً، توفرت أرقام فائضة من “الجرين كارد”، مما أتاح لحاملي الإقامة الدائمة حالياً التقديم لأزواجهم وأقاربهم من داخل أمريكا بنفس ميزات المواطنين. أنصح الجميع باستغلال هذه الفرصة الآن، لأن هذا الوضع قد يتغير بحلول شهر أكتوبر أو نوفمبر القادم.
* تداولت وسائل الإعلام تقارير عن مخاطر السفر خارج الولايات المتحدة وتفتيش الهواتف في المطارات، فبماذا تنصح المهاجرين؟
** يجب التمييز بين المطار الدولي والمطار الداخلي. في المطار الدولي (عند العودة من دولة أجنبية)، لا يكون الشخص تحت الحماية الكاملة للدستور الأمريكي، ويحق لضباط الجمارك تفتيش الهاتف أو اتخاذ إجراءات قد لا يسمح بها القانون داخل الأراضي الأمريكية.
لذا، أنصح بأن يقتصر السفر الدولي على حاملي الجنسية أو “الجرين كارد” أو من لديهم وضع لاجئ مستقر. أما من لديهم قضايا لجوء لا تزال قيد الدراسة، فلا أنصحهم بالسفر الدولي حالياً. أما السفر الداخلي بين الولايات، فهو آمن لأن الشخص يظل تحت حماية الدستور والقانون.
* هل هذا ينطبق حتى على من لديهم تأشيرة منتهية الصلاحية ولكن طلباتهم قيد الدراسة؟
** السفر الداخلي لا يشكل خطورة كبيرة، ولكن يجب الحذر؛ فمعظم حالات الاعتقال التي حدثت مؤخراً كانت لأشخاص لديهم سجل جنائي أو مشاكل قانونية سابقة. الإدارة الحالية تطبق القانون بصرامة تجاه أي شخص لديه احتكاك مع القانون أو سوابق جنائية، مهما كانت بسيطة.
نصائح لكل مهاجر
* في ختام الحوار، ما هي النصائح التي توجهها لكل مهاجر في هذه المرحلة؟
** أولاً، لا تنساقوا وراء ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي من أخبار تهدف لإثارة الذعر؛ بل يجب استشارة محامٍ مختص في كل حالة على حدة. ثانياً، الانتخابات القادمة في غاية الأهمية؛ لذا أدعو الجميع للمشاركة في التصويت. لا يهم لمن ستصوت، المهم هو أن تُسجل الجالية العربية حضوراً قوياً في مراكز الاقتراع، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لفرض احترامنا وضمان حقوقنا ومستقبل أبنائنا.
* تظل قوانين الهجرة من أكثر القوانين تغيراً، ومع كل موسم انتخابي تزداد الشائعات؛ لذا تبقى المعلومة القانونية الدقيقة هي أفضل وسيلة لحماية الحقوق. شكراً جزيلاً للمحامي الأستاذ محمد الشرنوبي على هذه الإيضاحات الهامة.
** شكراً لكم، وتحياتي للجميع.




