اشتراكية ديمقراطية مناهضة لإسرائيل تكتسح انتخابات العاصمة
الغلاء والغضب من ترامب يقودان جينيس جورج إلى منصب عمدة واشنطن
حقق فوز المرشحة الاشتراكية الديمقراطية جينيس لويس جورج في انتخابات رئاسة بلدية العاصمة الأمريكية واشنطن تحولاً سياسياً لافتاً، ليضيف العاصمة إلى قائمة المدن الأمريكية الكبرى التي اتجهت أخيراً نحو انتخاب قيادات تقدمية، بعد نيويورك وسياتل، في ظل تنامي السخط الشعبي من تكاليف المعيشة وسياسات الرئيس دونالد ترامب.
ووفقًا لموقع “أكسيوس” يرى مراقبون أن الانتصار الكاسح الذي حققته لويس جورج لم يكن مرتبطاً فقط بتوجهها السياسي كاشتراكية ديمقراطية، بل جاء نتيجة مباشرة لحالة الاستياء المتزايدة من الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب الرغبة في التغيير بعد سنوات طويلة من إدارة المدينة من قبل قيادات توصف بأنها قريبة من دوائر الأعمال.
وتمكنت جينيس جورج من هزيمة منافسها المعتدل بسهولة في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، لتصبح وجهاً جديداً يمثل قطيعة مع النهج السياسي التقليدي الذي حكم العاصمة الأمريكية لعقود.
كما رأى مراقبون أن فوزها يمثل تحولًا سياسيًا لافتا يتمثل في صعود مرشحين يتبنون مواقف صريحة ضد إسرائيل، مشيرين إلى أن ذلك يأتي كتعبير واضح عن التغير الجذري في مواقف الشباب الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية والموقف من إسرائيل.
أوضاع سيئة
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نسبة عدم الرضا عن أوضاع المدينة وصلت إلى 55%، وهو أعلى مستوى منذ نحو 28 عاماً، خلال فترة رئيس البلدية الأسبق ماريون باري.
وكان الرئيس ترامب أحد أبرز أسباب هذا الاستياء، إلى جانب شعور قطاعات واسعة من السكان بالحاجة إلى تغيير المسار بعد ثلاث ولايات متتالية لرئيسة البلدية السابقة موريل باوزر.
كما ساهمت التحولات الديموغرافية في العاصمة في تعزيز فرص المرشحة الفائزة، إذ شهدت واشنطن خلال السنوات الأخيرة تزايداً في أعداد السكان البيض الأصغر سناً والأكثر ميلاً للأفكار التقدمية، وهو ما انعكس بوضوح على نتائج التصويت في الأحياء التي استقروا فيها.
ولم يقتصر نجاح لويس جورج على هذه المناطق، بل حققت أيضاً نتائج قوية في أحياء ذات أغلبية سوداء ومن الطبقة العاملة، ما بدد انتقادات خصومها الذين اعتبروا أن قاعدتها الانتخابية تقتصر على الناخبين التقدميين والشباب. وكانت الدائرة الثالثة الثرية في شمال غرب المدينة المنطقة الوحيدة التي أخفقت في الفوز بها.
تغير النظرة إلى الاشتراكية
وأظهرت استطلاعات للرأي أن ما يقرب من نصف الديمقراطيين المسجلين في واشنطن ينظرون بإيجابية إلى الاشتراكية، ما جعل الانتماء السياسي للمرشحة أقل إثارة للجدل مقارنة بمدن أمريكية أخرى.
كما فاز ثلاثة مرشحين تقدميين آخرين بمقاعد في مجلس المدينة، ما يمنح رئيسة البلدية المنتخبة حلفاء سياسيين أقوياء خلال الفترة المقبلة.
وركزت لويس جورج خلال حملتها الانتخابية على قضية ارتفاع تكاليف المعيشة، على غرار ما فعله عمدة نيويورك التقدمي زهران مامداني، بينما جعل منافسها كيني ماكدوفي ملف الأمن العام والجريمة محور حملته الرئيسية، متهماً إياها بالتساهل في هذا الملف رغم تراجع معدلات العنف مقارنة بالسنوات السابقة.
كما اعتمدت المرشحة الفائزة على شبكة تنظيمية واسعة ضمت معظم النقابات المحلية وفرع منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، وهو ما ساعدها على تنفيذ حملة ميدانية مكثفة شملت طرق نحو 200 ألف باب للتواصل المباشر مع الناخبين.
وعلى صعيد التواصل الجماهيري، نجحت حملتها في استثمار منصات التواصل الاجتماعي بصورة فعالة، مستهدفة الناخبين الشباب عبر محتوى رقمي جذب الانتباه وحقق انتشاراً واسعاً، خصوصاً بين أبناء جيل الشباب.
