السعودية تقود تحالفًا من 14 دولة لحماية الملاحة البحرية.. هل يدخل الشرق الأوسط مرحلة “الناتو الإقليمي”؟

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولاً متسارعاً في معادلاتها الأمنية والعسكرية، مع انتقال عدد من دولها من سياسة إدارة الأزمات والاعتماد على الشركاء الدوليين إلى بناء ترتيبات دفاعية جماعية تقودها دول المنطقة نفسها.
ويأتي هذا التحول في ظل تصاعد المواجهة مع إيران، وازدياد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الحيوية، الأمر الذي أعاد رسم أولويات الأمن الإقليمي.
ورأى تقرير نشرته مجلة “نيوزويك” أن التطورات الأخيرة قد تمثل بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط، بعد أن انضمت المملكة العربية السعودية إلى الولايات المتحدة في تنفيذ ضربات استهدفت مواقع مرتبطة بإيران داخل العراق، بالتزامن مع تحركات لتأسيس تحالف دفاعي لحماية البحر الأحمر.
وهو ما يعكس – بحسب التقرير – اتجاهاً متزايداً نحو بناء منظومة دفاع جماعي بقيادة دول الخليج، بدلاً من الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية.
وبحسب التقرير، فإن هذا التحول جاء أيضاً بعد خطوات عسكرية وسياسية متلاحقة، من بينها توقيع الكويت معاهدة دفاعية مع باكستان، وهو ما اعتبره مؤشراً على إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي، في وقت باتت فيه دول المنطقة تدرك أن الضمانات الأمريكية وحدها لم تعد كافية لمواجهة التهديدات المتزايدة.
تحالف بحري جديد
وتزامناً مع هذه التحولات، أعلنت 14 دولة، خلال اجتماع استضافته العاصمة السعودية الرياض، تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، في خطوة تعكس اتجاهاً عملياً نحو بناء منظومة أمنية مشتركة لحماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وأكدت الدول المؤسسة، في بيان مشترك نشرته وكالة الأنباء السعودية (واس)، التزامها الكامل بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، مشيرة إلى أن إنشاء التحالف جاء استجابة للتحديات المتزايدة التي تواجه الأمن البحري العالمي، وحرصاً على حماية حرية الملاحة وخطوط التجارة الدولية وإمدادات الطاقة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.
وأوضح البيان أن التحالف يمثل إطاراً للتعاون الدفاعي البحري، يهدف إلى تعزيز الأمن البحري، وتأمين الممرات المائية الحيوية، وحماية المصالح البحرية المشتركة، بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي والاتفاقيات والأعراف الدولية.
كما اتفقت الدول المؤسسة على استكمال الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة للانضمام الرسمي إلى ميثاق التحالف، مع تعزيز التعاون في مجالات تبادل المعلومات والاستخبارات، والتخطيط العملياتي، وإجراء التدريبات العسكرية المشتركة، وبناء القدرات، وتنفيذ العمليات البحرية وفقاً لأحكام الميثاق.
وشدد البيان على أن المشاركة في عمليات وأنشطة التحالف ستظل قراراً سيادياً لكل دولة وفق أنظمتها الوطنية، مؤكداً أن التحالف دفاعي الطابع ولا يستهدف أي دولة أو تحالف أو منظمة دولية، وأن جميع أنشطته ستنفذ في إطار احترام سيادة الدول وحماية حرية الملاحة والالتزام بالقانون الدولي.
كما دعت الدول المؤسسة جميع الدول التي تتوافق مع أهداف التحالف ومبادئه إلى الانضمام إليه، بما يسهم في توسيع التعاون وتعزيز الأمن البحري الجماعي في المنطقة.
ووفقاً للبيان، ستكون المملكة العربية السعودية الدولة المؤسسة والقائدة للتحالف، كما تستضيف مقره الرئيسي الدائم، إضافة إلى القيادة المشتركة، ومركز القيادة والسيطرة، ومركز العمليات البحرية المشتركة، والأمانة العامة.
وأكدت الدول المؤسسة في ختام بيانها أن إنشاء التحالف يمثل خطوة استراتيجية لترسيخ الأمن البحري في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وتعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الأعضاء، ودعم الاستقرار والازدهار، بما يكمل الجهود الدولية الرامية إلى حماية السلم والأمن الدوليين.
