أخبارأخبار أميركاالراديومستشارك القانوني

لماذا تقع معظم حوادث السير؟.. الإجابة ستفاجئك مع المحامية جمانا كيروز

أجرى الحوار: ليلى الحسيني ــ أعده للنشر: أحمد الغـر

في هذا اللقاء، تغوص المحامية جمانا كيروز في أعماق “علم نفس القيادة” لتكشف أن حوادث السير ليست مجرد نتاج لظروف الطريق أو غياب القوانين، بل هي انعكاس للطبيعة البشرية وتحيزات الدماغ التي تؤثر على قراراتنا خلف المقود.

تسلط الحلقة الضوء على مفاهيم نفسية محورية مثل “انحياز التفاؤل” الذي يمنح السائق شعوراً زائفاً بالأمان، وتفند “خرافة تعدد المهام” التي تشتت الانتباه في ثوانٍ معدودة قد تعادل في خطورتها القيادة معصوب العينين لمسافات طويلة.

كما تستعرض كيروز التأثيرات المدمرة للإرهاق والمشاعر الحادة كالغضب والقلق على سرعة رد الفعل ودقة الحكم، مفسرةً ظاهرة فقدان التركيز في اللحظات الأخيرة من الرحلة التي تجعل السائق يصل إلى وجهته دون تذكر تفاصيل الطريق، وهو ما يفسر وقوع الحوادث بالقرب من المنزل.

إنها حوارية ثرية تهدف إلى إعادة صياغة وعي السائق بسلوكه الشخصي، لتقدم رؤية قد تغير طريقة قيادتك وتساهم في إنقاذ حياتك.

علم نفس القيادة

* رغم التطور الكبير في وسائل السلامة، لا تزال حوادث السير تحصد الأرواح وتترك آثاراً لا تُنسى على الأفراد والعائلات. السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده اليوم: هل المشكلة دائماً في الطريق، أم في الطريقة التي يفكر بها الإنسان أثناء القيادة؟

نناقش هذا الموضوع المهم مع ضيفتنا المحامية المختصة بقضايا حوادث السيارات والإصابات الشخصية، الأستاذة جمانا كيروز، لنبحث في علم نفس القيادة وكيف يمكن للوعي أن ينقذ الأرواح.

أهلاً بكِ أستاذة جمانا. موضوع “علم نفس القيادة” ملفت جداً، لماذا تقع معظم الحوادث رغم أن أحداً لا يخرج من منزله وهو ينوي التسبب بحادث؟

** لم نرد اليوم التحدث عن القانون فحسب، بل عن الطبيعة البشرية. بصفتي محامية حوادث، لن أتحدث عن الدعاوى القضائية، بل عن موضوع أعمق: لماذا يتخذ أشخاص مسؤولون وأذكياء قرارات كارثية وخاطئة خلف مقود السيارة؟

يعود ذلك لطبيعتنا البشرية، وأول سبب هو “انحياز التفاؤل” (Optimism Bias). لقد أثبتت الدراسات النفسية أن معظم البشر لديهم تفاؤل مفرط يؤثر على قيادتهم؛ وهو ميل الإنسان للاعتقاد بأن الأمور الجيدة ستحصل له، بينما تقع الحوادث أو الأمور السلبية للآخرين فقط.

هذه الظاهرة لا تقتصر على السيارات، بل تشمل الصحة والمال والعلاقات؛ فالإنسان يرى مشاكل الآخرين بوضوح لكنه يتفاءل بمستقبله الشخصي بشكل غير واقعي.

سلوك السائق

* كيف ينعكس هذا الانحياز على سلوك السائق؟

** يعتقد معظم السائقين أن مهاراتهم في القيادة أفضل من غيرهم، وأن الحادث لن يصيبهم. هذا الاعتقاد يمنعهم من القيادة بأسلوب دفاعي حذر، ويجعلهم يظنون أن إبعاد نظرهم عن الطريق للحظة لن يؤدي إلى كارثة، وهذا غير صحيح. فالدماغ البشري مبرمج على هذا الانحياز، مما يوهم السائق بأنه في أمان أكثر مما هو عليه في الواقع.

