رغم قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الخامسة على التوالي، يتصاعد الجدل داخل البنك المركزي وبين كبار الاقتصاديين حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتجه إلى رفع جديد للفائدة خلال ما تبقى من عام 2026، في ظل استمرار الضغوط التضخمية الناجمة عن اضطرابات أسواق الطاقة والحرب مع إيران.
وأظهر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأخير انقساما غير معتاد داخل لجنة السياسة النقدية، بعدما صوّت ثلاثة من أصل 12 عضوًا لصالح رفع أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، وهو أكبر عدد من الأصوات المعارضة في الاتجاه نفسه منذ عام 2016، ما يعكس تزايد المخاوف من استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة.
وقال رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب الاجتماع، إن البنك المركزي ملتزم بمهمته الأساسية في مكافحة التضخم، مؤكداً أن تحقيق استقرار الأسعار يظل أولوية رئيسية، لكنه في الوقت نفسه فضّل الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في المرحلة الحالية.
تضخم مدفوع بالحرب وأسعار النفط
وتأتي هذه المناقشات في وقت تسببت فيه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في اضطرابات كبيرة بأسواق النفط العالمية، بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإمدادات إلى ارتفاع أسعار الخام والوقود، وهو ما دفع معدلات التضخم الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ ثلاث سنوات.
ورغم أن اتفاق التهدئة الذي أُعلن في يونيو الماضي خفف الضغوط مؤقتاً، فإن تجدد المواجهات العسكرية أعاد أسعار النفط إلى الارتفاع، ما عزز المخاوف من استمرار موجة التضخم لفترة أطول.
اقتصاديون منقسمون
وفقًا لشبكة ABC News يرى عدد من الاقتصاديين أن الاحتياطي الفيدرالي قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة، وربما في اجتماع سبتمبر، معتبرين أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة سيمنع تراجع التضخم بصورة طبيعية.
وتشير تقديرات أداة “فيد ووتش” التابعة لمجموعة CME إلى أن الأسواق تمنح احتمالاً يقارب 63% لرفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر، فيما ترتفع التوقعات إلى نحو 83% لاحتمال تنفيذ زيادة واحدة على الأقل قبل نهاية العام.
وتقول ريبل كول، أستاذة المالية بجامعة فلوريدا أتلانتيك والمسؤولة السابقة في الاحتياطي الفيدرالي، إن التضخم لن يتراجع ما لم تنخفض أسعار النفط، معتبرة أن البنك المركزي قد يجد نفسه مضطراً إلى تشديد السياسة النقدية إذا استمرت الضغوط الحالية.
في المقابل، يرى محللون آخرون أن رفع أسعار الفائدة لن يكون الحل الأمثل، لأن التضخم الحالي ناجم بالأساس عن نقص الإمدادات وليس عن زيادة الطلب، وبالتالي فإن تشديد السياسة النقدية قد يؤدي إلى إبطاء الاقتصاد دون معالجة السبب الرئيسي لارتفاع الأسعار.
جناح متشدد في الداخل
المعارضون الثلاثة لقرار تثبيت الفائدة دافعوا عن موقفهم بسلسلة بيانات أوضحوا فيها أن السياسة النقدية الحالية لم تعد مقيدة بما يكفي لخفض التضخم.
ووفقًا لموقع “أكسيوس” قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، إن الاقتصاد الأمريكي يواجه سلسلة متواصلة من صدمات العرض، بدءاً من تداعيات الجائحة والحرب في أوكرانيا، وصولاً إلى الرسوم الجمركية والصراع في الشرق الأوسط، وهو ما يزيد من خطر ترسخ التضخم.
وأضاف أن اتخاذ خطوات صغيرة الآن سيكون أفضل من الانتظار حتى تصبح هناك حاجة إلى إجراءات أكثر حدة في المستقبل.
من جانبها، أكدت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، أنها غير مقتنعة بقدرة التضخم على العودة تلقائياً إلى هدف البنك البالغ 2%، مشيرة إلى أن الشركات لا تزال تبلغ عن اتساع ضغوط الأسعار، بينما يواصل المستهلكون التعبير عن استيائهم من استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة.
أما رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، فاعتبرت أن أوضاع سوق العمل والإنفاق والاستهلاك تؤكد أن السياسة النقدية الحالية ليست مشددة بما يكفي، وأن اتخاذ خطوة محدودة برفع الفائدة الآن قد يجنب الاقتصاد الحاجة إلى زيادات أكبر مستقبلاً.
تأثير مباشر على الأسواق
ورغم تثبيت أسعار الفائدة، شهدت الأسواق تشديداً فعلياً في تكاليف الاقتراض، إذ ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007، كما وصل متوسط سعر الفائدة على الرهن العقاري لمدة 30 عاماً إلى نحو 6.66%، وهو أعلى مستوى خلال العام الحالي.
ويرى عدد من المحللين أن هذا الارتفاع في عوائد السندات أدى عملياً إلى تشديد الأوضاع المالية دون تدخل مباشر من الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما قد يمنح البنك المركزي مساحة إضافية للإبقاء على أسعار الفائدة مستقرة لبعض الوقت.
ضغوط سياسية
وتتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات السياسية، إذ يواصل الرئيس دونالد ترامب الضغط باتجاه خفض أسعار الفائدة لدعم الاقتصاد قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، في حين يؤكد رئيس الاحتياطي الفيدرالي تمسكه باستقلالية البنك المركزي.
ويعتقد بعض الخبراء أن هذه المعادلة قد تجعل الاحتياطي الفيدرالي أكثر حذراً في اتخاذ قرار رفع الفائدة، رغم استمرار الضغوط التضخمية، بينما يرى آخرون أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يدفع البنك في النهاية إلى تشديد السياسة النقدية حفاظاً على مصداقيته في مكافحة التضخم.
وبين استمرار التضخم، وتقلبات أسواق الطاقة، والانقسام داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، تبقى الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان البنك المركزي الأمريكي سيواصل تثبيت أسعار الفائدة، أم سيلجأ إلى رفعها مجدداً لكبح الضغوط التضخمية المتصاعدة.