تحولات فرضتها التطورات الميدانية
جاءت الحرب الأخيرة والتصعيد العسكري في المنطقة ليكشفا حجم التحديات الأمنية التي تواجه دول الشرق الأوسط، سواء من خلال الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، أو استهداف الممرات البحرية وخطوط التجارة العالمية، أو تنامي المخاطر المرتبطة بأمن الطاقة.
وأظهرت هذه التطورات أن الاعتماد على التدخلات الخارجية وحدها لم يعد كافياً لضمان الاستقرار، وهو ما دفع العديد من العواصم الإقليمية إلى التفكير في بناء قدرات دفاعية مشتركة تقوم على التنسيق وتبادل المعلومات وتنفيذ عمليات جماعية عند الضرورة.
البحر الأحمر في قلب المعادلة
أصبح البحر الأحمر ومضيق باب المندب أحد أهم ميادين التنافس الأمني في المنطقة، نظراً لدورهما الحيوي في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
ويشير تقرير نيوزويك إلى أن تنامي التهديدات التي استهدفت الملاحة الدولية، ولا سيما هجمات الحوثيين على السفن التجارية، سرّع من التحركات الإقليمية لتأسيس إطار دفاعي مشترك، وهو ما تجسد لاحقاً في الإعلان الرسمي عن التحالف البحري متعدد الجنسيات.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه يهدف إلى بناء قدرة إقليمية مستدامة لحماية الممرات البحرية، بعيداً عن الاعتماد الكامل على التدخلات العسكرية الخارجية.
تراجع الاعتماد على واشنطن
على مدى عقود، شكلت الولايات المتحدة الضامن الرئيسي للأمن في الخليج والشرق الأوسط، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات واضحة في أولويات السياسة الأمريكية.
وبحسب نيوزويك، فإن التطورات الأخيرة دفعت العديد من حلفاء واشنطن إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم الدفاعية، في ظل قناعة متزايدة بأن الأمن الإقليمي يحتاج إلى شراكة أوسع تقوم على تحمل دول المنطقة جانباً أكبر من مسؤولية الدفاع عن مصالحها.
ولا يعني ذلك تراجع الشراكة مع الولايات المتحدة، وإنما انتقالها تدريجياً من نموذج الحماية المباشرة إلى نموذج يعتمد على تمكين الحلفاء وتعزيز قدراتهم الذاتية.
منظومة أمن إقليمي جديدة
تشير المؤشرات إلى توسع الاتفاقيات الدفاعية الثنائية ومتعددة الأطراف، وزيادة وتيرة المناورات العسكرية المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون في مجالات الدفاع الجوي والبحري والأمن السيبراني.
كما يبرز توجه متنامٍ لتطوير الصناعات الدفاعية المحلية وتقليل الاعتماد على الاستيراد، بما يمنح دول المنطقة هامشاً أكبر من الاستقلالية في إدارة أزماتها الأمنية.
ويرى خبراء أن هذه الخطوات تمثل اللبنات الأولى لمنظومة أمنية إقليمية أكثر تكاملاً، حتى وإن كانت لا تزال تختلف من حيث الهيكل والالتزامات عن نموذج حلف شمال الأطلسي.
عقبات أمام نموذج يشبه “الناتو”
ورغم المؤشرات الإيجابية، فإن إنشاء تحالف دفاعي إقليمي متكامل يواجه تحديات معقدة، أبرزها اختلاف أولويات الدول المشاركة، وتباين تقييمها للتهديدات، فضلاً عن تشابك المصالح الدولية في المنطقة.
كما أن غياب التزامات دفاعية ملزمة على غرار المادة الخامسة في حلف الناتو، واختلاف القدرات العسكرية بين الدول، يجعل الحديث عن “ناتو شرق أوسطي” أقرب إلى توصيف سياسي لمسار آخذ في التشكل، وليس تحالفاً عسكرياً مكتملاً حتى الآن.
مستقبل الأمن الإقليمي
تعكس التطورات الأخيرة أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل منظومته الأمنية، تقوم على توسيع الشراكات الدفاعية الإقليمية، وتعزيز الاعتماد على القدرات الذاتية، مع استمرار التعاون مع القوى الدولية الكبرى.
وبينما يرى تقرير نيوزويك أن الحرب الأخيرة سرعت هذا التحول، فإن الإعلان عن التحالف البحري متعدد الجنسيات يمثل أول ترجمة مؤسسية واضحة لهذا التوجه، بما قد يؤسس خلال السنوات المقبلة لنظام أمني إقليمي أكثر تنظيماً، يهدف إلى حماية المصالح المشتركة، وتأمين الممرات البحرية، وتعزيز الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.




