أخبارأخبار أميركا

وزير الدفاع الأسبق: إدارة ترامب عالقة في حرب لا يمكن الفوز بها وأخطأت تقدير تداعيات المواجهة

حذر وزير الدفاع الأسبق، ليون بانيتا، من أن الولايات المتحدة وجدت نفسها منخرطة في حرب مع إيران يصعب حسمها عسكريًا، معتبرًا أن الإدارة الأمريكية أخطأت في تقدير تداعيات المواجهة منذ بدايتها، ودخلت الصراع بأهداف متغيرة وتخطيط غير مكتمل، الأمر الذي جعل واشنطن تتفاعل مع خطوات طهران بدلاً من فرض مسار الأحداث.

وأكد بانيتا، الذي تولى وزارة الدفاع بين عامي 2011 و2013 وإدارة وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) قبل ذلك، أن التجربة الحالية تعيد إلى الأذهان حربي العراق وأفغانستان، حيث انتهت الولايات المتحدة إلى حروب طويلة استنزفت قدراتها وأضرت بمكانتها الدولية دون تحقيق نتائج سياسية حاسمة.

حرب لا يمكن كسبها

في مقابلة مع شبكة CNN، قال بانيتا إن الولايات المتحدة “عالقة في حرب لا يمكن الفوز بها”، متوقعًا استمرارها لفترة طويلة دون الوصول إلى نتيجة مرضية.

وأضاف أن واشنطن كررت النمط ذاته الذي اتبعته في صراعات الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، موضحًا أن هذه الحروب تستنزف الاقتصاد الأمريكي، وتضعف صورة الولايات المتحدة أمام العالم، قائلاً إن هذا أصبح “إرثًا” يتكرر في العراق وأفغانستان، والآن في إيران.

أهداف متغيرة

وفي مقابلة أخرى مع الجزيرة نت، أوضح بانيتا أن الخطأ الأساسي بدأ منذ انطلاق الحرب في 28 فبراير 2026، عندما أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل تنفيذ ضربات استهدفت المرشد الإيراني علي خامنئي وعددًا من كبار القادة الإيرانيين، في إطار خطة هدفت إلى إسقاط النظام الإيراني.

ويرى بانيتا أن هذا الرهان أخفق، إذ لم يسقط النظام، بل بدا أكثر تماسكًا بعد اندلاع الحرب، بينما تراجعت واشنطن لاحقًا عن هدف تغيير النظام، رغم استمرار إسرائيل في اعتباره أحد أهدافها الرئيسية.

وأشار إلى أن الإدارة الأمريكية بدأت بعد ذلك في تغيير مبررات الحرب بصورة متكررة؛ فتارة تحدثت عن مواجهة تهديد إيراني وشيك، وتارة عن حماية إسرائيل، ثم عن أهداف أخرى، وهو ما خلق حالة من الغموض بشأن الغاية الحقيقية للحرب، وأضعف الدعم الشعبي الأمريكي لها.

ورغم ذلك، اعتبر أن الولايات المتحدة حققت نجاحات عسكرية واضحة من خلال استهداف القيادة الإيرانية، ومنشآت الصواريخ والطائرات المسيّرة والبنية التحتية العسكرية، وهو ما دفع الرئيس دونالد ترامب إلى إعلان “النصر” أكثر من مرة، إلا أن هذه المكاسب العسكرية لم تتحول إلى إنجاز سياسي ينهي الصراع.

مفاجأة كان يجب توقعها

ومن أكثر النقاط التي انتقدها بانيتا، ما وصفه بسوء تقدير الإدارة الأمريكية لاحتمال إغلاق إيران لمضيق هرمز، رغم أن هذا السيناريو كان حاضرًا دائمًا في مناقشات مجلس الأمن القومي عندما كان يشغل مناصب أمنية رفيعة.

وأوضح أن جميع التقديرات الاستراتيجية السابقة كانت تعتبر إغلاق المضيق أول وأخطر رد إيراني محتمل، نظرًا لما يمثله من تهديد لإمدادات الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط والوقود.

لكن الإدارة الحالية، بحسب بانيتا، بدت وكأنها فوجئت بالخطوة الإيرانية، وهو ما منح طهران ورقة ضغط استراتيجية مكنتها من التأثير في مسار الحرب.

وأضاف أن إنهاء الصراع لن يكون ممكنًا دون إعادة فتح المضيق، والتوصل إلى قناعة مشتركة لدى واشنطن وطهران بأن استمرار تبادل الضربات لن يحقق أهدافًا بعيدة المدى لأي من الطرفين.

حرب بلا استعداد كافٍ

ورأى وزير الدفاع الأسبق أن واشنطن لم تستعد أيضًا لاحتمال تحول الحرب إلى مواجهة إقليمية، رغم أن إيران استهدفت خلال الأشهر الماضية عددًا من دول المنطقة بهجمات صاروخية.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة كان ينبغي أن تعمل مسبقًا على تجهيز حلفائها في المنطقة بأنظمة دفاعية أكثر كفاءة، بدلًا من تركهم يواجهون تداعيات الحرب دون استعداد كافٍ.