تحديات مقبلة
لكن التحديات الحقيقية تبدأ الآن بالنسبة لرئيسة البلدية المنتخبة، إذ تواجه واشنطن أوضاعاً اقتصادية معقدة تتمثل في ارتفاع معدل البطالة إلى 6.3% نتيجة تخفيضات الوظائف الفيدرالية التي أقرتها إدارة ترامب، إلى جانب تباطؤ النمو السكاني وعجز مالي يقدر بنحو 1.1 مليار دولار خلال العام الجاري.
وبدأت لويس جورج بالفعل في إظهار قدر من البراغماتية تجاه هذه التحديات، حيث بدت أقل حماساً لفرض ضريبة جديدة على الثروات، كما تجنبت تقديم تعهدات قاطعة بشأن تنفيذ بعض الوعود المكلفة، ومنها توفير نظام شامل لرعاية الأطفال منذ السنة الأولى لتوليها المنصب.
وفي الوقت نفسه، ستحتاج الإدارة الجديدة إلى التعاون مع البيت الأبيض لتنفيذ عدد من المشاريع الكبرى، من بينها إعادة تطوير المباني الفيدرالية الشاغرة في وسط المدينة ومشروع توسعة محطة يونيون الذي تقدر تكلفته بمليارات الدولارات، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة المستقبلية بين لويس جورج والرئيس ترامب.
ويؤكد محللون أن الرسالة التي أوصلتها لويس جورج إلى الناخبين كانت بسيطة ومباشرة: تكاليف المعيشة أصبحت مرتفعة بشكل غير مسبوق، وسياسات ترامب تزيد الضغوط على السكان، وهي الرسالة التي وجدت صدى واسعاً لدى الناخبين ومهدت الطريق أمام أحد أبرز الانتصارات السياسية التقدمية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
صعود المناهضين لإسرائيل
ويرى مراقبون أن فوز جينيس جورج يمثل تحولًا سياسيًا لافتا يتمثل في صعود مرشحين يتبنون مواقف صريحة ضد إسرائيل، مشيرين إلى أن ذلك يأتي كتعبير واضح عن التغير الجذري في مواقف الشباب الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية والموقف من إسرائيل.
ففي خطوة غير مسبوقة لمرشحة لمنصب عمدة العاصمة الأمريكية، وقعت جورج على استبيان منظمة «الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا»، متعهدة بعدم المشاركة في فعاليات ترى أنها تروج للصهيونية أو الفصل العنصري، ومقاطعة الزيارات الرسمية إلى إسرائيل، ورفض تقديم أي دعم عسكري أو اقتصادي لها على خلفية الحرب في غزة.
كما أعربت عن أسفها لتصويتها عام 2022 لصالح تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست لمعاداة السامية، مؤكدة أن معاداة الصهيونية وانتقاد إسرائيل لا يندرجان ضمن معاداة السامية. وتغيبت جورج مؤخراً عن اجتماع كان مقرراً مع قادة الجالية اليهودية في واشنطن.
ويأتي هذا الصعود السياسي في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى تحول ملحوظ في مواقف الشباب الأمريكي تجاه إسرائيل. فبينما تحتفظ الأجيال الأكبر سناً بمواقف داعمة لها، يبدي الأمريكيون دون سن الخامسة والثلاثين تعاطفاً متزايداً مع الفلسطينيين، وينظر عدد متنامٍ منهم إلى إسرائيل باعتبارها قوة استعمارية أكثر من كونها حليفاً استراتيجياً.
ويُعزى هذا التحول إلى تأثير التغطية الإعلامية الواسعة للحرب في غزة، ونشاط حركات العدالة الاجتماعية، إضافة إلى تنامي الوعي بالقضية الفلسطينية داخل الجامعات الأمريكية، وتأثير شخصيات سياسية تقدمية مثل بيرني ساندرز وإلهان عمر ورشيدة طليب.
وأثارت مواقف جورج غضباً داخل أوساط يهودية أمريكية، إذ وصف مجلس العلاقات المجتمعية اليهودية في واشنطن تعهداتها بأنها «قسم ولاء معادٍ لليهود» ويستهدف إقصاء اليهود والأمريكيين المؤيدين لإسرائيل من الحياة العامة.
وخلال اجتماع متوتر في كنيس «أهاف شالوم» الشهر الماضي، رفضت جورج الاعتذار علناً أو التراجع عن إجاباتها الواردة في استبيان منظمة «الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا»، رغم استماعها لشهادات بشأن التهديدات التي تواجهها المؤسسات اليهودية.