* هل الثقة الزائدة أو انحياز التفاؤل قد يكون أخطر من قلة الخبرة؟ وهل يمكن لثانية واحدة من التشتت أن تغير حياة الإنسان للأبد؟

** نعم، ثانية واحدة من التشتت قد تغير الحياة تماماً. بخصوص الخبرة، لا أملك دراسة مقارنة حالياً، لكن الشخص الذي يدرك قلة خبرته غالباً ما يكون أكثر انتباهاً وحرصاً وتركيزاً على الطريق. ويحضرني هنا مثال “الأرنب والسلحفاة.

فالأرنب خسر السباق لأنه كان واثقاً جداً من قدراته وتملكه انحياز التفاؤل فالتهى بأمور أخرى، بينما فازت السلحفاة لأنها كانت تسير بتركيز.

نحن جميعاً، مهما بلغت درجة تواضعنا، نعاني من هذا الانحياز الكامن في الدماغ، ويجب أن نعي وجوده لنتمكن من الحذر منه.

التشتت القاتل

* ما الذي نفعله أثناء القيادة ويؤدي إلى هذا التشتت القاتل؟

** هناك ما يسمى بـ “خرافة تعدد المهام”؛ فالحقيقة العلمية تؤكد أن الدماغ لا يستطيع القيام بمهمتين معقدتين في وقت واحد بتركيز كامل. لا يمكنكِ القيادة والتركيز في شيء آخر في آن واحد.

ولتوضيح خطورة التشتت، فإن صرف النظر عن الطريق لمدة ثلاث ثوانٍ فقط (لقراءة رسالة نصية مثلاً) يعادل قيادة السيارة وأنتِ مغمضة العينين لمسافة تعادل طول مبنى مكون من 30 طابقاً، أو طول طائرة بوينج 747، أو طول تمثال الحرية، أو طول 19 سيارة متراصفة. هذه الثواني الثلاث كفيلة بتغيير حياتك وحياة الآخرين للأبد.

* كما أشرتِ، العقل لا يركز على أمرين بنفس الوقت، فماذا عن عامل الأرهاق؟

** الأرهاق عامل نفسي خطير جداً. إذا سألتِ شخصاً: “هل تقود وأنت تحت تأثير الكحول؟” سيرفض، لكن الكثيرين لا يرفضون القيادة وهم مرهقون نتاج ساعات العمل الطويلة أو قلة النوم أو حتى الإرهاق العاطفي.

الإرهاق يسبب السرعة وعدم القدرة على الحكم الصحيح على الأمور أو تحليل ما تراه العين بوضوح. والدليل أن الكثيرين منا يصلون إلى وجهتهم دون أن يتذكروا تفاصيل الطريق في الكيلومترات الأخيرة.

تأثير المشاعر والعواطف

* ماذا عن تأثير المشاعر والعواطف على القيادة؟

** العواطف تؤثر بشكل كبير؛ فالدراسات تظهر أننا عندما نكون غاضبين، نزيد السرعة، ونقترب أكثر من السيارات التي أمامنا، ونغير مسارنا دون انتباه. أما القلق، فيجعل السائق متردداً ويبطئ من سرعة رد فعله وقدرته على اتخاذ القرار. في هذه الحالات، يكون الجسد داخل السيارة لكن العقل في مكان آخر.

* الموضوع شيق جداً، وأعتقد أننا نحتاج لحلقة أخرى لنكمل النقاش، خاصة حول مقارنة خطورة الإرهاق بخطورة القيادة تحت تأثير الكحول.

** لدي دراسات حول هذا الموضوع ستفاجئكم.

* القيادة الآمنة ليست مجرد معرفة بالقوانين، بل هي حالة من الوعي والمسؤولية. العقل المشتت، الإرهاق، الغضب، أو الثقة الزائدة، كلها عوامل قد تكون أخطر من أي منعطف في الطريق. شكراً لكِ أستاذة جمانا

تعليق

إقرأ أيضاً

زر الذهاب إلى الأعلى