وأكد أن تجارب الشرق الأوسط أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع إسقاط الأنظمة السياسية، وأن أي تغيير حقيقي يجب أن يأتي من الداخل، محذرًا من أن تجاهل الأسباب السياسية للصراعات يؤدي إلى اندلاع جولات جديدة من العنف حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية.

إخفاق في بناء التحالفات

وانتقد بانيتا أداء الإدارة الأمريكية في إدارة علاقاتها مع الحلفاء قبل اندلاع الحرب، معتبرًا أنها لم تبذل جهودًا كافية لبناء تحالف سياسي وعسكري واسع يضم الدول الأوروبية والخليجية.

وأوضح أن واشنطن لم تُطلع الحلفاء أو الكونغرس أو حتى الرأي العام الأمريكي على خططها، وعندما طالبت لاحقًا بمساندة دولية لإعادة فتح مضيق هرمز، جاء رد العديد من الحلفاء بأنهم لم يكونوا جزءًا من قرار الحرب منذ البداية.

وأشار إلى أن فتح المضيق وتأمين الملاحة الدولية يتطلب تحالفًا واسعًا يضم الولايات المتحدة والدول الخليجية وشركاء آخرين، وليس تحركًا أمريكيًا منفردًا.

كما انتقد ما وصفه بتراجع اهتمام الإدارة الحالية بتحالفاتها التقليدية، خاصة مع الدول الأوروبية وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مؤكدًا أن تعزيز الثقة مع الحلفاء كان سيمنح واشنطن خيارات أفضل لإدارة الأزمة وتهيئة الظروف للتوصل إلى تسوية سياسية.

خيبة أمل في الخليج

ورأى بانيتا أن دول الخليج تعرضت لضغوط كبيرة بعد استهدافها بصواريخ إيرانية، وهو ما عزز مخاوفها الأمنية.

وفي الوقت نفسه، أكد أن هذه الدول ما تزال بحاجة إلى القدرات العسكرية الأمريكية لمواجهة التهديدات الإيرانية، إلا أنها شعرت بخيبة أمل بسبب محدودية الدعم الذي تلقته لحماية أراضيها وسكانها خلال التصعيد.

وأضاف أن ما قامت به الولايات المتحدة من إضعاف للقدرات العسكرية الإيرانية يظل عنصرًا مهمًا في طمأنة حلفائها، لكنه لا يعوض غياب التخطيط المشترك قبل الحرب.

حدود القوة الأمريكية

وحذر بانيتا من أن امتلاك الولايات المتحدة أقوى جيش في العالم لا يعني قدرتها على خوض حرب طويلة بلا تكلفة.

وأوضح أن استمرار العمليات العسكرية اليومية يفرض استنزافًا متزايدًا للذخائر والموارد، مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس طلب اعتمادات مالية إضافية بمئات المليارات من الدولارات لتمويل استمرار الحرب، وهو ما قد يثير جدلًا واسعًا داخل الكونغرس والرأي العام.

وأضاف أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على مواصلة العمليات العسكرية، لكنها لا تستطيع تجاهل الدروس المستفادة من الحروب السابقة، والتي أثبتت أن النجاح العسكري لا يضمن تحقيق سلام دائم إذا لم تُعالج جذور الصراع.

سيناريوهات الخروج من الحرب

ويرى بانيتا أن واشنطن تواجه ثلاثة خيارات رئيسية. الأول يتمثل في إعلان تحقيق أهدافها العسكرية وسحب قواتها، لكنه حذر من أن هذا السيناريو قد يُفسَّر دوليًا باعتباره تراجعًا أمريكيًا.

أما الخيار الثاني فهو الانخراط في حرب طويلة تستهدف القضاء الكامل على القدرات النووية الإيرانية، والسيطرة على المواد المخصبة، وربما تمهيد الطريق لتغيير النظام، لكنه استبعد إمكانية حصول هذا الخيار على دعم كافٍ من الشعب الأمريكي أو الكونغرس.

ورجح بانيتا أن تلجأ الإدارة الأمريكية إلى خيار وسط يقوم على إعلان تحقيق أهدافها العسكرية، والعمل على إعادة فتح مضيق هرمز، ثم نقل مسؤولية الحفاظ على الاستقرار إلى تحالف إقليمي ودولي.

مستقبل أكثر تعقيدًا

واختتم وزير الدفاع الأسبق تحذيراته بالتأكيد على أن الحرب لم تنته بعد، وأن أخطر نتائجها قد تكون ظهور نظام إيراني أكثر تشددًا وإصرارًا على تطوير قدراته النووية والصاروخية مستقبلًا.

وأشار إلى أن استمرار غياب تسوية سياسية شاملة سيجعل إيران تنظر إلى الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج باعتبارها تهديدًا دائمًا، وهو ما قد يقود المنطقة إلى دورات متكررة من الصراع، مؤكدًا أن السلام المستدام لن يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بمعالجة الأسباب العميقة للأزمات التي تشهدها المنطقة.

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى